رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عادل الحامدي

مساحة إعلانية

مقالات

57

عادل الحامدي

خان الحرير.. الطريق الذي بدأ من فلسطين

18 سبتمبر 2026 , 12:15ص

بعض الأعمال الفنية لا تنتهي حين تنتهي شارتها الأخيرة. تبقى في الذاكرة مثل مدينة غادرناها ولم تغادرنا، أو مثل صديق رحل وظل صوته جالساً إلى جوارنا، أو مثل مساء قديم لا نعرف، ونحن نعيشه، أنه سيصبح بعد سنوات جزءاً من ذاكرتنا عن زمن كامل.

هكذا بقي مسلسل "خان الحرير"، من إخراج هيثم حقي، في ذاكرتي. في عام 1996، كنت أتابع الجزء الأول من المسلسل في دمشق، وكان إلى جانبي صديقي الإعلامي السوري الراحل ثائر سلوم، ابن حمص؛ المدينة التي يرقد فيها خالد بن الوليد، ذلك الاسم الذي يختصر في الذاكرة العربية معنى الطريق المفتوح على التاريخ.

كان "خان الحرير" يعيدنا إلى حلب في خمسينيات القرن الماضي، إلى عالم التجار والأسواق والعائلات والتحولات السياسية والاجتماعية. كانت أمل عرفة تؤدي شخصية "فضة"، فيما يؤدي فراس إبراهيم دور "محسن".

لكن دمشق التي كنا نشاهد فيها المسلسل لم تكن مجرد مدينة تتفرج على حكاية من الماضي. كانت هي الأخرى تعيش لحظة تاريخية ساخنة.

كان عام 1996 واقعاً في قلب مرحلة دبلوماسية عربية شديدة التعقيد، وكانت محاولات دفع سوريا نحو مسار أوسلو جزءاً من معركة أكبر على شكل المنطقة ومستقبلها.

وفي دمشق يومها كان اسم علي عقلة عرسان حاضراً بقوة؛ رئيس اتحاد الكتاب العرب، والمثقف الذي لم يكن موقفه من أوسلو والاحتلال مجرد موقف سياسي، بل جزءاً من رؤية ثقافية أوسع، ترفض أن تتحول الهزيمة إلى ثقافة، أو أن يُعاد تقديم التبعية باعتبارها حداثة، أو أن يُستبدل الانتماء الحضاري بخطاب تغريبي حداثوي زائف. وكان عرسان يومها رئيساً للاتحاد في دورته التي بدأت عام 1995 واستمرت حتى 2000.

وبينما كنا نتابع قصة فضة ومحسن، كانت المنطقة كلها تبحث عن طريق. ولعل عنوان المسلسل نفسه كان يحمل شيئاً من سر الحكاية.

فـ "خان الحرير" ليس مجرد سوق من أسواق حلب، بل يستدعي في العمق ذاكرة طريق الحرير؛ ذلك الطريق القديم الذي لم يكن مجرد مسار تجاري تعبره القوافل المحملة بالحرير والتوابل والأقمشة، بل كان شبكة هائلة تصل الشرق بالغرب، وتحمل البضائع والأفكار والأديان واللغات والثقافات، وتفتح المدن بعضها على بعض.

كان الخان مكاناً للعبور واللقاء. وكان الطريق، في جوهره، أكثر من طريق. كان تاريخاً يتحرك.

ولذلك يبدو لي اليوم أن المنطقة العربية كلها أصبحت مثل "خان حرير" واسع؛ تتقاطع فيه الطرق والمصالح والنفوذ، وتعبره القوى الكبرى، بينما يدفع الناس العاديون أثماناً لا يقررونها.

وفي قلب هذا الخان كانت فلسطين. لقد ظن العالم طويلاً أن بالإمكان إبقاء فلسطين في غرفة جانبية من التاريخ؛ أن تتحول إلى ملف تفاوضي، أو قضية إنسانية، أو مجموعة من القرارات الدولية المؤجلة. لكن غزة جاءت لتسقط هذا الوهم.

جاءت بأصوات النساء والأطفال والشيوخ. بأم تنادي طفلها من تحت الركام، وطفل لا يفهم لماذا أصبحت السماء التي كان ينتظر منها المطر مصدراً للنار، وشيخ يستغيث بعالم يعرف كل شيء عن أرقام الضحايا ولا يريد أن يعرف شيئاً عن أصحابها.

كانت غزة تقول، ببساطة موجعة: لا تتركونا وحدنا. لكن العالم تركها طويلاً. والمنطقة، بدرجات مختلفة، دفعت ثمن ذلك الخذلان.

ليس معنى هذا أن كل ما يحدث في لبنان أو إيران أو اليمن أو شمال أفريقيا سببه فلسطين. ذلك تبسيط للتاريخ، وفي كل بلد أزماته الداخلية ومسؤولياته الخاصة. لكن فلسطين بقيت الجرح الذي لم يُغلق، ولذلك ظل قادراً على إعادة إنتاج التوتر حوله.

