رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما يجمعنا مع البحرين لا يمكن أن تكسره الخلافات والمشاحنات والأجندات السياسية اشتعال أم المعارك الإعلامية من جديد بين العراق والكويت
كلما سنحت الفرصة للحصول على إجازة لعدة أيام من الدراسة، حملنا أغراضنا وتوجهنا من مدينتنا في فلوريدا بنسكولا (Pensacola)، إلى مدينة لوس انجلوس كاليفورنيا قاطعين مسافة تقدر بنحو (2.128) ميل عن طريق السيارة. كانت المناظر الخلابة هي التي تشدنا إلى السفر والترحال خصوصا ونحن نعبر الجسور الثابتة والمعلقة فوق المحيط والأنهار والبحيرات من الاباما، ميسيسبي، وحتى مستنقعات لويزيانا، مرورا بمدن تاكسس، ونيو مكسيكو، واريزونا. واعترف بأني إلى هذه الساعة أصاب برهبة في عبور الجسور الطويلة والمرتفعة وخصوصا إذا كنت السائق كما أنها تأتيني كوابيس بان السيارة التي اوجد فيها تتزحلق إلى الخلف ولا تستطيع أن تواصل السير على الجسر الذي يبدو انه لا نهاية له!
(1)
الأسئلة التي كانت تراودني ساعتها ونحن في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، هو لماذا لا توجد شبكات الطرق والمواصلات الحديثة التي تربط بين دول الخليج والدول العربية وخصوصا القريبة من بعضها البعض؟ فلم تكن هناك مشاكل حقيقية في التمويل الحكومي، حتى لو تم تكليف القطاع الخاص بالاستثمار في هذا الجانب من التخطيط والتنفيذ لحقق الكثير من الأرباح والرسوم التي سيفرضها تعويضا عن المصاريف التي سينفقها في المشروع. لماذا رغم المداخيل الاقتصادية العالية تغيب طرق الشوارع السريعة "الهاي واي" (Highway) والجسور المعلقة والسكك الحديدية والقطار السريع مثل الذي يربط المدن اليابانية والقطار البحري. ولماذا لم يعاد احياء مشروع سكة القطار العثماني السعودي (سكة حديد الحجاز) الذي دمر جزء كبير منه في الحرب العالمية الأولى، والذي كان يشق الجزيره العربية قادما من وسط تركيا مارا بالشام ثم الاتجاه الى المدينة المنورة، ويقدم خدمات جليلة لحجاج بيت الله الحرام، تمثلت في اختصار وقت هذه الرحلة الشاقة التي كانت تستغرق شهورًا، يتعرضون فيها لغارات قطاع الطرق ومخاطر ومشاق الصحراء، فأصبحت الرحلة بعد إنشاء هذا الخط الحديدي الذي بلغ طوله (1320) كم تستغرق أيامًا معدودة.
