رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وصلت حمى الانتخابات في أوروبا مرحلة ملتهبة بما ينذر بهبوب رياح التغيير على القارة العجوز، وذلك من خلال النتائج الأخيرة التي أظهرت أن الرياح الجديدة ستأتي بما لا تشتهيه الأحزاب الحالية التي ظلت تسيطر على حكومات الدول الأوروبية لفترة طويلة.
وبفوز مرشح الحزب الاشتراكي فرانسوا هولاند بالرئاسة والإطاحة باليميني نيكولا ساركوزي، يصبح هولاند بذلك الرئيس السابع في الجمهورية الخامسة لمدة خمس سنوات، ليتزعم إحدى أهم الدول النافذة في العالم، والتي تمتلك سلاحا نوويا، وعضوية دائمة في مجلس الأمن، وتلعب دورا رئيسا وهاما في الاتحاد الأوروبي.
ومع صعود اليسار إلى الحكم في فرنسا بعد أكثر من عقد من الزمان، واحتمال حصول ائتلاف حزب اليسار المتطرف "سيريزا" على عدد من المقاعد داخل البرلمان اليوناني بعد أن وجد دعم قاعدة عريضة من الشعب اليوناني خاصة من شريحتي الشباب والمثقفين المناهضين لسياسات التقشف ولتلك الشروط الصارمة التي فرضها كل من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لإنقاذ البلاد، ورغم فشل الحزب اليساري في الحصول على أغلبية المقاعد في البرلمان، إلا أن احتمال خروج أحزاب مهيمنة وسياسيين من الحلبة يمكن أن يضيف للحزب في المستقبل القريب أملا في وصوله إلى السلطة.
كما أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية بأكبر الولايات الألمانية (شمال الراين وستفاليا)، فوز الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالنتائج الأولية وبالتالي خسارة حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (الحزب المسيحي الديمقراطي) الذي مُني بهزيمة قاسية.
هل سيطلق هذا التغير في المشهد السياسي الأوروبي الشرارة الأولى "للربيع الاشتراكي"؟
لقد أثبتت نتائج الانتخابات في كل من فرنسا واليونان وألمانيا أن الأوروبيين غير راضين عن حكوماتهم الحالية، ويتطلعون إلى أحزاب أخرى - كالأحزاب الاشتراكية - يحدوهم فيها الأمل أن تحمل في طياتها انفراجا للأزمة ونهاية للفصل الاقتصادي المأساوي.
فلقد اكتسبت هذه الأحزاب الاشتراكية وضعها الراهن في أعلى القوائم الانتخابية، لأنها حصلت على دعم من قطاعات مغلوبة على أمرها من الشعب الذين عانوا الأمرين من سياسات التقشف الاقتصادي التي فرضتها عليهم حكوماتهم.
ومع ذلك، فإن الدول العربية هي أيضا قلقة حيال ما يمكن أن تأتي به رياح أوروبا بوضعها الحالي الذي تقودها فيها حكومات يسارية، وما ستجلبه للعلاقات العربية، خاصة العلاقات العربية - الفرنسية.
فحينما اعتلى المرشح الاشتراكي فرانسوا ميتران السلطة في فرنسا عام 1981، أصاب قلق بالغ غالبية الدول العربية باعتبار أن ميتران صديقا لإسرائيل، وكانت هناك أحاديث حول رغبة بعض الدول العربية في سحب استثماراتها من البنوك الفرنسية تحسبا لأي تغييرات سياسية قد تطرأ من قبل إدارة ميتران تجاه الشرق الأوسط.
ورغم ذلك، فلقد تعامل ميتران مع الأمور بكل دبلوماسية، وبعث بكبار موظفيه لجميع سفارات منطقة الشرق الأوسط ليؤكد لهم أن سياساته تجاه المنطقة ستكون متوازنة، كما بعث شقيقه الجنرال جاك ميتران إلى المملكة العربية السعودية لإجراء مباحثات مع الملك خالد وولي العهد - آنذاك - الأمير فهد. ونتيجة لذلك، قام ميتران بأول زيارة خارجية له، بصفته رئيسا لفرنسا، إلى المملكة العربية السعودية.
وأظهر ميتران أيضا دعمه للعالم العربي خلال الحرب الأهلية اللبنانية عندما قام بإرسال قوات فرنسية للمساعدة في استعادة النظام في البلاد التي مزقتها الحرب الأهلية، كما استقبل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات في باريس في عام 1989.
