رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لسببٍ ما، يبدو الروس متخوفين جداً من جلوس وفد النظام السوري أمام وفد المعارضة، المنبثق من لقاء الرياض، خلال مفاوضات جنيف3 التي كان يُفترض أن تُعقد بعد أقل من عشرة أيام.
والأرجح أن أسبابهم قويةٌ إلى درجة توريط أنفسهم بشكلٍ واضح في إفشال إمكانية انعقاد المفاوضات في توقيتها الأصلي. وقد جاءت الخطوة الأخيرة المتمثلة في وضع ما بات يُسمى (القائمة الروسية) على الطاولة من قِبَلهم، بحيث تضم 15 اسماً من اختاروها للمشاركة في المفاوضات، ليكون بمثابة الخطأ السياسي والدبلوماسي الأخير في هذا الإطار.
لم يفطن الروس، في غمرة اعتدادهم الراهن بالنفس، إلى أن الفقرة الثامنة من مقدمة القرار المشهور 2254 نفسه، والذي يحاولون تفسيره بما يناسب أجندتهم دائماً، تقول ما يلي: "وإذ يضع المجلس في اعتباره الهدف المتمثل في جمع أوسع نطاقٍ ممكن من أطياف المعارضة، باختيار السوريين، الذين سيقررون من يُمثلهم في المفاوضات ويُحددون مواقفهم التفاوضية..".. لم ينتبهوا على الأقل إلى عبارة "باختيار السوريين"، ولم يطلبوا من (مُعارضتهم المُصنَّعة) أن تقوم هي بتقديم اللائحة رسمياً، على الأقل من باب حفظ الوجه، بل قاموا، أي الروس، بطرحها مباشرةً، وبحيث أصبح اسمها في وكالات الأنباء ووسائل الإعلام (القائمة الروسية)، كما ذكرنا أعلاه.
الأدهى في الموضوع هو ادعاءُ الروس أن القرار المذكور (2254) نصﱠ على تكليف دي ميستورا على تشكيل الوفد من مؤتمرات الرياض وموسكو والقاهرة. هنا يُخطئ الروس مرتين. الأولى لأن في هذا تعسفاً في قراءة القرار الذي قال إنه "يُحيط علماً بالاجتماعات التي عُقدت في موسكو والقاهرة وبما اتُخذ من مبادرات أخرى تحقيقاً لهذه الغاية، وإذ يُلاحظُ على وجه الخصوص جدوى اجتماع الرياض، المعقود في الفترة من 9 إلى 11 ديسمبر 2015، الذي تُسهم نتائجه في التمهيد لعقد مفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة". ولو كان الروس يفهمون العربية جيداً لقرأوا أن الفقرة، المنقولة من الترجمة الرسمية المُعتمدة للأمم المتحدة، وفي موقعها على شبكة الإنترنت، تستخدم عبارة "الذي تُسهم نتائجه" مُحيلةً على مؤتمر الرياض، ولو كانت الإحالةُ إلى جميع المؤتمرات لكانت العبارة المستخدمة هي "التي تُسهم نتائجها"!
أما الخطأ الآخر فيما يتعلق بهذه القضية فيتمثل في أن المعارضة، والسعودية قبل ذلك، احتاطت لهذا الموضوع ابتداءً، حيث تم دعوة عدد ممن حضروا مؤتمرات موسكو والقاهرة إلى لقاء الرياض، وحضروهُ فعلاً. بل يبدو أن معلومات الروس ناقصة، إلى درجة أنهم لم يعلموا أن المعارضة قدمت قوائم رسمية بأسماء 28 شخصاً من هؤلاء إلى السيد دي ميستورا خلال لقائها معه في الرياض منذ قرابة أسبوعين، وأن هذا كان ورقةً سياسيةً مُحترفة أمامهُ منعته من اقتراح أسماء إضافية كان من المعروف أنه يريد اقتراحها للانضمام إلى وفد المعارضة.
