رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
واضح أن دول الغرب عموما تتلكأ في حسم موقفها ضد (أو مع) القذافي وضد أو مع الثورة عليه، وبدأنا نرصد تصريحات لبعضهم تفعل فعل الحرب النفسية التيئيسية على الثوار والثورة.. كقولهم: إن القذافي سيستمر لفترة طويلة، وأن عزلته الدولية ستستمر لبعض الوقت! - لاحظ عبارة " لبعض الوقت " وانظر لما توحيه من طمأنة للقذافي!
البعض منا يبدي استياءه من ذلك وكأنه كان يتوقع شيئا آخر ومصداقية أعلى لدى الغرب! والبعض الآخر يتساءل عن موقف الغرب هذا ويضعه في الميزان المصالحي المجرد فيقول: إذا كان الغرب يطمع في بلادنا ويسيل لعابه على العودة للاستعمار.. فلماذا لا يقود حربا على القذافي كما كان متوقعا دائما، وكما فعل في مرات سابقة؟ وإذا كان أحد أهم دوافع الثورات العربية – والليبية جزء منها – ما يمارسه الغرب من سياسات وما يتخذه من مواقف تتعلق بنا وكانت بناء على ذلك الخصومة بيننا وبينه مفتوحة على كل الجهات والاحتمالات، وإذا كانت كلمة الشعوب في المرحلة القادمة هي الأعلى؛ فلماذا لا يتجنب – هذا الغرب – عداوة هذه الشعوب والثورات؟ ولماذا لا يقول للثورة وللشعب الليبي ولشعوبنا من حوله إنه مستعد لفتح صفحة جديدة ولإقامة نوعية أخرى من العلاقات قائمة على الود وتبادل المصالح؟ وإذا كان القذافي قد سقط حكما واعتبارا وأصبح بقاؤه في سدة الحكم ليس أكثر من هامش زمني سيكون مليئا بالكر والفر وعدم الاستقرار؛ فلماذا لا يستغلون الفرصة للتواصل مع الثوار واستباق أن تتحول ليبيا إلى رأس حربة ضدهم باعتبار المكان الذي تتبوأه في خاصرة المتوسط؟. بعض آخر منا يتساءل وكأنه يستحضر الشخصية الغربية الانتهازية والروح الصليبية التي رسمها أو التي كشفها بوش الابن فيقول: أليست الفرصة سانحة وهذا الطريق قد صار ممهدا لتدخل غربي ثم لتسلل عسكري شامل بمباركة من الجامعة العربية وحتى من الثوار أنفسهم الذين لم يعودوا يعترضون على فرض حظر جوي غربي على ليبيا؟ وهل النفط الليبي أقل جودة أو جدوى أو إغراء من نفط العراق؟ وأقول: عدة حقائق ينبغي تذكرها وتدقيقها هنا:
1- أن الثورات العربية في ليبيا وغيرها هي في الواقع ثورات ليست على القذافي وحسني وبن علي وعلي فقط أو شخصيا، ولا هي على الظلم والفساد والاستبداد الداخلي فقط؛ ولكنها ثورات على كل الزعماء الذين يقيمون نظمهم على الاستبداد والقمع الداخلي والخنوع والمهانة على المستوى الخارجي.. من ينظر إلى الأمور من هذه الزاوية يرى حتما الغرب في صف النظم لا في صف الشعوب ويلمس جدية تخوف الغرب من الغرب علاقات وسياسات مستقبلية تقوم على الندية والاحترام بدل الاتباع والطاعة.. وعليه فمن يترجى دعم الغرب لهذه الثورات أو يتوقعه فإنما منطقه كمن يترجى أو يتوقع من حسني وبن علي والقذافي أن يدعموا الثورات عليهم.
2- لا يجوز أن تتلوث هذه الثورات بدعم الغرب أو حتى محاولة خطب رضاه فذلك شائن لها مفسد لوطنيتها ناف لالتفاف الشعوب حولها.. ولا تجوز الغفلة عن أن هذا الغرب ليس جمعية خيرية وبالأخص إذا تعلق الأمر بنا وبقضايانا وحقوقنا وإصلاحاتنا.. ولنلحظ الثورة الفلسطينية – الأطول في التاريخ الحديث والتي تواجه العدو الذي لا يختلف اثنان على عداوته – وكيف تبدل حالها وإلام انتهى مآلها عندما قبلت أن ترتب أولوياتها وفق أطروحات النسبية والمقايضة.. وتلقت بناء على ذلك الدعوم الملوثة بالإملاءات.. إذن فالثورات العربية يجب أن تبقى ناصعة مطلقة (وبالأخص في جيلها الأول).