(2)
الحاجز المنيع الذي وقف في وجه بروز مشروعات عملاقة وطموحه تقرب المسافات بين عواصم الدول العربية هو الخلافات السياسية والصراع على المناطق الحدودية الجغرافية البرية والبحرية. النزاعات على الحدود تفجرت في كل دولة من المغرب العربي والنزاع بين الجزائر وتونس، بين الجزائر وليبيا، بين ليبيا وتونس، بين الجزائر والمغرب، بين المغرب وموريتانيا، النزاع المستمر إلى اليوم بين المغرب والصحراء الغربية، السودان ومصر، إيران والعراق، وإيران والإمارات العربية ثم العراق والكويت، وإسرائيل ودول الطوق، السعودية وقطر، السعودية واليمن، السعودية والإمارات والسعودية والكويت. بعض الدول حلت حدودها بطرق السلمية والبعض لا يزال يصارع. البحرين وقطر تجاوزوا خلافاتهم الحدودية التي استمرت قرابة خمسين عاما بقبول قرار محكمة العدل الدولية الذي استمر تداولها للقضية حوالي تسع سنوات فيما يعد أطول نزاع إقليمي ورد إليها. وتسبب النزاع في توتر العلاقات بين الدولتين بما فيها تأجيل الكثير من المشاريع الاقتصادية المشتركة. إيران مازالت ترفض التوصل إلى حل مع الإمارات حول الجزر الثلاث (طنب كبرى، طنب صغرى وابو موسى) فهي على مدى نحو 3 عقود من الزمان، مازالت تتلكأ وتراوغ، في قبول الحوار أو الحكم العادل أو التقاضي في مسألة احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث وهو الذي شبهه بيان دول مجلس التعاون الخليجي بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية. الخلاف الحدودي بين السعودية والإمارات على واحة البريمي المشهورة يطل برأسه كلما اعتقدنا أننا امسكنا به من ذيله وهو تجاوز حد البعد الجغرافي ونسحب على أبعاد اقتصادية وإستراتيجية ومن ثماره تجميد بناء الجسر بين ابوظبي والدوحة، والانسحاب من مشروع العملة الخليجية الموحدة!
(3)
اشتعلت أم المعارك من جديد بين العراق والكويت والحملات السياسية والنيابية والإعلامية مع الثورات العربية في (2011) بعد وضع حجر الأساس لبناء ميناء «مبارك الكبير» في جزيرة بوبيان التي تقع في أقصى شمال غربي الخليج العربي في الكويت، ويتوقع ان ينتهي العمل فيه خلال سنوات قليلة، بتكلفة تبلغ حوالي مليار دولار، ويرتبط الميناء الكويتي بثلاثة جسور وطرق سريعة، ومن المقرر ان يرتبط مع سكة القطار الخليجي، التي تخدم الميناء. العراق اعتبر أن هذا الميناء سيؤدي إلى «خنق» المنفذ البحري الوحيد للعراق، لأنه سيتسبب في جعل الساحل الكويتي ممتدا على مسافة 500 كيلومتر، بينما يكون الساحل العراقي محصورا في مساحة 50 كيلومترا. وثائق اجتماعات اللجنة الكويتية — العراقية المشتركة سجلت مناقشة الميناء بين الطرفين، وعدم اعتراض العراق عليه على الرغم من أن الاعتراض لا مسوغ قانونيّاً له ما دامت الكويت تبني الميناء على أرضها، وداخل مياهها الإقليمية. الأمم المتحدة دخلت على الخط الساخن، الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أشار إلى ان خلاف الكويت والعراق على "ميناء مبارك" يجب أن يحل دبلوماسيا! لكن متى وأين وكيف لا نعرف ويبدو أن الأزمة لن تجد لها حلا في القريب العاجل لنعود للمربع الأول في كسر الخلافات السياسية كل محاولات البناء والنهوض وتقريب وتعزيز العلاقات بين الأخوة والأشقاء الذين يتحولون بلمح البصر إلى أعداء!
(4)
آخر المعارك الإعلامية وليست الأخيرة كانت بين الصحف في البحرين وقطر على خلفية بث قناة الجزيرة الانجليزية برنامجا تسجيليا حول الاضطرابات الأخيرة في البحرين وقبلها كانت حكاية الصيادين والقوارب البحرينية ودخولها المياه الإقليمية القطرية. ولا عجب أن يتأخر إنشاء الجسر المقترح (جسر المحبة) والذي سيربط البحرين بقطر والذي يعد واحداً من أطول الجسور في العالم. وان كانت السياسة تحاول أن تزرع بيننا الفرقة، فالعادات والتقاليد تجمعنا على المحبة كشعوب. منذ عدة أيام اجتمعنا بعد غياب طويل مع أبناء أخي ونصفهم بحريني من جهة الأم في الاحتفال في منتصف رمضان بعادة موروثة وشعبية قديمة من آبائنا وأجدادنا حيث يتجمع الأطفال بعد الفطور على شكل مجموعات يطوفون على المنازل في الحي، ويصدحون بأغاني خاصة وبعض الأدعية لأهالي البيوت، وبالمقابل يقدم أهالي البيوت لهم بعض المكسرات والحلويات، ولا استبعد أن أخذها الأمريكان من عندنا في الاحتفال بيوم الهالوين (Halloween day)! ورغم أن العادة منتشرة في كل دول الخليج، لكنها في البحرين وقطر فقط تُعرف بليلة "القرنقعوه"! وهي دلالة رمزية تشير إلى مدى عمق الروابط وتأصلها بين الشعبين حتى في المفردات اللغوية الشعبية البسيطة. ان ما يجمعنا في قطر والبحرين لا يمكن أن تكسره الخلافات والمشاحنات والأيديولوجيات والأجندات السياسية مهما حاولت.
