رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد ذكريات الدم والتشرد الفلسطيني طي النسيان كما كانت لسنين عددا بعد النكبة، ولم تعد تمر كما كانت تمر لسنين أخرى كثيرة بعد ذلك من خلال حفلات الأغاني ومهرجانات التسلية الأشبه بالرقص والطرب، ولم يعد خطباء السياسة هم نجوم المناسبات وأحدهم لا يحسن إلا " تزويق " الكلام ومصانعة علان وفلتان وربما بيتفاخر بأنه لم يطلق على العدو رصاصة واحدة.. لم تعد تمر ذكريات الدم والتشرد الفلسطيني عبر دموع الأسى والغربة اليائسة البائسة المشتتة في المهاجر والمخيمات..
لقد صارت هذه الذكريات تمر حاشدة بالانتصارات والتضحيات بقدر ما يمتلئ العدو رعبا وخوفا منها على كل شيء.. في المشهد الجديد احتفالات (وأهازيج نعم ؛ لكنها على وقع الانتصار لا النكبة ولا النكسة.. وفي الاحتفالات نجوم هم الأسرى الفعّالون المجاهدون المقاومون وليسوا القوّالين ولا الخطّابين.. وفي المشهد صورتان متناقضتان ؛ انتصار الأسرى الفلسطينيين وإرادتهم وتضحياتهم ؛ وصورة انكسار السجان الصهيوني.. وسبحان الله الذي كتب النصر على أيدي هؤلاء الأسرى الذين يفترض أنهم تحت يد الاحتلال بلا حول ولا طول بين يدي سجان عتل جواظ متكبر طعان لعّان موتور بغيض يتحكم في طعامهم وشرابهم ونومهم ويقظتهم.. لكنهم اليوم يفرضون إرادتهم على السجان، وقضيتهم على الإعلام، وأجندتهم على ذوي القربى الذين نسوهم وعلى الأباعد الذين لم يهتموا بهم.. وها هم يحققون الإنجازات الكبيرة ويدوسون بكبريائهم إرادة العدو وعناده وطغيانه.. ومن كان يظن أن الأسرى الذين هم في قاع المظلمة الفلسطينية وفي قعر النسيان الرسمي يكون منهم كل هذا الإبداع وأن يحققوا كل هذا الإنجاز..
في مشهد النكبة والنكسة العام الماضي – قبل سنة - كانت الجموع الشعبية السلمية والشبابية تهاجم أطراف دولة الكيان على أنغام الثورات العربية فسقط من سقط شهيدا.. ولعل ذلك يتكرر مرات وكرات.. وما بين السنتين والمرتين تحرر حماس في وفاء الأحرار أكثر من ألف أسير من ذوي المحكوميات العالية والمؤبدات.. لقد رسم الشعب الفلسطيني خطا فاصلا بين مرحلتين ؛ مرحلة إحياء ذكريات المأساة الفلسطينية بالبكاء على الأطلال، ومرحلة إحيائها بالانتصارات وكلمة السر في ذلك كله.. أن الشعوب تملك ما لا تملكه النظم.. فيما العدو يأكله الرعب والخوف من المستقبل..
لقد صار خوف العدو اليوم ليس من الهزيمة العسكرية أمام الجيوش الرسمية التي أعد نفسه وجيشه لها تماما ؛ ولكن من أن تنطلق حراكات شعبية تتجاوز حدوده السياسية إلى الداخل بأمواج بشرية من كل جانب لا يستطيع ردها، أو بانتفاضة ثالثة تأكل كل ما تقدم بين يديها مما اشتغل عليه الاحتلال عشرات السنين من الأشكال والبناءات السياسية للحيلولة دون تحرك الشعوب وجهودها وإبداعاتها..
جدير فهم ما كان سببا في تعجيل انتصار إضراب الأسرى وإخضاع العدو به.. ولا بد من ضبط النسب واستخلاص العبر وربط كل عبرة بحدثها وحديثها وكل استخلاص بأصله وفصله.. ليمكن بعد ذلك تفعيله وإعادة الاستثمار فيه.. وليس يجوز أن يبهرنا النصر مهما عظم عن مواطن ضعف كان يفترض أن لا توجد في المشهد بقدر ما لا يجوز أن تتكرر.. لتكون الفرحة أشد صفاء ولذة النصر أكثر إمتاعا وليكون النصر مؤزرا والفتح مبينا.. وكل ذلك لا يجوز أن يغفلنا عن أن القيمة النهائية للمشهد هي النصر الجميل.. وأقول:
أولا: إن من أهم ما كان سببا في انكسار العدو والتعجيل بالنصر أن القضية إنسانية وأخلاقية وحقوقية من الطراز الأول، وأن لها بالتالي وقعا أخلاقيا لدى كل من يسمع عنها منا أو ممن حولنا.. ولأنها كذلك فهي تتحدث بلغة عالمية يفهمها القاصي والداني ويراها الأعمى والبصير ويسمعها الأصم والسميع.. لذلك تحقق النصر، ولو أننا تفاعلنا معها – أقصد الرسمية الفلسطينية والعربية – بعالمية أكثر وإعلامية أشمل في المجامع والمنتديات والمؤسسات الحقوقية والدولية وبالأخص منها الرسمية لما احتاج الأسرى أن يجوعوا كل هذه المدة ولحققوا الكثير مما لم يتحقق بعد.. العلة الأساس هي أن العدو يخشى على الصورة الأكاذيبية التي ركبها لأخلاقيات زائفة اشتغل عليها كثيرا وأنفق عليها أكثر مما ننفق على طعامنا وشرابنا..