وخلال فترة حكم ساركوزي، كانت فرنسا إحدى الدول التي بذلت جهدا حثيثا للدفع باتجاه التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في ليبيا، وكذلك طالبت فرنسا الرئيس السوري بشار الأسد بالتنحي أكثر من مرة. ورغم أن فرانسوا هولاند لم يعبّر بشكل واضح عن سياسته تجاه الشرق الأوسط، إلا أنه أعلن خلال حملته الانتخابية أنه يؤيد التدخل العسكري في سوريا طالما أنه يتم من خلال إطار عمل الأمم المتحدة. ودعا أيضا إلى تشديد العقوبات ضد إيران لتجنب أي تصعيد عسكري محتمل.
وكان ساركوزي خلال فترة رئاسته حريصا على تعزيز علاقات ودية مع الرئيس باراك أوباما، مما نتج عنه توطيد للعلاقات الفرنسية الأمريكية، لاسيَّما وأن الولايات المتحدة تعتبر أهم وجهة للاستثمارات الفرنسية في الخارج.
ومع خلفية هولاند الاشتراكية، فإنه من المتوقع أن يكون أقل ودية تجاه الولايات المتحدة من خلال علاقة شبه متوترة تحكمها حسابات سياسية، وفي المقابل تطوير علاقات أوثق في ذات الوقت مع روسيا. وقال هولاند إنه سوف يؤكد على استقلال فرنسا من دون جعل الأمور صعبة بالنسبة لأوباما، وهذا يشير إلى أن فرنسا في ظل إدارة هولاند لن تسير بأي حال في خطى السياسة الأمريكية حول مختلف القضايا بشكل أعمى، وهذه بطبيعة الحال يمكن أن تمثل نقطة إيجابية لصالح روسيا.
خلال السنوات الأولى من رئاسة ميتران، كانت العلاقات بين فرنسا والاتحاد السوفيتي – آنذاك- فاترة، خصوصا بعد تصريح ميتران بأنه لن يكون هناك أي تطبيع للعلاقات بين البلدين، إلا إذا نفذت (روسيا) انسحابا ينهي احتلالها لأفغانستان. ولكن عندما جاء ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة، تحسنت العلاقات الفرنسية السوفييتية وعادت الأجواء أكثر دفئا إلى عهد ديغول، حيث أصبح ميتران أكثر استجابة لدعوات غورباتشوف بضرورة الحد من سياسة التسلح. وفي هذا السياق، فمن المرجح أن فرنسا هولاند ستكون أكثر ترحيبا بروسيا، طالما أن روسيا لديها الخبرة الكافية في التعامل مع الرؤساء الاشتراكيين طيلة سنوات العهد السوفييتي.
ورغم وعود التغيير وبداية عهد جديد، فإن الحزب الاشتراكي في فرنسا سوف يحتاج إلى وقت لاستقرار الأوضاع في حكومته الجديدة وعودة اليسار إلى الأليزيه بعد غياب استغرق 17عاما. لقد تغيرت الأوضاع كثيرا منذ أن حكم فرانسوا ميتران فرنسا، وستؤثر مجريات الأحداث السياسية في الدول الأوروبية الأخرى على مدى وكيفية استجابة إدارة فرانسوا هولاند لتلك التغيرات المتوقعة على خارطة أوروبا السياسية. وأيضا في ظل حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية الجارية، فإن الحزب الاشتراكي لن يملك سوى الانتظار والترقب لما ستؤول إليه الأحداث هناك، وما إذا كانت ستحدث تغييرات تتطلب إجراء تعديل على السياسات الفرنسية، فضلا عن سياسات الدول الأوروبية الأخرى.
لا بد للربيع الأوروبي هذا العام أن يحدث تغييرا، ليس فقط اقتصاديا، بل سياسيا أيضا. وعن مدى تأثير هذه التغييرات على فرنسا والقارة الأوروبية، فهذا أمر يصعب التكهن به، وكل ما علينا فعله هو الانتظار.
وعليه، فإن انعكاس هذا التوازن الجديد في القوى يجب أن يكون بردا وسلاما على السياسة الخارجية للدول العربية، وينبغي للدول العربية أن تضع في الاعتبار هذه التغييرات التي تحدث في فرنسا وبلدان أوروبية أخرى، وتتصرف على هذا النحو من خلال اتخاذ خطوة أولى جادة في طريق تعزيز علاقات الصداقة مع أوروبا، وأن يعرب العرب عن آمالهم في أن يكون انتخاب فرانسوا هولاند فرصة جديدة لاستعادة مسار شراكة طويلة المدى بين الدول العربية وفرنسا، وصولا إلى تقوية العلاقات العربية الفرنسية على قيم الصداقة والمصالح المشتركة، بدلا من إلقاء اللوم على إسرائيل دائما في كونها تستحوذ على علاقات أفضل مع الدول الأوروبية.