فاصلة أخيرة:
في القاعِة المعتادَةْ
بهائمٌ تغفو بلا إرادةْ
وهائمٌ يمشى بلا إرادةْ
وطبلةٌ تَدقُّ كلَّ ساعةٍ بمنتهى البلادةْ
تُعلِنُ عن تأييدها
.. لمجلسِ القيادة!
* احمد مطر
Aljaberzoon@gmail.com
Aljaberzoon.blogspot.com
بين المنطوق والمقصود.. مسافة الأمان
بين مقصود لم يُنطق، ومنطوق لم يُقصد، تولد أكثر الفجوات اتساعا بين القلوب، وتنشأ كثير من الخصومات التي... اقرأ المزيد
150
| 10 يونيو 2026
تساؤلات تنهش الروح
هناك معارك لا يراها أحد. لا أصوات فيها، ولا دموع معلنة، ولا شكاوى تُرفع للناس. مجرد إنسان يجلس... اقرأ المزيد
273
| 09 يونيو 2026
«لا تغيب فيحضرون»
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون... اقرأ المزيد
237
| 09 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب وثيقة الأمن الوطني الجديدة، والتي حوّلت بوصلة الأولوية الاستراتيجية صوب نصف الكرة الغربي في إطار إحياء مبدأ مونرو. وُصفت الاستراتيجية بأنها أكبر تحوّل في السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأثارت جدالاً واسعاً بشأن مستقبل الهيمنة الأمريكية العالمية في سياق ذلك التحوّل. مبدأ مونرو في السابق كان مرادفاً للعزلة الدولية، ولم تنص الاستراتيجية على النكوص للعزلة صراحةً، لكنها كانت واضحة بشأن رفض فكرة الهيمنة الكونية الأمريكية ولعب دور شرطي العالم، كما أكدت بشكل قاطع على تقليص الاهتمام أو الانغماس الأمريكي في المحاور الست الاستراتيجية في العالم، بما في ذلك آسيا، لقاء التركيز التام على بسط الهيمنة الأمريكية التامة على نصف الكرة الغربي. والأدهى من ذلك أنها رفضت وصف الصين بقوة المراجعة المتحدية للهيمنة الأمريكية، إذ اكتفت بوصفها منافساً اقتصادياً قوياً فقط. ومعنى كل ذلك هو تخلٍّ أمريكي عن الهيمنة العالمية أو الهيمنة الليبرالية التدخلية، وبالتبعية تخلٍّ عن حرب الهيمنة الباردة على الهيمنة العالمية مع الصين، ولعل زيارة ترامب الأخيرة للصين، والتي تراجع فيها عن كثير من محاور الحرب التجارية ضد الصين، وأوحى بتصريحاته بتخلٍّ أمريكي صريح عن تايوان؛ تؤشّر على ذلك. المهيمن لن يتنازل أبداً: مونرو إعادة تموضع إقليمي ذكية للحفاظ على الهيمنة لم يعرف تاريخ العلاقات الدولية أن القوى المهيمنة عالمياً قد تنازلت عن وضعها المهيمن إلا في حالات استثنائية نادرة؛ إذ تظل تنازع للحفاظ على هيمنتها ضد القوى المتحدية حتى وهي في أضعف حالاتها، ويصل الأمر في أغلب الأحيان إلى حرب عالمية لحسم مصير الهيمنة، وهذا ما يعرف في العلاقات الدولية بـ"فخ ثوسيديدس". وذلك المنطلق أو الافتراض العام الأصيل في روح السياسة الدولية الذي لا يتغير قط يشكل مرجعاً أساسياً للشك في الاستراتيجية