رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مكسور الوجدان، صرت منزوع الرغبة في الكتابة والتأمل والتدبر أصبحت، مستهلكا أبدو، قابضا على الجمر أتحرك، مفتت الأواصر والروابط أسير، الحرائق تشتعل بداخلي، وخارجي وفي القلب وفي الروح.
غادرتني البهجة، سافرت إلى مناطق نائية لم تعد تسكنني وأنا الذي بدأت في غزل خيوط عشقها بعد ثورة المحروسة في الخامس والعشرين من يناير.
صارت تتمنع عني الثورة. أتساءل من أجهضها؟ من أنزلها إلى حدائق الصبار عوضا عن حدائق الياسمين والعنب والرمان والنخيل المتشابه وغير المتشابه؟ من دفع بها إلى مناطق الظل وأسكنها خياما من شوك.
لمن أبوح بوجعي؟
لمن يتساقط رطبها بعد أن سرق العسس والبصاصون طلعها الذي أوشك على النضج.
داهمتني حروف الكتابة، لكنها توقفت عند جروح وشقوق وعذابات تركتها الثورة فينا، بعد أن التهمها العائدون من قبو الماضي القريب والقابضون على مفاصل الوطن، والذين تركناهم جميعا يرتعون في المؤسسات والهيئات بعضهم ارتدى ثوب الثورة فخدعنا، بينما الآخرون كانوا ينفذون أوامر السلطان القديم ورجاله وحريمه في هدوء بعيدا عن العيون وخدعونا أيضا.
ترك الثوار منذ البداية كل الخيوط في أيدي غيرهم وتفرغوا للصراخ سواء في الميادين العامة أو في الفضائيات، دون أن يكون ثمة زعيم أو قيادة حقيقية تقرأ وتدبر وتفكر وتدرس وتخطط وتعطي الأمر ثم تصارعوا على" كعكة " وهمية. فانقسموا وتشظوا وراح كل منهم يدير ظهره للآخر.
التهم الثوار الطعم فدخلوا في معارك جانبية تناسوا مشروعهم لإعادة بناء الوطن وفق أسس العدالة والحرية والعيش والكرامة بينما انهمك خصوم الثورة في إعادة حشد طاقاتهم الحية. فاستعادوا قدرتهم على الحركة، غيروا أسماء تنظيماتهم وعناوينهم، وباتوا يطلعون في كل برنامج ويصرحون لكل صحيفة ويقدمون أنفسهم بحسبانهم الحريصين على الفعل الثوري ومصلحة الوطن، وليس ثمة ما يمنع من الدعوة إلى المصالحة الوطنية والتوافق الوطني ويصرخون من أجل إعادة بناء مصر وإعادة الثورة لأصحابها، وثمة من صدقهم منا فمنح ما يقرب من ستة ملايين مصري صوتهم لمرشح الثورة المضادة في الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة، فخرج متمرسا خلف جيش جرار من المنتمين للماضي القريب رافعا شعارات تخلب الألباب فجذب بعضا من أفراد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وللأسف قرأوا المسألة من منظور خلاف قديم في الرؤية بين ثورة الزعيم وجماعة الإخوان المسلمين انتهت صلاحيته، في تقديري دون أن يمتد بصرهم إلى مخاطر وصول رجل النظام القديم القوي إلى المنصب الرفيع المقام في المحروسة.
لم تكن الثورة خاوية على عروشها، وإنما تمكنت من إفراز برلمان منتخب في عملية اقتراع شهد لها الجميع بالنزاهة والشفافية خاصة من المراقبين الأجانب والعرب، ولأنه برلمان ضم القوى التي كانت محرومة من السلطة والتعبير عن الرأي وكابدت القهر الأمني والسياسي فمارست حيويتها البرلمانية انطلقت تتحرك في كل اتجاه في محاولة لإثبات جدارتها وتجسيد مطالب الناس، لكنها ارتكبت بعضا من الأخطاء بفعل محدودية التجربة وربما بفعل الحماس المفرط غير أن العقاب والذي تم التهديد به قبل أشهر لا يستوجب الإزاحة التامة والإلغاء الكامل والإقصاء الشامل، فيتم إجهاض أول تجربة برلمانية منتخبة بصورة صحيحة في المحروسة لحسابات ضيقة الأفق.
هل هي الرغبة في تصفية الحسابات لأن البرلمان لم يتناغم مع القابضين على مفاصل البلاد والعباد؟ فيشرع في وجهه سيف الحل من خلال اللجوء إلى نصوص قانونية يبدو أنها وضعت لتكون الخنجر الذي يوجه إلى جسده في اللحظة التي يعتقد فيها أنه تجاوز المسموح له، ربما، لكن المسألة لا تخرج عن تدبير شديد الإحكام استغل أخطاء من هذا الطرف أو ذاك.