وبفوز مرشح الحزب الاشتراكي فرانسوا هولاند بالرئاسة والإطاحة باليميني نيكولا ساركوزي، يصبح هولاند بذلك الرئيس السابع في الجمهورية الخامسة لمدة خمس سنوات، ليتزعم إحدى أهم الدول النافذة في العالم، والتي تمتلك سلاحا نوويا، وعضوية دائمة في مجلس الأمن، وتلعب دورا رئيسا وهاما في الاتحاد الأوروبي.
ومع صعود اليسار إلى الحكم في فرنسا بعد أكثر من عقد من الزمان، واحتمال حصول ائتلاف حزب اليسار المتطرف "سيريزا" على عدد من المقاعد داخل البرلمان اليوناني بعد أن وجد دعم قاعدة عريضة من الشعب اليوناني خاصة من شريحتي الشباب والمثقفين المناهضين لسياسات التقشف ولتلك الشروط الصارمة التي فرضها كل من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لإنقاذ البلاد، ورغم فشل الحزب اليساري في الحصول على أغلبية المقاعد في البرلمان، إلا أن احتمال خروج أحزاب مهيمنة وسياسيين من الحلبة يمكن أن يضيف للحزب في المستقبل القريب أملا في وصوله إلى السلطة.
كما أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية بأكبر الولايات الألمانية (شمال الراين وستفاليا)، فوز الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالنتائج الأولية وبالتالي خسارة حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (الحزب المسيحي الديمقراطي) الذي مُني بهزيمة قاسية.
هل سيطلق هذا التغير في المشهد السياسي الأوروبي الشرارة الأولى "للربيع الاشتراكي"؟
لقد أثبتت نتائج الانتخابات في كل من فرنسا واليونان وألمانيا أن الأوروبيين غير راضين عن حكوماتهم الحالية، ويتطلعون إلى أحزاب أخرى - كالأحزاب الاشتراكية - يحدوهم فيها الأمل أن تحمل في طياتها انفراجا للأزمة ونهاية للفصل الاقتصادي المأساوي.
فلقد اكتسبت هذه الأحزاب الاشتراكية وضعها الراهن في أعلى القوائم الانتخابية، لأنها حصلت على دعم من قطاعات مغلوبة على أمرها من الشعب الذين عانوا الأمرين من سياسات التقشف الاقتصادي التي فرضتها عليهم حكوماتهم.
ومع ذلك، فإن الدول العربية هي أيضا قلقة حيال ما يمكن أن تأتي به رياح أوروبا بوضعها الحالي الذي تقودها فيها حكومات يسارية، وما ستجلبه للعلاقات العربية، خاصة العلاقات العربية - الفرنسية.
فحينما اعتلى المرشح الاشتراكي فرانسوا ميتران السلطة في فرنسا عام 1981، أصاب قلق بالغ غالبية الدول العربية باعتبار أن ميتران صديقا لإسرائيل، وكانت هناك أحاديث حول رغبة بعض الدول العربية في سحب استثماراتها من البنوك الفرنسية تحسبا لأي تغييرات سياسية قد تطرأ من قبل إدارة ميتران تجاه الشرق الأوسط.
ورغم ذلك، فلقد تعامل ميتران مع الأمور بكل دبلوماسية، وبعث بكبار موظفيه لجميع سفارات منطقة الشرق الأوسط ليؤكد لهم أن سياساته تجاه المنطقة ستكون متوازنة، كما بعث شقيقه الجنرال جاك ميتران إلى المملكة العربية السعودية لإجراء مباحثات مع الملك خالد وولي العهد - آنذاك - الأمير فهد. ونتيجة لذلك، قام ميتران بأول زيارة خارجية له، بصفته رئيسا لفرنسا، إلى المملكة العربية السعودية.
وأظهر ميتران أيضا دعمه للعالم العربي خلال الحرب الأهلية اللبنانية عندما قام بإرسال قوات فرنسية للمساعدة في استعادة النظام في البلاد التي مزقتها الحرب الأهلية، كما استقبل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات في باريس في عام 1989.