رغم إطارها العام الموحي بالعزلة والتنازل عن الهيمنة الدولية. والمرجع الثاني هو القراءة الصحيحة المتأنية للاستراتيجية؛ إذ رغم إعلانها عن تقليص النفوذ الأمريكي في العالم، فإنها تعلن الهيمنة الأمريكية التامة الساحقة في نصف الكرة الغربي، وتؤكد حصرية تلك الهيمنة عبر عدم السماح قط بأي قوى أخرى لمنافسة الهيمنة الأمريكية هناك، وذلك بلا أدنى مجال للشك سلوك ولغة قوى إمبراطورية. علاوة على ذلك، لم تنص الاستراتيجية على انسحاب تام من تلك المناطق الاستراتيجية لا سيما أوروبا والباسيفيك، بل فقط تقليص التركيز مع إعادة ترتيب ذكي للحضور العسكري، ومشاركة الحلفاء بقوة في الحماية والعبء العسكري والاقتصادي، إذ في هذا الصدد أكدت الاستراتيجية على دور الناتو المحوري لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة مشاركة أقوى للحلفاء، يضاف إلى ذلك تأكيد الاستراتيجية على مصالح وحضور واشنطن الاقتصادي في العالم، وخيار القوة لحماية تلك المصالح. أما المرجع الثالث الحاسم، وهو ما يقرؤه أدهياء التفكير الأمريكي من خلال الوثيقة ومن خارجها، يكمن في إعادة التموضع الإقليمي الذكي للحفاظ على الهيمنة الأمريكية. ثمة عدة وسائل للهيمنة العالمية والمحافظة عليها، واحدة من أشهرها وأهمها في الوقت عينه، "الهيمنة الإقليمية" للواقعية الهجومية لميرشايمر، والتي ترتأي أن الهيمنة العالمية تتأتى عبر إحكام الهيمنة الإقليمية التامة مع منع القوى المتحدة من هيمنة إقليمية موازية. في ذات السياق، يرى ميرشايمر أن فكرة الهيمنة العالمية الكونية بالمعنى الإمبراطوري -أي تمديد الحضور في كل أركان العالم- فمن الصعب حدوثها، وإن حدثت لن تدوم، بل ستؤدي إلى انهيار تلك الهيمنة. ولعل ذلك ما توصلت إليه الولايات المتحدة بأن مسألة الهيمنة العالمية الليبرالية قد وضعت الهيمنة الأمريكية على المحك، بل أسهمت في صعود الصين. ومن ثم، كان الحل هو التموضع في نصف الكرة الغربي، لأن ذلك يحافظ على ما تبقى من قوة للولايات المتحدة، أي عدم تبديد القوة عالمياً، ومن ناحية أخرى، يعزز القوة الأمريكية عبر الهيمنة والاستغلال التام لثروات نصف الكرة الغربي الممتد إلى جرينلاند، مع إعادة تموضع للقوة العسكرية هناك للحفاظ على القوة الأمريكية. وفي سياق ذلك، يتبقى الشق الأهم، وهو منع الهيمنة الإقليمية للصين في محيطها الآسيوي لكن عبر الأدوات غير المباشرة كما نصت الوثيقة، والتي تتمحور حول مشاركة الحلفاء لتعديل توازن القوى في آسيا، لا سيما اليابان والهند، والحفاظ على التفوق الاقتصادي لواشنطن هناك، وتقوية الدول الآسيوية المناهضة للصين عسكرياً، مع الحفاظ على توازن عسكري أمريكي ذكي دون الإيحاء بتحدي الصين عسكرياً أو دفعها لحرب عسكرية.