هل هي الرغبة في رد صفعة التعديلات التي أدخلت على قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية التي أدخلها النواب بسرعة وسميت إعلاميا بقانون العزل السياسي، والذي كان مقصودا به إغلاق الباب أمام رموز وقيادات نظام مبارك وحزبه الحاكم من الترشح للمواقع القيادية، فهل أخطأ النواب؟ ألم تتفجر ثورة الخامس والعشرين من يناير من أجل إقصاء النظام ورموزه وتلك خطيئة أخرى ارتكبها الثوار وربما النواب، فهم لم يسارعوا بسن قانون يحول دون عودة هذه الرموز إلى المشهد السياسي وتباطأوا في هذه الخطوة فدفع البرلمان الثمن، لأنه اقترب من عش الدبابير من القيادات التي كانت تصنع سياسة النظام السابق وتنفذ توجهاته وتذلل له كل الصعاب أمام مشروع التوريث الذي انشغل به رأسه على مدى السنوات العشر الماضية، وترك مشكلات الوطن تتفاقم جوعا وقهرا وانتشارا متوحشا للفساد.
كان يتعين إزهاق روح البرلمان الذي أنتجته الثورة لأنه تجاوز الخطوط الحمراء. وهو ما يعكس أن العقل المدبر لكل هذه التداعيات هو عقل انتقامي مازال ولاؤه للزمن القديم ولسنوات مبارك وهو يدبر كل ألوان الإجهاض للثورة وفق المحددات القانونية والدستورية، حتى لا يلومه أحد ولا يوقفه أحد، إنه ذكاء لكنه مصطنع لا يمتلك القدرة على الصيرورة والبقاء.
إن جماعة "الإخوان المسلمين" ارتكبت أخطاء. لكنها لم تكن خطايا من قبيل تحالفها الضمني مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة ثم رفضها لما يسمى بشرعية الميدان بعد وصولها إلى البرلمان، مما أحدث ثغرة في صفوف قوى الثورة وباعد بينها وبينهم إلى حد قيام بعض من شبابها بحماية مجلس الشعب من احتجاجات شباب الثورة بحجة حماية الشرعية الدستورية. وهو أمر كان يجب أن تنتبه إليه بعمق قيادات الجماعة وتدرك أنه من دون ثورة يناير ما كان بمقدورها الوصول إلى أغلبية البرلمان.
وأظن أن هذه الثغرة كانت واحدة من أهم الاختراقات التي استغلها رموز النظام البائد القابضين على مؤسسات الدولة، ثم جاءت محاولتهم للاستحواذ على اللجنة التأسيسية لإعداد الدستور الدائم ثم إعلانهم الترشح لرئاسة الجمهورية في التفاف على قرار سابق بعدم التقدم لهذا المنصب لتعمق من التناقضات بين الجماعة وقوى الثورة.
ورغم ذلك أقول إن كل هذه المعطيات لا تشكل مبررا للانقضاض على الثورة وإعادة الأمور إلى المربع رقم واحد والمتمثل في الحالة التي كانت عليها المحروسة عقب سقوط مبارك في الحادي عشر من فبراير 2011. فهي الآن بلا برلمان والمجلس العسكري استعاد صلاحياته التشريعية بالكامل بما في ذلك صلاحيات تشكيل لجنة تأسيسية جديدة للدستور والأخطر أن الرئيس الجديد سوف يتولى سلطاته في الثلاثين من يونيو الحالي دون سياق دستوري يحدد صلاحياته. وهو ما يجعل البعض يتخوف من اختراقات يقوم بها فور توليه السلطة وتحديدا مع وصول مرشح النظام البائد للموقع الرفيع المقام والذي – عكس كل ما رفعه من شعارات ودبلجة من طروحات بعضها يبدو شديد الثورية – قد يمارس سياسة تصفية الحسابات مع خصومه وهم كل قوى الثورة وهنا تكون ثورة الخامس والعشرين من يناير قد خبت جذوتها وفقدت سطوتها وداهمتها رياح الماضي العنيفة والمكشرة عن أنيابها بقوة
السطر الأخير:
ربيعك يطل
زمانك لا تخبو جذوته
نخيلك ممتد في السنوات وفي العمر
رحيقك يرويني
تمددي داخلي
دثريني دثريني
آه من غيابك القسري
ووجع يرفل في سنيني
عودي أيابهجتي القديمة
وأيقونتي وسر تكويني
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
377
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
443
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
313
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3165
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026