رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن الوضع العربي "أبأس" مما هو عليه الآن، ذلك أننا سنشهد في المرحلة القريبة القادمة، سايكس بيكو جديدة، بلباس عصري تسعى إلى تفكيك الدولة القطرية العربية. لقد سعت إسرائيل منذ قيامها ولا تزال وأعوانها وحلفاؤها إلى تفتيت وحدة النسيج الاجتماعي في كل دولة عربية. وللأسف لم تنتبه الدول العربية منذ البدايات إلى المؤامرات التي تستهدف وحدتها، لتعمل على حل كافة الإشكاليات المعنية، سواء كانت عرقية أم طائفية أو مذهبية. بالطبع يقول كثيرون: ما أسهل إلقاء المسائل على نظرية المؤامرة، وهم في جانب من قولهم محقون، فلولا العوامل الذاتية لكل دولة عربية والتي سمحت بطريقة أو بأخرى بشكل مباشر أو غير مباشر، لنمو مثل هذه التيارات الانقسامية، لما كان التهديد بالانقسام سهلاً.
الحلول في المراحل الأولى لم تكن صعبة. وتتمثل في جملة من الممارسات: الاعتراف بالأقليات القومية الموجودة في داخل الدولة، إعطاء هذه الأقليات حقوقها في صون خصوصياتها الثقافية، ولغاتها (إن كان ثمة لغة لكل منها). احترام عاداتها الاجتماعية ورموزها الوطنية، العمل على تعميق الوحدة الوطنية في النسيج الاجتماعي داخل الدولة، الحرص على تسييد الديمقراطية في التعامل داخل الدولة. وبين فئات المجتمع بمختلف مكوناته العرقية والدينية والطائفية والمذهبية.
نعم، لقد لعبت هذه الأقليات والجماعات مختلفة الانتماء دوراً مهماً في معركة استقلال الدولة العربية الحديثة، وفي بناء وحدتها وتأسيسها.
مناسبة القول: خطاب رئيس إقليم كردستان زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البرزاني في المؤتمر الثالث عشر للحزب، والذي حضر حفل افتتاحه كل الزعماء العراقيين (أو معظمهم). ومطالبته بحق تقرير المصير للأكراد. في اليوم التالي للخطاب، انضم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي جلال طالباني، إلى دعوة البرزاني من خلال تصريح برهم صالح رئيس حكومة إقليم كردستان والذي طالب فيه (بحق الأكراد في تقرير مصيرهم).
الدعوة الكردية، هي مقدمة للمطالبة بالانفصال اللاحق، فلطالما حلُم الأكراد بدولتهم المستقلة ذات السيادة مثل باقي الدول، ما طالب به البرزاني أيضاً هو: ضم مدينة كركوك إلى إقليم كردستان وهو مطلب كردي عام.
الدعوة الكردية تعززت بالاحتلال الأمريكي- الغربي للعراق، فمنذ الأيام الأولى للعدوان، حرص الأكراد على ما يشبه الاستقلال بإقليمهم (الذي تم فرض الحظر الجوي عليه منذ العام1991 من قبل مجلس الأمن الدولي) وحرصوا فيما بعد على تضمين الدستور العراقي نصاً بإنشاء العراق الفيدرالي (بالطبع هذه كانت رغبة أمريكية)، ونصاً آخر على ضرورة إجراء استفتاء شعبي في مدينة كركوك لتقرير مصيرها.
المطلب الكردي لم يكن بعيداً عن الرغبة الأمريكية التي استهدفت من وراء عدوانها على العراق، تفتيته إلى دويلات اثنية وطائفية، دولة للأكراد في الشمال، ودولة للشيعة في الجنوب، وثالثة للسنة في الوسط، وذلك من أجل تقسيم العراق كدولة عمق إستراتيجي للدول العربية المجاورة، وكدولة تلعب دوراً كبيراً في الصراع العربي الصهيوني، ولذلك حرصت الولايات المتحدة على إنشاء قنصلية لها في أربيل، وكُتبت تحقيقات كثيرة عن الدور الإسرائيلي المتصاعد فيها في المجالات المختلفة، بما فيها: الجوانب الأمنية.
