رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خلال تجوالي في جوبا عاصمة الجنوب السوداني على مدى ثمانية أيام لرصد التداعيات التي ستنتج عن استفتاء تقرير المصير صليت من أجل الوحدة كنت آمل أن أعثر على بقاياها لدى المواطن الجنوبي لكنني فوجئت بحجم معاداتها والسعي بقوة إلى التخلص منها عبر الاستفتاء الذي اختتمت وقائعه مساء أمس السبت بعد حوالي أسبوع من عمليات التصويت التي جرت في أكثر من 2600 مركز اقتراع بالولايات الجنوبية العشر فضلا عن أكثر من 165 مركزا بولايات الشمال بالإضافة إلى المراكز الخارجية في دول المهجر لم أكتف بالصلاة من أجل الوحدة وإنما سعيت إلى محاولة معرفة مكانتها في ذهنية النخب السياسية والشارع الجنوبي والمدهش أن الإجابات جاءت جميعا متقاربة باتجاه رفض الاستمرار فيها على الأقل في المدى المنظور وهو ما بدا لي واحدا من رابع المستحيلات بعد أن شاهدت الملايين من سكان الجنوب يتدفقون على مراكز الاقتراع مستخدمين كل وسائل النقل وأغلبها عربات الربع الرباعي التي تتناسب مع الوضع الطبوغرافي لجوبا ولغيرها من ولايات الجنوب التي ما زالت تخاصم الطرقات الحديثة المرصوفة إلا شارعا رئيسيا يربط منتصف العاصمة وبعض أطرافها خاصة الأحياء التي يقع فيها مقر حكومة الجنوب والوزارات كان المشهد خلال أيام الاستفتاء التي قضيتها في جوبا ينبئ بحالة حماسة بالغة باتجاه الانفصال فالصفوف كانت تمتد على نحو حلزوني داخل مراكز الاقتراع التي تابعتها عن كثب وخارجها ومحتوية أصنافا من البشر مختلفي
الملابس بين الزاهي والفاقع والهادئ ومرتدي علم الجنوب وأغلبهم من
الشباب والفتيات تصاحبهم ضحكاتهم وابتساماتهم وتسكن الحيوية قلوبهم قبل أجسادهم جاءوا إلى مراكز الاقتراع ليوجهوا رسالة واحدة للعالم مؤداها أنه " إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر" وهي العبارة التي رددتها شعوب كثيرة في المنطقة في رحلة كفاحها الطويل من أجل الاستقلال الوطني خلال الحقبة الإمبريالية ولكن هل ينطبق هذا البيت للشاعر العربي التونسي أبو القاسم الشابي على حالة جنوب السودان وهل ما جرى هو مسعى لتحقيق استقلال وطن كان محتلا من قوى خارجية أم فصل جزء مهم عن الوطن الكبير؟ وعندما تيقنت من حقيقة الانفصال الذي بدا مرسوما على الوجوه والملامح بكيت فها أنا المنتمي لتيار وحدة الأمة ووحدة أقطارها أتحول إلى شاهد حي على واقعة انفصال الجنوب عن دولة الوحدة فاضت الدموع بمآقينا وأنا وزميلتي الصحافية المصرية بالأهرام أسماء الحسيني العاشقة للسودان - كل السودان - ونحن نتابع آخر تجليات الحملة السياسية التي نظمتها الحركة الشعبية – الحزب الحاكم – في الجنوب بحضور أكثر من عشرة آلاف مواطن تجمعوا من كافة قبائل الولايات العشر المكونة للجنوب ومارسوا أمامنا نوعا من الرفض الجماعي لخيار الوحدة بل أعلن أحدهم بصريح العبارة: نعم للانفصال ولا للتعريب وللأسلمة وللطغيان والتهميش في إشارة إلى ممارسات سلطة الحكومة المركزية في الخرطوم والتي كتبوا عبارات وداعية لهم أخذوا يلوحون بها على مدى الساعات الخمس التي استغرقها اللقاء الجماهيري الذي حضره الرجل القوي في الحركة الشعبية باجان أموم أمينها العام ووزير السلام بحكومة الجنوب والذي ترجل خطابا سياسيا استغرق وحده ساعتين بدا لنا وكأنه ينتقم من ممارسات حكومة الخرطوم ضده شخصيا والتي وصلت ذروتها العام الماضي عندما اعتقلته قوات الأمن على خلفية خروجه ضمن قيادات أخرى للضغط عيها للإسراع بتطبيق اتفاقية السلام وإلغاء القوانين المقيدة للحريات حيث شن حملة ضارية على ما وصفه بدولة السودان الفاشلة والتي رأى أنه من المستحيل
الاستمرار في وحدة معها وقال "حتى لو هبط يوم التاسع من يناير- أول
أيام الاستفتاء - من النار وليس من السماء فإننا سنخترق هذه النار للتصويت على تقرير مصيرنا "وهو ما فجر الساحة الواسعة التي كانت تحتضن اللقاء بجامعة جوبا التي يتم ترميمها في الوقت الراهن بالهتاف ضد الوحدة والدعوة إلى الانفصال الفوري خاصة بعد أن ذكر أن ضحايا الحروب التي خاضها الجنوبيون يتراوحون بين 4 و5 ملايين شخص ما شاهدناه في هذا اللقاء جسد حالة من الهستيريا التي تمددت في أجساد الجميع وتنوعت تجلياتها بين هتافات ورقصات تقليدية قدمتها فرق عدد من قبائل الجنوب بأزيائها الفاقعة الألوان وإلقاء قصائد الشعر والأغاني وكلها تؤدي رقصة الانفصال الأولى وليس الأخيرة.