1557
| 04 يونيو 2026
.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال صناعات الطاقة لم يكن باحثاً عن مجد شخصي.. ولا منصب قيادي.. ولا مغنم مادي كان عميقاً في التاريخ.. عريقاً في السياسة.. رائداً في الرياضة اشتهر بموقفه القومي القوي.. وشعوره العروبي الأخوي كان نموذجاً في العطاء القطري عرف بالنزاهة الإدارية والاستقامة الوظيفية كان لبنانياً أكثر من اللبنانيين في مواجهة أزمات وانكسارات هذا البلد العربي بمشاعر عميقة، وأحاسيس دقيقة، تعتلج في النفس، وتذوب في الروح، ينبلج في حراكها الإحساس، وتزداد من خلالها الأنفاس، أقف اليوم على منصة «الشرق»، لرثاء رمز قطري، طيب السيرة، نقي السريرة، اشتهر بالنزاهة الإدارية، والاستقامة الوظيفية، وعدم استغلال المنصب، لتحقيق مآرب شخصية أو مصالح فردية. وكنت أعتقد، قبل شروعي في كتابة هذه «المرثية» أنني أمتلك موهبة الكتابة الاحترافية، بعد أكثر من (40) عاماً، قضيتها في أروقة الصحافة الورقية اليومية. لكن لأول مرة، أجد قلمي حافاً، ومداده جافاً، لا يطاوعني في السير الانسيابي على الورق! وأجده يفاجئني، خلال كتابة هذه «المرثاة»، وكأنه مركبة فقدت وقودها، أو حافلة، «تترنح» على حافة طريق عام، وتعاني من غياب قائدها! وأقولها بصراحة، من الصعب على أي كاتب، مهما أوتي من قدرة، على القيادة الصحفية، أو المهارة الأدبية، أو القوة البلاغية، أو الخبرة الإعلامية، أن يرثي الراحل الكبير، عبدالله بن حمد العطية، صاحب الضمير الوطني، الذي كان نموذجاً، في العطاء القطري. ولا أبالغ، عندما أقول، إن هذا الفقيد الكبير، الذي فقدناه، قبل أيام، ورحل عن عالمنا، كان نظيف اليد، وطاهر القلب، وعف اللسان، اشتهر بالانضباط الإداري، والالتزام التام بقواعد العمل، والاستقامة في المواقف، والاعتدال في الأقوال، والاتزان في الأفعال. ولا يختلف اثنان، داخل قطر وخارجها، أن سيرة هذا الراحل المضيئة، ومسيرته المشرقة، تضعه في المرتبة الأسمى، بين رواد النهضة القطرية، بعدما ساهم بكفاءة وعمل بإصرار، وشارك باقتدار، بجهده وعمله، في دفع عجلة التنمية في البلاد، خصوصاً في قطاع الطاقة. وقبل الاستغراق، في الكتابة، عن المرحوم «بوحمد»، أجد من واجبي الأخلاقي، وضميري الإنساني والمهني، والوطني، أن أعتذر أمام الرأي العام، عن كل كلمة كتبتها، وخرجت عن مسارها، وتجاوزت في مضمونها، ضوابط حرية الصحافة، وانتهكت بمحتواها ـ دون قصد ـ أخلاقيات المهنة. ويشهد الله، وأشهدكم جميعاً، أنني أفخر ـ ولا أنكر ـ بمواقفه النبيلة معي، على الصعيدين الشخصي والعائلي، حيث كان موجهاً ومعلماً ومسانداً وداعماً لي، في جميع فترات حياتي. وخصوصاً، عندما كنت رئيساً لتحرير «الراية» الرائدة، وكان بمثابة الأخ الكبير، والمعلم الأكبر والداعم الأكثر. وفي سياق مواقفه النبيلة معي، لا أنسى موقفاً إنسانياً، يعكس تواضعه، وتسامحه، ونبل أخلاقه، عندما بادر، وهو يشغل منصبه