رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان انهيار الاتحاد السوفيتي السابق بشكل مفاجئ وبصورة غير متوقعة، أي دون مواجهة عسكرية، ذات تأثير غير عادى على السياسة الخارجية الأمريكية من حينها. حيث فطنت الولايات المتحدة إلى القوة الإعجازية لسلاح «القوة الناعمة» الذي أسهم بالنصيب الأكبر في انهيار هذا القطب العملاق.
ومن حينها، أصبحت القوة الناعمة أحد المرتكزات الرئيسية في السياسة الخارجية الأمريكية، وسلاح يتم تطويره بصفة دائمة لترسيخ القطبية الأمريكية وفي مواجهة الدول العصية. والحقيقة أن القوة الناعمة الأمريكية قوة ذات جاذبية مدوية، سواء تجسدت في النظام التعليمي الأمريكي، أو الثقافة الفنية والغنائية، أو الابتكارات التكنولوجية العالمية.. وغيرها. والحقيقة أيضا التي لا شك فيها أن القوة الناعمة الأمريكية أصبحت تمثل الآن المرتكز الرئيسي لاستمرار القوة الأمريكية في العالم، أو لنقُل الميزة التنافسية المتبقية لها بعدما ضعف توازن القوى العسكري والاقتصادي والجيوسياسية لصالح القوة الصاعدة.
خلصت المعادلة الأمريكية-التي يشوبها قدر من الغرور- أن لا دولة مستعصية على القوة الناعمة الأمريكية التي فككت إمبراطورية مترامية الأطراف، وقضت على أخطر وأهم إيديولوجية معادية للرأسمالية في القرن العشرين. إلا أن هذه المعادلة قد جابهت استعصاء مستحكما في وجهتين الأولى العالم الإسلامي والثاني الصين.
وربما قد تفهمت الولايات المتحدة كوامن الاستعصاء في العالم الإسلامي والتي منها الانحياز المطلق لإسرائيل، ومنظومة القيم الخاصة للمسلمين التي تتعارض تماماً مع القيم الأمريكية خاصة في مسألة حقوق الإنسان. لكن الأخطر والمحير للولايات المتحدة كان الصين.
وتفاقمت الحيرة مع صعود الصين كأكبر تهديد للأحادية الأمريكية على الإطلاق بعد الإجهاز على التحدي السوفيتي. تبنت الصين مع سياسة الانفتاح التي اتبعها الزعيم «دينج شياو بينج» الرأسمالية الاقتصادية، وانفتحت سياسيا على العالم، وانخرطت الصين والولايات المتحدة في علاقات دافئة في إطار سياسة الانفراج. كل ذلك كان مدعاة-رغم تحذير خبراء واشنطن المخضرمين- لاعتقاد واشنطن الجازم أن تحويل الصين كحليف أمريكي تام في آسيا أسوة باليابان وكوريا الجنوبية أمر ممكن وسهل للغاية.
تبنت الصين الرأسمالية الاقتصادية بصورة ليست كاملة تماما أسوة بالولايات المتحدة والجماعة الأوروبية لكنها تبنتها في النهاية. لكن على الصعيد السياسي والثقافي؛ جابهت الليبرالية السياسية، ومنظومة القيم الناعمة الأمريكية عامة التي تشكل المبادئ الليبرالية والقواعد الديمقراطية وحقوق الإنسان النصيب الأكبر منها، جابهت استعصاء رسميا ونخبويا وشعبيا منيعا.
وعلى غرار التجربة السوفيتية، وغيرها الكثير من تجارب الدول الاشتراكية السابقة في أوروبا الشرقية، وأمريكا اللاتينية. يكون للقوة الناعمة فعل السحر إما على النخب الحاكمة أو الشعوب، أو الاثنين معا مثل الاتحاد السوفيتي بسبب الانبهار الشديد بالنموذج أو ما يدعى «الحلم الأمريكي». فتنقلب هذه الشعوب على النظم والأيديولوجيات الحاكمة، وتطالب بنظام ديمقراطي أملاً في استنساخ الحلم الأمريكي. وبالتبعية، تتحول النظم الجديدة إلى تابعين أو حلفاء مقربين للولايات المتحدة.
والمعضلة العويصة التي واجهت الولايات المتحدة أنه على الرغم من استمرار النظام الصيني كنظام حزب واحد متمسك بثقافته وهويته الخاصة. إلا أن شعبية هذا النظام في تزايد مطرد، والرهان على انقلاب نخبوي أو شعبي عليه أضحت ضئيلة للغاية.
مكمن السر الصيني
مكمن السر الصيني يتلخص في أمرين: نجاح اقتصادي باهر، وتنوع وغنى الثقافة الصينية. نجح الحزب الشيوعي الصيني في غضون 3 عقود فقط من تحويل الصين من دولة فقيرة إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وهذا في ظل التمسك بالقيم والمبادئ والثقافة الصينية المتنوعة الغنية.
الصين -وهذا ربما لا يعلمه الكثيرون- تمتلك قوة ناعمة قوية جدا مستمدة من تاريخها وثقافتها وتراثها الإيديولوجي. وهذا في حد ذاته يجعل تأثير القوة الناعمة الأمريكية عليها ضعيفا للغاية. إذ عكس ما يعتقد الكثيرون، تمتلك القوة الناعمة الصينية الكثير من خصائص القوة الناعمة الأمريكية، حتى في مسألة الديمقراطية، حيث يتاح في المجال العام التعبير عن جميع الآراء والاتجاهات بحرية بما في ذلك الاتجاهات المناهضة للشيوعية والحزب الواحد. حتى داخل الحزب الواحد هناك مناخ ديمقراطي واسع ومعارضة ضد بعض السياسات.
ولعل الأهم من ذلك أن الشعب الصيني لديه اعتزاز قوى بثقافته وهويته ومن الصعب ذوبانه في الثقافة الغربية. وتلك ثمة رئيسية للثقافة الآسيوية عموماً.
الخلاصة في الأمر أن النجاح الاقتصادي الباهر للحزب الشيوعي الصيني جنبا إلى جنب مع أصالة وتنوع الثقافة الصينية، لم يسقط غرور القوة الناعمة الأمريكية فحسب، بل حولت الصين إلى قوة ناعمة عالمية موازية. فنموذج التنمية الصيني أصبح منافس شرس للنموذج الليبرالي الغربي، خاصة ان الأول يجسد قوة ناعمة حقيقية تنجذب لها الدول طواعية ولا يتم فرضها بالترغيب أو الترهيب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
2766
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1536
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1275
| 11 مارس 2026