3- الغرب عاجلا أم آجلا سيعترف بالحقيقة، وسيفهم أن شعوبنا لم تعد تقبل بالكثير الذي كانت تقبله، وأنها تحتاج للكثير من بادرات وإجراءات حسن النية وإلى الكثير من الوقت ليجلو وحر قرون من العنف والعداء.. وأن التدخل المباشر وغير المباشر لتنصيب (الزلم) والنظم التي تقدم لهم - للغرب - كل شيء فقد ولى زمانه وانتهى وأنها اليوم حتى لو بقيت فهي تداري رأسها..
4- أن جزءا من عدم تدخل الغرب في ليبيا هو نتاج خلاصة تجربة التدخل – الغزو – في العراق وأفغانستان وهو ما ينبغي استثماره وتعميق أثره في الوجدان الغربي وعدم الاستهانة به.. وذلك يعني أن الأولوية يجب أن تبقى لتدخل عربي ولا بأس أن يكون مدعوما لوجيستيا من أي جهة خارج نطاق مجلس الأمن والقانون الدولي حتى في حالته البائسة.. النظم العربية هنا على المحك ولربما يكون تعاملها مع المشكل الليبي معيارا ومقياسا لوطنيتها ولتحديد قربها أو بعدها عن احتمالات الثورة عليها.. الثورة الليبية عليها أن تكون أكثر حدية وجدية في رفض التدخل الغربي المباشر المندفع ذاتيا من دون غطاء أممي وقانوني والمستقل عن التدخل العربي مهما كانت الاعتبارات أو الاجتهادات أو الخسارات.. فذلك مقتل للقيم الثورية التي تقوم وتنطلق عليها كل الثورات.. والسبب هنا بسيط وواضح هو أننا لا نأمن الغرب على بلادنا ولا نأمن ضبط وفرز الدوافع والمديات التي يمكن أن ينطلق أو يصل إليها تدخله..
5- الغرب استمر في عداوتنا منذ ألف وأربعمائة سنة حتى الآن، واحتل بلادنا وبدد وحدتنا وأزال ملكنا وخلافتنا الراشدة ذات يوم (قريب) وهو الذي أقام الكيان الصهيوني الغاصب من دون أدنى وجه حق ودعمه وعززه في كل ما هو ضد وجودنا وضد مصالحنا، وهو الذي رعى نظما متهرئة جارت علينا وأفسدت ذات بيننا، وزور الانتخابات الأفغانية ورفض نتائج الانتخابات الفلسطينية ودعم تزوير نظام (الساقط) حسني مبارك، ولا يزال يدعم نظما أخرى ليست أقل فسادا واستبدادا ممن لم تصله الطاحون بعد.. والغرب بمعناه الرسمي ونظمه وأحزابه (المتحكمة تحديدا) هو الذي يدير علينا حربا وعدوانا شاملا مباشرا في فلسطين والعراق وأفغانستان وغير مباشر في طول بلادنا وعرضها وتحت عناوين كثيرة، وهو الذي ينتهك القانون الإنساني والأخلاقي في سجونه (جوانتنامو وأبو غريب) ويستخدم الفيتو ضد كل قرار فيه رائحة إنصاف لنا، ويفتح علينا أبواب الشر تباعا من قضية الحجاب إلى المآذن إلى الرسوم المسيئة إلى تصريحات بابا الفاتيكان.. وسلسلة طويلة جدا مما لا يمكن حصره من أوجه ونماذج وأنماط السلوك العدواني..
6- يخطئ من يتوهم أن الغرب يمكن أن ينحكم أو يتحاكم لقانون أو لأخلاق أو أنه قد غير عقيدته وموقفه التاريخي؛ منا كأعداء، ومن قضايانا كمجال لإدامة الصراع والإخضاع، ومن نفسه كمستعل ومتحكم ومتدخل فينا وفي حاضرنا ومستقبلنا، ومن بترولنا وثرواتنا وأجوائنا التي يعتبر امتلاكنا إياها مجرد صدفة (وخطأ وجودي) وأنه الأولى بها، وأنه لا بد من إعادة تصحيح (خطأ الرب فيها كما قالوا) تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.. ويخطئ من يصدق أن هذا الغرب يعرف أو يقبل بالديموقراطية خارج الحدود التضاريسية والجغرافية لبلاده وخارج عرقيته الغربية وخارج مصالحه الضيقة..
آخر القول: لا بد أن نرى الغرب على حقيقته لا كما نحب أن نراه.. وعلى الغرب أن يستوعب التغييرات الجارية وأن يعلم أنه بتدخلاته واعتداءاته كان أحد أهم أسباب إثارة غضب الشعوب وإشعال الثورات العربية الحالية فيها، والغرب مشتبه به بل متهم كداعم للساقطين ما استمر في إمساك العصا من الوسط، وما استمر في المناورة بين المبادئ والمصالح وما استمر في الدعم المبطن للقذافي وأمثاله.. وعلى الغرب إذا كان متأكدا من أن القادم مختلف أن يعلم أن اللحظة حاسمة..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3030
| 24 سبتمبر 2026