رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعض الأعمال الفنية لا تنتهي حين تنتهي شارتها الأخيرة. تبقى في الذاكرة مثل مدينة غادرناها ولم تغادرنا، أو مثل صديق رحل وظل صوته جالساً إلى جوارنا، أو مثل مساء قديم لا نعرف، ونحن نعيشه، أنه سيصبح بعد سنوات جزءاً من ذاكرتنا عن زمن كامل.
هكذا بقي مسلسل "خان الحرير"، من إخراج هيثم حقي، في ذاكرتي. في عام 1996، كنت أتابع الجزء الأول من المسلسل في دمشق، وكان إلى جانبي صديقي الإعلامي السوري الراحل ثائر سلوم، ابن حمص؛ المدينة التي يرقد فيها خالد بن الوليد، ذلك الاسم الذي يختصر في الذاكرة العربية معنى الطريق المفتوح على التاريخ.
كان "خان الحرير" يعيدنا إلى حلب في خمسينيات القرن الماضي، إلى عالم التجار والأسواق والعائلات والتحولات السياسية والاجتماعية. كانت أمل عرفة تؤدي شخصية "فضة"، فيما يؤدي فراس إبراهيم دور "محسن".
لكن دمشق التي كنا نشاهد فيها المسلسل لم تكن مجرد مدينة تتفرج على حكاية من الماضي. كانت هي الأخرى تعيش لحظة تاريخية ساخنة.
كان عام 1996 واقعاً في قلب مرحلة دبلوماسية عربية شديدة التعقيد، وكانت محاولات دفع سوريا نحو مسار أوسلو جزءاً من معركة أكبر على شكل المنطقة ومستقبلها.
وفي دمشق يومها كان اسم علي عقلة عرسان حاضراً بقوة؛ رئيس اتحاد الكتاب العرب، والمثقف الذي لم يكن موقفه من أوسلو والاحتلال مجرد موقف سياسي، بل جزءاً من رؤية ثقافية أوسع، ترفض أن تتحول الهزيمة إلى ثقافة، أو أن يُعاد تقديم التبعية باعتبارها حداثة، أو أن يُستبدل الانتماء الحضاري بخطاب تغريبي حداثوي زائف. وكان عرسان يومها رئيساً للاتحاد في دورته التي بدأت عام 1995 واستمرت حتى 2000.
وبينما كنا نتابع قصة فضة ومحسن، كانت المنطقة كلها تبحث عن طريق. ولعل عنوان المسلسل نفسه كان يحمل شيئاً من سر الحكاية.
فـ "خان الحرير" ليس مجرد سوق من أسواق حلب، بل يستدعي في العمق ذاكرة طريق الحرير؛ ذلك الطريق القديم الذي لم يكن مجرد مسار تجاري تعبره القوافل المحملة بالحرير والتوابل والأقمشة، بل كان شبكة هائلة تصل الشرق بالغرب، وتحمل البضائع والأفكار والأديان واللغات والثقافات، وتفتح المدن بعضها على بعض.
كان الخان مكاناً للعبور واللقاء. وكان الطريق، في جوهره، أكثر من طريق. كان تاريخاً يتحرك.
ولذلك يبدو لي اليوم أن المنطقة العربية كلها أصبحت مثل "خان حرير" واسع؛ تتقاطع فيه الطرق والمصالح والنفوذ، وتعبره القوى الكبرى، بينما يدفع الناس العاديون أثماناً لا يقررونها.
وفي قلب هذا الخان كانت فلسطين. لقد ظن العالم طويلاً أن بالإمكان إبقاء فلسطين في غرفة جانبية من التاريخ؛ أن تتحول إلى ملف تفاوضي، أو قضية إنسانية، أو مجموعة من القرارات الدولية المؤجلة. لكن غزة جاءت لتسقط هذا الوهم.
جاءت بأصوات النساء والأطفال والشيوخ. بأم تنادي طفلها من تحت الركام، وطفل لا يفهم لماذا أصبحت السماء التي كان ينتظر منها المطر مصدراً للنار، وشيخ يستغيث بعالم يعرف كل شيء عن أرقام الضحايا ولا يريد أن يعرف شيئاً عن أصحابها.
كانت غزة تقول، ببساطة موجعة: لا تتركونا وحدنا. لكن العالم تركها طويلاً. والمنطقة، بدرجات مختلفة، دفعت ثمن ذلك الخذلان.