الرسمي، بزيارة والدتي المريضة، في المستشفى، قبل رحيلها عن عالمنا. ولا أكشف سراً، أنني عرفت الراحل الكبير عن قرب، منذ أن كنت طفلاً، ولعبت مع أشقائه في منزلهم، وكبرت معهم، وقضيت معظم طفولتي، ألعب مع أقاربه، الذين كانوا أقراني في «الخريطيات»، هناك حيث تم تشييع الفقيد الكبير إلى مثواه الأخير. وهكذا، عندما أرثي هذا الفقيد الراحل، لا أرثي رجلاً عادياً، أو شخصاً عابراً، وإنما هو أحد الرواد، الذين أنجبتهم قطر، ووهبتهم شمائل الإدارة الناجحة. وما من شك، في أن ما تركه هذا الرجل الفذ بين دفتي كتاب سيرته ومسيرته، يضعه حتماً في المرتبة الأعلى، التي لا يجاوره فيها، ولا يجاريه، إلا نفر قليل، من رواد النهضة القطرية، كل في مجاله. لقد كان الوجيه الراحل عبدالله بن حمد العطية شخصاً موثوقاً في محيطه الوطني، وفي وسطه العملي، وإطاره الوظيفي، وهيكله المجتمعي. وعندما أكتب عنه، فهذا يعني الكتابة، عن جزء لامع ساطع، من تاريخ قطر المعاصر، في مجال العمل التنفيذي. ويعني أيضاً، التوقف عند مرحلة مهمة، في مسيرة العمل الوطني، بحكم أن الراحل، شغل عدة مناصب مرموقة، أبرزها تولي منصب نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الطاقة، تحت القيادة الحكيمة، والإدارة الرشيدة، والإرادة القوية، والعزيمة الصلبة، لصاحب السمو الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أطال الله في عمره، ومتعه بالصحة والعافية. ولا تنبع مكانة العطية، من المواقف التي تقلدها، والمناصب الرفيعة التي تبوأها، بل اكتسب أهميته المجتمعية، باعتباره، بحق لا مبالغة فيه، أحد رموز النزاهة الوطنية، والشفافية الإدارية. إلى جانب أنه، أحد رواد النهضة القطرية، في مجال الطاقة وصناعة الغاز الطبيعي، وخصوصاً بعد ارتباط اسمه، بالتحول التاريخي الذي جعل قطر، أيقونة تصدير الغاز المسال في العالم. وهذا الإنجاز الحضاري، جعله من أهم الشخصيات العالمية، في هذا المجال الحيوي من خلال رئاسته، لمنتدى الدول المصدرة للغاز. وإذا أردت التعرف بحق، على إنجازات العطية، عليك التوجه بنظرك إلى شعلة الغاز المتوهجة، في رأس لفان، التي تقوم بحرق الغاز الفائض، في الغلاف الجوي، لمنع تراكم الضغط العالي. وهي الشعلة، التي ساهمت في وضع قطر، في صدارة الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال، وجعلتها تتبوأ مكانها اللائق بين الأمم، من ناحية ارتفاع معدلات التنمية في البلاد. ولعل ما يميز العطية، أنه لم يكن يوماً باحثاً عن مجد شخصي، ولا منصب قيادي، ولا مغنم مادي، بل كانت المناصب تأتيه تباعاً، تقديراً لكفاءته ونزاهته، وطهارة يده. ومثلما كان خبيراً في شؤون النفط، وحقول الغاز، كان ضليعاً في حقول العلم والمعرفة، وكان عميقاً في التاريخ، عريقاً في السياسة، خبيراً في الرياضة، عظيماً في مجال الطاقة، ورمزاً من رموز النزاهة، وعلما من أعلام الشفافية، ورائدا من رواد المصداقية. أما أكثر