وخلال فترة حكم ساركوزي، كانت فرنسا إحدى الدول التي بذلت جهدا حثيثا للدفع باتجاه التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في ليبيا، وكذلك طالبت فرنسا الرئيس السوري بشار الأسد بالتنحي أكثر من مرة. ورغم أن فرانسوا هولاند لم يعبّر بشكل واضح عن سياسته تجاه الشرق الأوسط، إلا أنه أعلن خلال حملته الانتخابية أنه يؤيد التدخل العسكري في سوريا طالما أنه يتم من خلال إطار عمل الأمم المتحدة. ودعا أيضا إلى تشديد العقوبات ضد إيران لتجنب أي تصعيد عسكري محتمل.
وكان ساركوزي خلال فترة رئاسته حريصا على تعزيز علاقات ودية مع الرئيس باراك أوباما، مما نتج عنه توطيد للعلاقات الفرنسية الأمريكية، لاسيَّما وأن الولايات المتحدة تعتبر أهم وجهة للاستثمارات الفرنسية في الخارج.
ومع خلفية هولاند الاشتراكية، فإنه من المتوقع أن يكون أقل ودية تجاه الولايات المتحدة من خلال علاقة شبه متوترة تحكمها حسابات سياسية، وفي المقابل تطوير علاقات أوثق في ذات الوقت مع روسيا. وقال هولاند إنه سوف يؤكد على استقلال فرنسا من دون جعل الأمور صعبة بالنسبة لأوباما، وهذا يشير إلى أن فرنسا في ظل إدارة هولاند لن تسير بأي حال في خطى السياسة الأمريكية حول مختلف القضايا بشكل أعمى، وهذه بطبيعة الحال يمكن أن تمثل نقطة إيجابية لصالح روسيا.
خلال السنوات الأولى من رئاسة ميتران، كانت العلاقات بين فرنسا والاتحاد السوفيتي – آنذاك- فاترة، خصوصا بعد تصريح ميتران بأنه لن يكون هناك أي تطبيع للعلاقات بين البلدين، إلا إذا نفذت (روسيا) انسحابا ينهي احتلالها لأفغانستان. ولكن عندما جاء ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة، تحسنت العلاقات الفرنسية السوفييتية وعادت الأجواء أكثر دفئا إلى عهد ديغول، حيث أصبح ميتران أكثر استجابة لدعوات غورباتشوف بضرورة الحد من سياسة التسلح. وفي هذا السياق، فمن المرجح أن فرنسا هولاند ستكون أكثر ترحيبا بروسيا، طالما أن روسيا لديها الخبرة الكافية في التعامل مع الرؤساء الاشتراكيين طيلة سنوات العهد السوفييتي.
ورغم وعود التغيير وبداية عهد جديد، فإن الحزب الاشتراكي في فرنسا سوف يحتاج إلى وقت لاستقرار الأوضاع في حكومته الجديدة وعودة اليسار إلى الأليزيه بعد غياب استغرق 17عاما. لقد تغيرت الأوضاع كثيرا منذ أن حكم فرانسوا ميتران فرنسا، وستؤثر مجريات الأحداث السياسية في الدول الأوروبية الأخرى على مدى وكيفية استجابة إدارة فرانسوا هولاند لتلك التغيرات المتوقعة على خارطة أوروبا السياسية. وأيضا في ظل حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية الجارية، فإن الحزب الاشتراكي لن يملك سوى الانتظار والترقب لما ستؤول إليه الأحداث هناك، وما إذا كانت ستحدث تغييرات تتطلب إجراء تعديل على السياسات الفرنسية، فضلا عن سياسات الدول الأوروبية الأخرى.
لا بد للربيع الأوروبي هذا العام أن يحدث تغييرا، ليس فقط اقتصاديا، بل سياسيا أيضا. وعن مدى تأثير هذه التغييرات على فرنسا والقارة الأوروبية، فهذا أمر يصعب التكهن به، وكل ما علينا فعله هو الانتظار.
وعليه، فإن انعكاس هذا التوازن الجديد في القوى يجب أن يكون بردا وسلاما على السياسة الخارجية للدول العربية، وينبغي للدول العربية أن تضع في الاعتبار هذه التغييرات التي تحدث في فرنسا وبلدان أوروبية أخرى، وتتصرف على هذا النحو من خلال اتخاذ خطوة أولى جادة في طريق تعزيز علاقات الصداقة مع أوروبا، وأن يعرب العرب عن آمالهم في أن يكون انتخاب فرانسوا هولاند فرصة جديدة لاستعادة مسار شراكة طويلة المدى بين الدول العربية وفرنسا، وصولا إلى تقوية العلاقات العربية الفرنسية على قيم الصداقة والمصالح المشتركة، بدلا من إلقاء اللوم على إسرائيل دائما في كونها تستحوذ على علاقات أفضل مع الدول الأوروبية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4293
| 23 سبتمبر 2026