الأكراد يحتلون في العراق مواقع مهمة، فمنهم رئيس الجمهورية ووزير الخارجية وإقليم كردستان له دستوره المنفصل ورئيسه وحكومته المستقلان (بالمعنى الفعلي) وله ميلشيته (عملياً جيشه). وهو يعيش حكماً ذاتياً (منذ النظام العراقي السابق). تعزز هذا الحكم بعد الاحتلال الأمريكي- الغربي للعراق. لقد نّص الدستور العراقي أيضاً على حق إقليم كردستان بجزء من الثروات فيه، أي أن الإقليم أصبح شبه دولة، ولكن (اسمياً) في إطار العراق الواحد. الآن يسعى الأكراد لضم كركوك إلى الإقليم وإعلان دولتهم المستقلة كاملة السيادة، وإذا ما بقيت الأمور مثلما عليه الآن، وبخاصة التشظي السياسي العراقي، وعدم سيطرة الدولة على مقاليد الأمور في العراق، وارتفاع منسوب الاثنية والطائفية والمذهبية والدينية فيه، وانعدام الأمن ووجود الفوضى، ونهب ثرواته من المحتل الأمريكي، إضافة إلى انتشار الفساد (الذي تعلنه الحكومة العراقية ولا تخفيه). وتعدد الانتماءات، ووجود الميليشات المذهبية والطائفية، وانتشار عصابات الإجرام والسلب والنهب والاختطاف (وهذه كلها بركات التدخل الأمريكي!). كل هذه العوامل تسببت في هجرة ما يزيد على الخمسة ملايين من العراقيين خارج وطنهم، إذا ما بقي كل ذلك قائماً، فلن يمنع الأكراد شيء من الاستقلال بدولتهم، والعقبة الوحيدة أمام الإعلان: هي دول الجوار الإقليمي وتحديداً إيران وتركيا وسوريا، وكلها لا تؤيد إقامة مثل هذه الدولة نظراً لوجود أقليات كردية فيها خوفاً من امتدادات الدولة الكردية العتيدة إلى هذه البلدان، ومطالبة الأكراد فيها بالانفصال عن البلدان الأم والانضمام إلى الدولة الجديدة.
نقول عن مرحلة تفتيت الدولة القطرية العربية، ذلك أننا على أبواب انفصال الجنوب السوداني عن الوطن الأم، ففي التاسع من يناير القادم سيتم تنظيم استفتاء دولي للتصويت لصالح الانفصال أو البقاء مع السودان. الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان لا تخفي دعوتها لحث الجنوبيين على الانفصال. لذلك فإن الولايات المتحدة افتتحت مسبقاً سفارة لها في جوبا. إضافة إلى وجود فنصلية إسرائيلية. ووجود مخططات جاهزة للدولتين للتعاون مع الدولة الحديثة، والحركة الشعبية لم تنكر هذا الأمر، وأعلنت في وسائل الإعلام كافة استعداداتها الكبيرة للتعاون مع كل من أمريكا وإسرائيل.
في لبنان أيضاً توجد دعوات من فئات مختلفة لإنشاء كونفيدرالية لبنانية تعتمد التقسيم الديني والطائفي والمذهبي فيه، وإذا ما جاء قرار المحكمة الدولية المكلفة بإصدار الاتهام في حادثة اغتيال رفيق الحريري مسيساً، وهو على الأغلب سيكون كذلك فلربما سيؤدي هذا القرار إلى تفجير الوضع اللبناني، وعودة شبح الحرب الأهلية اللبنانية (لا سمح الله) مرة أخرى. في هذه الحالة ستتعزز الدعوات لإنشاء الكونفيدرالية اللبنانية، والتي يقُصد منها أولاً وأخيراً تفتيت لبنان، بإنشاء دويلات صغيرة على أرضه.
في اليمن، ليس الوضع بأفضل، فوجود قضية الحوثيين والحراك الجنوبي (الذي يعتبر الجنوب محتلاً من قبل الشمال) عاملان مهددان للوحدة اليمنية.
كثيرون ينادون بإنشاء دولة للأقباط في مصر، ودولة للأمازيغ في المغرب العربي، حتى أن أعمدة صحفية كثيرة وكتابات أمريكية (بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001) نادت بتفكيك المملكة العربية السعودية إلى دويلات. كما أن قضية الصحراء الغربية مع المغرب مهددة لوحدة الدولة العربية القطرية، والحبل على الجرار.
من الواضح أنه وإذا تم التصويت لصالح انفصال الجنوب عن السودان (وهو غالباً كذلك) وإذا ما تم انفصال الأكراد، فستعتبر الخطوتان سابقتين يمكن الاقتداء بهما! فهل تحس الدولة القطرية العربية بالخطر الذي يتهدد وحدتها؟
أوباما..نتنياهو: لقاء المصالح
أعلن البيت الأبيض رسميا. أن أوباما سيلتقي نتنياهو في نيويورك. على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد... اقرأ المزيد
515
| 23 سبتمبر 2016
الاحتيال والجرائم على الانترنت
يحمل التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال الاجتماعي. وجهين: الإيجابي. الذي يستغله المجموع. والآخر السلبي. الذي يستغله المجرمون واللصوص... اقرأ المزيد
505
| 15 سبتمبر 2016
أوهام ليبرمان وكيانه
كَسر إرادة الشعب الفلسطيني في المقاومة. كما نشر ثقافة الهزيمة في أوساطه! هذا ما حاوله ويحاوله القادة الصهاينة.... اقرأ المزيد
530
| 08 سبتمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1110
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
582
| 12 أكتوبر 2026