وأشهر مميزات المرحوم عبدالله بن حمد العطية، توهجاً، فهي تتمثل في موقفه القومي القوي، وشعوره العروبي الأخوي، تجاه الأشقاء في الوطن العربي، وعلى وجه الخصوص في «بلد الأرز»، وحبه المخلص، والداعم والدائم لهذا البلد، وأهله. ومعرفته الوثيقة والعميقة، بكل تفاصيل التفاصيل، عن لبنان، أرضاً وشعباً وأرزاً ورمزاً. وأستطيع القول، إنه في كثير من الأحيان، كان لبنانياً، أكثر من الساسة اللبنانيين أنفسهم، في مواجهة الأزمات وحلحلة التحديات ولملمة الانكسارات، التي تعرض لها هذا البلد العربي. وكان دوماً، مدافعاً عن وحدة وحرية واستقلال واستقرار لبنان. هكذا عاش «بوحمد»، وغادر عالمنا، مصلحاً، صالحاً، نقياً، طاهراً، طيباً، شريفاً، محباً للخير. ولأنه لا مفر من الموت، الذي لا يستثني كبيرا أو صغيرا، ولا يفرق بين غني وفقير. أتوجه إلى الخالق عز وجل، طالباً الرحمة، لفقيدنا الكبير. اللهم ارحم عبدالله بن حمد العطية، واجعل قبره مناراً مستضاء، لا يشكو فيه ظلمة ولا ضيق. وإلى جنات الخلد، أيها الرجل البار، الواصل بأعمالك الخيّرة، المتواصل بأفعالك النيّرة، والباقي معنا بروحك الجميلة، ومواقفك النبيلة، التي لا تنسى.
1440
| 04 يونيو 2026
• انقضى موسم الحج لهذا العام، ونجحت المملكة العربية السعودية في إدارة واحد من أكبر التجمعات البشرية في العالم بكفاءة واقتدار، بعد أن سخَّرَت إمكاناتها البشرية والمادية والتقنية لخدمة ضيوف الرحمن. وقد تكاملت الجهود الأمنية والصحية والتنظيمية والخدمية لتوفير بيئة آمنة وميسرة للحجاج، بما مكَّنهم من أداء مناسكهم في أجواء من الطمأنينة والسكينة. • وشهد موسم الحج هذا العام نجاحًا لافتًا في إدارة الحشود، حيث أسهم الالتزام بنظام التصاريح في تنظيم أعداد الحجاج والعاملين والسائقين داخل نطاق المشاعر المقدسة، الأمر الذي انعكس على انسيابية الحركة والتنقل وسهولة الوصول إلى المواقع المختلفة. وقد بلغ عدد الحجاج هذا العام 1,717,301 حاج وحاجة، وهو ما أتاح مستوى أعلى من التنظيم والمرونة في تقديم الخدمات وإدارة الحشود مقارنة بمواسم سابقة. • نجحت المملكة العربية السعودية في تطبيق المعايير الإدارية والتنظيمية والشرعية خلال أداء المناسك، فالحج ليس رحلة ترفيهية أو برنامجًا اجتماعيًا عائليًا، وإنما عبادة عظيمة وركن من أركان الإسلام يحتاج إلى إدارة مهنية وخبرة ميدانية وقدرة على توجيه الحجاج ومتابعتهم في مختلف المشاعر. ومن المهم أن استجابة الحملات لمتطلبات واضحة تتعلق بالكفاءة الإدارية، وخطط الأمن والسلامة، والتأهيل الشرعي للمشرفين، وآليات متابعة الحجاج وتوعيتهم بالمناسك وأوقاتها وأحكامها. كما أن زيادة عدد الحملات لا ينبغي أن تكون هدفًا بحد ذاته ما لم تقترن بمعايير جودة ورقابة فاعلة تضمن قدرتها على أداء رسالتها. فنجاح الحملة لا يقاس بمستوى الرفاهية أو الخدمات الإضافية التي تقدمها فحسب، بل بمدى قدرتها على تمكين الحاج من أداء