مثل هذه القضية الإنسانية الحقوقية الأخلاقية كل القضية الفلسطينية بكل عناوينها التفصيلية التي تصلح كل واحدة منها عنوانا لإضراب جديد (كقضية الأسرى – ما تبقى منها أكثر مما تم حسمه - وكقضية الحصار على غزة، وقضية الاستيطان والتهويد، وقضية منع رخص البناء في الضفة وفي القدس خاصة، وفتاوى حاخاماتهم الدينية اليهودية المتطرفة، والمجازر بأنواعها والمتضررين منها، وتجنيد العملاء، ومنع الانتقال للعلاج)..
ثانيا: العدو يخشى إلى درجة الرعب من انتفاضة ثالثة صارت بالفعل على أهبة الاستعداد واحتشدت لها كل مكونات الانطلاق.. وما بقي إلا الشرارة وكان ينتظر أن تكون شرارتها استشهاد بعض الأسرى.. أما مكونات هذه الانتفاضة ؛ فالربيع العربي، والانغلاق السياسي، ومعاناة الأسرى وأهاليهم، إضافة للانقسام الوطني الفلسطيني، والفقر وتأخر الرواتب والإشاعات حول الفساد المالي والإداري والأمني.. الانتفاضة الثالثة خرجت من كونها مجرد فكرة في البال وأمنية في الخيال.. إلى أن اعتمد اسمها تقريبا (انتفاضة الأسرى).. هنا لا يمكن التغافل عن أن جهات فلسطينية حاولت تنفيس هذا الاحتقان وسعت لتفكيك الإضراب وتخلت عنه ببيان رسمي.. والبعض أقام المهرجانات الرياضية وبالغ في الترويج والحشد لها، ولسنا ننسى هنا ما قامت به أجهزة السلطة من اعتقال بعض المتضامنين مع الأسرى.. صاروا اليوم آباء النصر وكلهم يدعي وصلا بليلى.. ولكن ليلى بالتأكيد لا تقر لهم بذاك.. وقبل يومين فقط كانوا شيئا آخر وفي مكان آخر..
ثالثا: هذا الإضراب الذي خاضه الأسرى وقع زمانيا داخل مجموعة من المناسبات الوطنية والتواريخ الدامية للشعب الفلسطيني.. يوم الأرض 30 / 3، ويوم الأسير 17 / 4 وذكرى النكبة 15 / 5، وذكرى النكسة 5 / 6.. هذا التوقيت كان غاية في الذكاء فقد جمع أكثر من سبب لتحشيد الناس وربط الأحداث واستثمار الغضب الفلسطيني.. فصارت إمكانية التصعيد وهوامش المناورة فيه كبيرة وكثيرة.. هذا يعني أنه يمكن استثمار هذه الفترة من كل عام لتصعيد كل عناوين الصراع السياسية التصادمية مع العدو واحدة تلو الأخرى..
رابعا: وكان للإعلام دور أساس في تحقيق وإنجاز هذا النصر.. وأعيد اليوم التذكير بما قلته في مقال سابق – ضمن نفس الموضوع - مقولة الهالك بيجين – الرئيس السابق لوزراء العدو - في مذكراته " لو كان مع الفلسطينيين كاميرا تلفزيونية واحدة عام 48 لما قامت "دولة إسرائيل".. نعم كان للإعلام دور ولكن ليس الإعلام الرسمي الذي تخلف كثيرا وصمت طويلا.. ولكنه إعلام الشباب، وإعلام حملات الفيسبوك الذي اصطبغ باللون البني المستخدم في ألبسة الأسرى لدى الاحتلال.. إعلام الأفراد والشعوب الذي لا يمكن للعدو التواصل معه ولا السيطرة عليه ولا القدرة على احتوائه وتداعياته..
آخر القول: يمكن أن ننتصر على العدو في كل التفاصيل، وتحت كل العناوين ولقد صار ممكنا تغيير وجه التاريخ الذي كان مظنونا أنه لن يتغير.. أما الفارق والمعول عليه فهو الشعوب التي إن تتحرك فهي السلاح الذي يخافه كل أحد.. إنه انتصار الضحية على الجلاد وانتصار العين على المخرز.. وسبحان من (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها) وصدق من قال " يجعل سره في أضعف خلقه"..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026