ليس معنى هذا أن كل ما يحدث في لبنان أو إيران أو اليمن أو شمال أفريقيا سببه فلسطين. ذلك تبسيط للتاريخ، وفي كل بلد أزماته الداخلية ومسؤولياته الخاصة. لكن فلسطين بقيت الجرح الذي لم يُغلق، ولذلك ظل قادراً على إعادة إنتاج التوتر حوله.
في لبنان، حيث تتداخل الحدود والجبهات والذاكرة، لا يمكن فصل تداعيات الحرب على غزة عن المشهد الإقليمي.
وفي اليمن، تحولت تداعيات الحرب إلى البحر الأحمر، وارتبطت الملاحة الدولية بأمن السعودية والخليج وبحسابات القوى الإقليمية والدولية.
وفي إيران، تداخلت فلسطين مع صراع النفوذ والأمن والتحالفات، حتى أصبح ما يحدث في غزة جزءاً من لعبة إقليمية أكبر من حدود القطاع.
ثم تأتي شمال أفريقيا، البعيدة جغرافياً عن خطوط النار، لكنها ليست بعيدة عن أثمان عالم مضطرب: حرائق، وجفاف، وغلاء، وضيق في العيش، واقتصادات تبحث عن مخارج، وشعوب تشعر بأن الطريق إلى الغد صار أطول مما ينبغي.
لا تستطيع فلسطين أن تفسر كل هذه الأزمات. لكن تجاهل فلسطين ساهم في صناعة المنطقة التي نعيشها اليوم. فحين يعجز العالم عن حل القضية المركزية، تصبح القضية نفسها وقوداً دائماً لصراعات أخرى.
وهنا تعود إليّ صورة فضة ومحسن في مسلسل "خان الحرير" لهيثم حقي، كان بينهما حب حقيقي، لكنه اصطدم بعالم يريد أن يقرر عنهما. كانا يريدان أن يختارا، فيما كانت قوى أكبر منهما تحاول أن تختار لهما.
وهذه، في جوهرها، هي مأساة فلسطين. الفلسطيني لا يطلب من العالم أن يكتب له تاريخه. إنه يريد فقط أن يكتبه بنفسه. أن يكون وطناً لا قضية. وشعباً لا رقماً. وبيتاً لا مخيماً. ومستقبلاً لا يتوقف على إرادة القوة الغالبة.
لهذا تبدو لي معركة "خان الحرير" اليوم أكبر من مسلسل شاهدته في دمشق قبل ثلاثين عاماً.
لقد كان المسلسل يحكي عن مدينة تتغير، وعن مجتمع يتصارع بين القديم والجديد، وعن حب يحاول أن يجد له مكاناً وسط المصالح والقيود. أما المنطقة اليوم فتحاول أن تجد لنفسها مكاناً في عالم يتغير بسرعة، فيما لا تزال تحمل معها جرحاً قديماً اسمه فلسطين.
كان أوسلو يومها يوحي بأن المنطقة مقبلة على سلام جديد. لكن السلام الذي لا يحمل العدالة في داخله لا ينهي الصراع؛ يؤجله.
وهذا ما فعلته السنوات. تغيرت الخرائط، وسقطت أنظمة، وصعدت قوى، وانكسرت أخرى، لكن السؤال الفلسطيني بقي واقفاً في المكان نفسه. بل أصبح أكثر إلحاحاً.
حين أتذكر دمشق في ذلك الزمن، أتذكر ثائر سلوم إلى جواري، وأتذكر حمص التي يرقد فيها خالد بن الوليد، وأتذكر علي عقلة عرسان ومشهد الثقافة العربية وهي تخوض معركة على معنى فلسطين ومعنى الحداثة ومعنى الانتماء.
ثم أفكر في غزة، وأفهم أن المسألة ليست فقط أرضاً محتلة، وإنما إنسان حُرم طويلاً من حقه في أن يختار مصيره.
ومن هنا، فإن معركة "خان الحرير" بدأت من فلسطين، لكنها لن تنتهي عند فلسطين. تحرير فلسطين، في المعنى الأوسع، ليس نهاية الطريق، بل بداية طريق آخر: طريق تحرير المنطقة من الاحتلال، ومن الاستبداد، ومن التهميش، ومن الفقر، ومن تحويل الشعوب إلى وقود لصراعات لا تملك قرارها.
كان طريق الحرير القديم يصل المدن بعضها ببعض. أما الطريق الذي تحتاجه المنطقة اليوم، فيجب أن يصل الإنسان بالإنسان.