نسكه على الوجه الصحيح وفق السنة النبوية، وتحقيق الطمأنينة والتنظيم والسلامة طوال رحلة الحج. • كما أن نجاح حملات الحج لا يقاس فقط بجودة السكن أو وسائل النقل أو الوجبات المقدمة، بل يقاس أيضًا بمدى اهتمامها بالجانب الشرعي والتوعوي للحجاج. فالحج عبادة عظيمة تقوم على الاتباع والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تبرز أهمية التذكير المستمر بسنة النبي في أداء المناسك، وشرح الأحكام الشرعية للحجاج بأسلوب مبسط وواضح، والحرص على توحيد التوجيهات الشرعية قدر الإمكان. • ومع التوسع في بعض الآراء الفقهية المعاصرة التي تستند إلى التيسير ورفع الحرج، يبقى من المهم التأكيد على أن التيسير الشرعي لا يعني التوسع في الأخذ بالرخص دون حاجة أو عذر معتبر. فالأصل أن يؤدي المسلم نسكه وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأن يتعلم مناسكه قبل الحج وأثناءه، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم». • وعاد حجاج بيت الله الحرام إلى أوطانهم وأهليهم سالمين غانمين، يحملون معهم ذكريات لا تنسى ومواقف إيمانية تبقى راسخة في الوجدان. ومع عودتهم تبدأ مظاهر الفرح والتهنئة التي اعتادت عليها المجتمعات الإسلامية، فمنهم من يستقبل الحاج بالزينة، ومنهم من يقيم مأدبة للأهل والأصدقاء، ومنهم من يجتمع للسلام عليه وتهنئته بأداء الركن الخامس من أركان الإسلام. • ولا شك أن هذه المظاهر تحمل معاني المحبة والتقدير، لكنها في بعض الأحيان تتحول إلى نوع من التنافس والمبالغة التي تطغى على روح الحج ومعانيه. فجوهر الحج ليس في حجم الاستقبال ولا في عدد المهنئين، بل فيما عاد به الحاج من إيمان وخشوع وتوبة ومراجعة للنفس. • ومن أجمل ما في عودة الحاج جلساته مع الأهل والأصدقاء وهو يروي لهم مواقفه في عرفات ومزدلفة ومنى والطواف والسعي، فتنتقل إليهم مشاعر الإيمان والسكينة، ويتذكر الجميع أن الحج ليس مجرد رحلة، بل محطة تربوية وروحية عظيمة تذكر الإنسان بالآخرة والوقوف بين يدي الله تعالى. • وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». وهو دعاء عظيم يحمل معاني الشكر والعودة إلى الله بعد إتمام النسك. • آخر جرة قلم: ألقى الله سبحانه وتعالى محبة الحج في قلوب المسلمين جميعًا، ولذلك يظل الشوق إليه حيًا مهما بلغت المشقة وطالت سنوات الانتظار. والحج ليس موسمًا للصور ولا للمظاهر ولا لصناعة المحتوى، بل موسم للتوبة والإنابة والتجرد لله سبحانه وتعالى. وما أحوجنا أن نحافظ على روح هذه الفريضة العظيمة، وأن نغرس معانيها في الأجيال القادمة، وأن يكون حديثنا عن الحج حديث عبادة واقتداء وعبرة، لا حديث مظاهر ومنافسة. فالحج المبرور ليس رحلة تنتهي بالعودة إلى الوطن، بل بداية جديدة مع الله. تقبَّل الله من الحجاج حجهم، وأعظم أجورهم، وأخلف عليهم نفقاتهم، وجعل حجهم مبرورًا وسعيهم مشكورًا وذنبهم مغفورًا بإذن الله.
1317
| 03 يونيو 2026