قبل هذا وبعده، أظهرت روسيا، ولا تزال تُظهر، أنها ستكون المُسبب الأكبر في عدم انعقاد مفاوضات جنيف3 بأكثر من طريقة.
فعلى سبيل المثال، كان وزير خارجية روسيا هو الذي صرح بأن الأردن "سيشرف على عملية تحديد من الجماعات التي يمكن عدها جماعة إرهابية"، ثم إن روسيا رفضت اللائحة بعد صدورها، بصراحةٍ أولاً من خلال إيران، ثم مواربةً، بعد ذلك، بنفسها.. حيث أشارت وزارة الخارجية الروسية إلى أن وضع القائمة "يواجه صعوبات".
هكذا، تضع موسكو نفسها بكل وضوح في موقع التناقض مع كل البيانات والقرارات والتصريحات الدولية، التي وافقت هي عليها وكانت جُزءاً منها، فيما يتعلق بالمسار السياسي وعملية المفاوضات في سوريا.
أما الأسوأ من هذا كله فيتمثل في نقض روسيا، التي يُفترض أن تكون شريكا راعياً في تلك العملية لمقدماتها الأساسية في أكثر من مجال، وتحديداً فيما يتعلق بالفقرات 12 و13 من القرار 2254. من قصفها للمدنيين، ولفصائل مشاركة في العملية السياسية، بشهادات دولية، إلى عدم ضغطها على النظام لإيصال مساعدات كما تفترض بها القرارات الدولية.
لا تحتاج المعارضة السورية إلى خبراء دوليين في مهمتها لإظهار حقيقة الموقف الروسي من المفاوضات. ببساطة، لأن روسيا باتت تضع نفسها الآن، بكل ممارساتها، في موقع المُعيق الأكبر لانعقادها. وسيكون سهلاً، لنفس السبب، على السعودية التي تحملت عبء جمع السوريين المعارضين بشكلٍ غير مسبوق، وعلى المعارضة السورية، رفض الاقتراحات الروسية (السخيفة)، مثل مشاركة ثلاثة وفود في العملية التفاوضية!
هل يحصل هذا لأن روسيا اكتشفت، متأخرةً، أن كل القرارات والبيانات المتعلقة بالعملية السياسية تُحيل إلى بيان جنيف1 بشكلٍ أو بآخر، وبأكثر مما يتصور القارئون العابرون لتلك القرارات؟ وبحيث وَجدَت أن النظام سيكون محاصراً في الزاوية من اللحظة الأولى في المفاوضات، مهما كانت المناورات التي تسبقها.
هذا سببٌ مقنعٌ جداً لأن تُورطَ روسيا نفسها بهذا الشكل المفضوح. لكن الفضيحة الكبرى تبقى من نصيب أفراد (محسوبين) على الشعب السوري، باعوا أرواحهم للشيطان، لشراء أي موقعٍ سياسي وإعلامي بثمنٍ بخس.
أهمية تنمية وإدارة الموارد البشرية
تُعد الموارد البشرية الركيزة الأساسية لنجاح المؤسسات وتحقيق أهدافها، إذ إن العنصر البشري هو المحرك الرئيس للإنتاج والتطوير... اقرأ المزيد
30
| 05 يونيو 2026
رمز QR.. مسح سريع وخسارة كبيرة
أصبح رمز الاستجابة السريعة (QR) جزءًا من تفاصيل يومنا؛ نمسحه لقراءة قائمة طعام، أو لدفع رسوم موقف سيارة،... اقرأ المزيد
27
| 05 يونيو 2026
كيف نردع المتنمرين ؟
إن التنمر ينتشر غالبا بين الأطفال والمراهقين، سواء في المدرسة أو بين أبناء الأقارب أو غيرهم، وذلك يرجع... اقرأ المزيد
33
| 05 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5718
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2757
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2418
| 02 يونيو 2026