خلال الأيام التي أمضيتها بجوبا تجولت في أحيائها سواء الراقية التي يسكنها كبار القوم من قيادات الحركة الشعبية والجيش الشعبي وكبار مسؤولي الحكومة والمكونة من فيلل وبيوت بطابق واحد بدت لنا نظيفة ومهندمة معماريا فضلا عن احتوائها على مكيفات الهواء والمناطق الشعبية التي ما زالت تستخدم المنزل الإفريقي التقليدي المكون من البوص والمغطى بجذوع الأشجار فبدت لي مسكونة بهاجس واحد هو التأهب للرحيل عن الوطن وتركه بلا عودة كانت الجدران والطرقات والسيارات والميادين العامة المحدودة في المدينة زاخرة بمختلف ألوان التحريض على الانفصال كان هناك حشد وتعبئة واسعة ضد الوحدة مارسه قادة الحركة الشعبية على مدى الشهور الست الأخيرة عبر كل وسائط الإعلام المحدودة والتي ما زالت غير واسعة الانتشار وكذلك عبر الوسائل البدائية التي تتناسب مع طبيعة حياة القبائل التي ما زالت أعداد هائلة من المنتمين إليها غير مؤهلين تعليميا حيث تتجاوز الأمية نسبة ال80 في المائة وأسهم الأمين العام للحركة الشعبية باجان أموم بالنصيب الأكبر فيها حيث تجول في أغلب ولايات الجنوب العشر خلال الأسبوع الذي إجراء عملية الاستفتاء وعرض علي وعلى زميلتي أسماء الحسيني مصاحبته خلال إحدى هذه الجولات لكن ما حال دون المشاركة فيها هو وصولنا إلى جوبا بعد أن غادرها والرجل يتمتع بالكاريزما ويصفونه بأنه الأكثر قدرة على التعبير عن فكر الزعيم الراحل للحركة الشعبية جون قرنق حيث كان واحدا من أهم المقربين إليه بدرجة تفوق قرب سلفاكير ميارديت الذي تولى قيادة الحركة بعد رحيله المفاجئ في أعقاب توقيعه على اتفاقية السلام بنيفاشا في عام 2005 وثمة من يتوقع المزيد من الصعود السياسي لأموم في مرحلة بناء الدولة الوليدة إذا استمر الانسجام الراهن بينه وبين سلفاكير ويمكن القول إن هذه التعبئة الجماهيرية والتي يبدو أنها كانت ممنهجة ومخطط لها على نحو جيد لعبت الدور الأساسي في دفع سكان الجنوب إلى الانحياز للتصويت لخيار الانفصال حتى قبل أن يبدأ الاقتراع في سابقة تكاد تكون هي الأولى من نوعها حيث بات الجميع يعلمون نتيجة الاستفتاء وهو ما أفقده طعم المفاجأة وسمة التنافس والصراع بين موقفين ورؤيتين لكن بالتأكيد هناك عوامل أخرى دفعت إلى هذا الانفصال الذي سيمزق وطنا بحجم السودان قبل إرسال المقال: بيت الشعر الذي قاله الشاعر أبو القاسم الشابي قبل أكثر من سبعة عقود: "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر"تجسد بقوة في شعبه العربي التونسي الذي انتفض طالبا الحرية فصنع معادلة جديدة تنهض على أن الخبز وحده لا يصنع الأوطان وإنما الحرية والخبز معا.
السطر الأخير:
مرسومة قصيدتك بعيني أيتها المغزولة بوجودي السابحة ببحاري الناضجة بثماري يرتدي قلبي عشقك نبضا يدق أوتاري فتفاجئني شمس صباحاتك ترسل عطرها بنهاري تمنح الكون سر بهائها فترقص العصافير تبث فرحها المقيم بأعالي الأشجار
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
368
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
431
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
307
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
34626
| 01 سبتمبر 2026
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10224
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8265
| 03 سبتمبر 2026