لكن غزة، في هذه اللحظة، تكتب فصلاً آخر من الحكاية. حين سقطت عمارة السعادة على متساكنيها، لم يسقط معها بيت وحسب، وإنما سقط جزء من حياة كاملة: غرف كانت تحفظ صور أصحابها، ومطابخ كانت تفوح منها رائحة الخبز، وأبواب كان خلفها أطفال ينامون على أحلام صغيرة.
صار البيت، في غزة، شيئاً يمكن أن يتحول في لحظة إلى ركام، وصار الركام نفسه شاهداً على أن الفلسطيني لا يموت فقط حين يُقتل، بل يُطلب منه أحياناً أن يموت مرتين: مرة تحت القصف، ومرة حين يُقتلع من المكان الذي ولد فيه.
ولهذا يتمسك أهل غزة ببيوتهم، حتى حين لا يبقى من البيت إلا جدار، وبأرضهم حتى حين تتحول الأرض إلى مقبرة. إنهم يقولون، بطرق مختلفة، إن الموت في الوطن أهون من حياة تُفرض عليهم في المنفى، وإن البيت ليس حجارة يمكن نقلها، وإن الأرض ليست مساحة على الخريطة يمكن استبدالها بمساحة أخرى.
ومن المفارقة هنا أن يصبح الموت نفسه آخر أشكال التشبث بالحياة؛ حياة الإنسان في المكان الذي اختاره لنفسه، وفي الأرض التي يريد أن يبقى فيها، وفي الذاكرة التي لا يريد لأحد أن ينتزعها منه.
ولعل أصدق ما يمكن أن نختم به، ونحن نرى غزة تتشبث بأرضها وسط الركام، هو ذلك المعنى القديم الذي حفظه أبو البقاء الرندي في رثائه للأندلس:
موتُ الكرامِ حياةٌ في مواطنِهمُ
فإنْ همُ اغتربوا ماتوا وما ماتوا
ليس البيت دعوة إلى الموت، وإنما تعبير عن معنى أعمق: أن الإنسان قد يفقد حياته، لكنه لا يريد أن يفقد وطنه؛ وأن الغربة القسرية ليست مجرد انتقال من مكان إلى مكان، وإنما قد تكون اقتلاعاً للذاكرة والهوية والحق في أن تكون لك أرض تقول: هنا بيتي.
من هنا أفهم غزة أكثر. أفهم لماذا يبقى الفلسطيني في بيته حتى حين يصبح البيت ركاما، ولماذا يعود إلى المكان الذي قُصف، ولماذا يصر على أن يدفن موتاه في الأرض نفسها التي ولدوا فيها. إنه لا يدافع عن حجر فقط، وإنما عن حق الإنسان في أن تكون له بداية ونهاية في المكان ذاته.
وهكذا يعود "خان الحرير" إلى نقطة البداية: إلى فلسطين. فطريق الحرير القديم كان طريقاً للقوافل التي تعبر البلدان، أما الطريق الذي تبحث عنه المنطقة اليوم فهو طريق الإنسان إلى وطنه، وإلى حريته، وإلى حقه في أن يعيش من دون أن يُقتلع من مكانه.
وربما لن تنتهي حكاية الخان إلا عندما يصبح الوطن مكاناً آمناً لأهله، لا ممراً إلى المنفى؛ وعندما لا يعود الفلسطيني مضطراً إلى الاختيار بين بيت مهدّم واغتراب مفروض؛ وعندما تستطيع شعوب هذه المنطقة كلها أن تفعل الشيء البسيط الذي أرادته فضة ومحسن منذ البداية: أن تختار حياتها بنفسها.
عندها فقط، يمكن أن نقول إن الطريق الذي بدأ من فلسطين وجد أخيراً طريقه إلى السلام.
الحوار الأمريكي مع حماس.. حين يصبح المستحيل بابًا للسياسة
ليست كل الأبواب التي تُفتح في السياسة تعلن عن نفسها بصوت مرتفع. بعضها يبدأ باجتماع مغلق، أو اتصال... اقرأ المزيد
207
| 18 أغسطس 2026
حين يصبح البحر أقل قسوة من اليابسة
قبل أن تُغرق أمواج البحر أجسادهم، كانت قد أغرقت أرواحهم سنوات طويلة من الانتظار. آلاف الذين تدفقوا نحو... اقرأ المزيد
246
| 10 أغسطس 2026
هل دخلت العدالة الدولية قفص الاتهام؟
لم يكن كريم خان مجرد موظف دولي يشغل منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، بل أصبح، شاء أم... اقرأ المزيد
483
| 26 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43473
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7110
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5379
| 13 سبتمبر 2026