رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

390

د. أحمد المحمدي

لولا المشقة ساد الناس كلهم

16 نوفمبر 2025 , 06:32ص

ينطلق الإنسان في هذه الحياة بين شقشقات الأمل، وجراح الواقع، ونداءات الفطرة التي تناديه إلى أن ينهض، وأن يكدح؛ فلا مكان لروح خامدة تترقب المعجزات، ولا لحياة تُرجى على ضفاف الأماني الكسلى. 

‏ومن هنا يأتي كلام المتنبي منبها الغافل:

‏لَوْلا المَشَقَّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ         الجُودُ يُفْقِرُ وَالإقْدَامُ قَتَّالُ

‏كلمة تُشبه قَرْعَ المطرقة فوق صخرة الوهم، لتقول للإنسان: إن الطريق ليس مفروشاً بالورود، وإن للعلاء ثمنه، وللريادة ضريبَتها.

‏هكذا قضى الله وقدّر؛ فلا محاباة لأحد على أحد، ولا يشفع للكسول نسب ولا يرفعه تاريخ. 

وقد قال عبدالله بن معاوية يوقظ الهمم من سباتها:

‏لَسْنَا وَإِنْ كَرُمَتْ أَوَائِلُنَا            يَوْماً عَلَى الأَحْسَابِ نَتَّكِلُ

‏نَبْنِي كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا          تَبْنِي وَنَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلُوا

‏إنها دعوة واضحة أن تضاف أمجاد الحاضر إلى أمجاد الماضي، لا أن تُستنزف حياة الشعوب في التغني بما كان.

‏يقول ابن القيم:

‏«وقد أجمع عقلاء كل أمة، على أن النعيم لا يُدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأن بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة».

‏كلمات تشبه سراجا في ليل ثقيل، تذكر بأن لذة الإنجاز لا تنال بلا عرق، وأن راحة الجسد ليست طريق راحة الروح، وأن السائر إلى أهدافه لن يبلغ شيئاً إن حمل على كتفيه خوف العناء.

ومن استوعب هذه السنن، واستيقن هذه الحقائق، سرت في كيانه روح أخرى؛ تجده يصنع نجاحه بيده، ويستخلص سعادته بعمله. لا يلتفت إلى الوراء متحسراً على زمن ولى، ولا يُلقي باللوم على الظروف، ولا يتكئ على الأعذار الواهية، ولا ينتظر طفرة تهبط عليه من السماء بلا جهد.

‏إنه يؤمن أن الفشل طريق النجاح وأن البلاء طريق العافية

‏وأن حياة الإنسان لا تُكتب بالحظوظ؛ بل تُخَط بمقدار ما يبذله من جهد؛ ففي قاموسه لا مكان لليأس، ولا للعجز، ولا للكسل، ولا للأماني التي لا تتكئ على عمل.

‏وهكذا، يظل الطريق واحداً: 

‏طريق المشقة تلد الرفعة وطريق الصبر ينبت الثمار

‏وطريق الكدح الذي يهب للإنسان معنى وجوده. 

‏فمن أراد المعالي، فعليه أن يدفع ثمنها ومن أراد الخلود في التاريخ، فليحمل مشعل الفعل، لا مرآة الذكرى.

مساحة إعلانية