في لبنان، حيث تتداخل الحدود والجبهات والذاكرة، لا يمكن فصل تداعيات الحرب على غزة عن المشهد الإقليمي.

وفي اليمن، تحولت تداعيات الحرب إلى البحر الأحمر، وارتبطت الملاحة الدولية بأمن السعودية والخليج وبحسابات القوى الإقليمية والدولية.

وفي إيران، تداخلت فلسطين مع صراع النفوذ والأمن والتحالفات، حتى أصبح ما يحدث في غزة جزءاً من لعبة إقليمية أكبر من حدود القطاع.

ثم تأتي شمال أفريقيا، البعيدة جغرافياً عن خطوط النار، لكنها ليست بعيدة عن أثمان عالم مضطرب: حرائق، وجفاف، وغلاء، وضيق في العيش، واقتصادات تبحث عن مخارج، وشعوب تشعر بأن الطريق إلى الغد صار أطول مما ينبغي.

لا تستطيع فلسطين أن تفسر كل هذه الأزمات. لكن تجاهل فلسطين ساهم في صناعة المنطقة التي نعيشها اليوم. فحين يعجز العالم عن حل القضية المركزية، تصبح القضية نفسها وقوداً دائماً لصراعات أخرى.

وهنا تعود إليّ صورة فضة ومحسن في مسلسل "خان الحرير" لهيثم حقي، كان بينهما حب حقيقي، لكنه اصطدم بعالم يريد أن يقرر عنهما. كانا يريدان أن يختارا، فيما كانت قوى أكبر منهما تحاول أن تختار لهما.

وهذه، في جوهرها، هي مأساة فلسطين. الفلسطيني لا يطلب من العالم أن يكتب له تاريخه. إنه يريد فقط أن يكتبه بنفسه. أن يكون وطناً لا قضية. وشعباً لا رقماً. وبيتاً لا مخيماً. ومستقبلاً لا يتوقف على إرادة القوة الغالبة.

لهذا تبدو لي معركة "خان الحرير" اليوم أكبر من مسلسل شاهدته في دمشق قبل ثلاثين عاماً.

لقد كان المسلسل يحكي عن مدينة تتغير، وعن مجتمع يتصارع بين القديم والجديد، وعن حب يحاول أن يجد له مكاناً وسط المصالح والقيود. أما المنطقة اليوم فتحاول أن تجد لنفسها مكاناً في عالم يتغير بسرعة، فيما لا تزال تحمل معها جرحاً قديماً اسمه فلسطين.

كان أوسلو يومها يوحي بأن المنطقة مقبلة على سلام جديد. لكن السلام الذي لا يحمل العدالة في داخله لا ينهي الصراع؛ يؤجله.

وهذا ما فعلته السنوات. تغيرت الخرائط، وسقطت أنظمة، وصعدت قوى، وانكسرت أخرى، لكن السؤال الفلسطيني بقي واقفاً في المكان نفسه. بل أصبح أكثر إلحاحاً.

حين أتذكر دمشق في ذلك الزمن، أتذكر ثائر سلوم إلى جواري، وأتذكر حمص التي يرقد فيها خالد بن الوليد، وأتذكر علي عقلة عرسان ومشهد الثقافة العربية وهي تخوض معركة على معنى فلسطين ومعنى الحداثة ومعنى الانتماء.

ثم أفكر في غزة، وأفهم أن المسألة ليست فقط أرضاً محتلة، وإنما إنسان حُرم طويلاً من حقه في أن يختار مصيره.

ومن هنا، فإن معركة "خان الحرير" بدأت من فلسطين، لكنها لن تنتهي عند فلسطين. تحرير فلسطين، في المعنى الأوسع، ليس نهاية الطريق، بل بداية طريق آخر: طريق تحرير المنطقة من الاحتلال، ومن الاستبداد، ومن التهميش، ومن الفقر، ومن تحويل الشعوب إلى وقود لصراعات لا تملك قرارها.

كان طريق الحرير القديم يصل المدن بعضها ببعض. أما الطريق الذي تحتاجه المنطقة اليوم، فيجب أن يصل الإنسان بالإنسان.

لكن غزة، في هذه اللحظة، تكتب فصلاً آخر من الحكاية. حين سقطت عمارة السعادة على متساكنيها، لم يسقط معها بيت وحسب، وإنما سقط جزء من حياة كاملة: غرف كانت تحفظ صور أصحابها، ومطابخ كانت تفوح منها رائحة الخبز، وأبواب كان خلفها أطفال ينامون على أحلام صغيرة.

صار البيت، في غزة، شيئاً يمكن أن يتحول في لحظة إلى ركام، وصار الركام نفسه شاهداً على أن الفلسطيني لا يموت فقط حين يُقتل، بل يُطلب منه أحياناً أن يموت مرتين: مرة تحت القصف، ومرة حين يُقتلع من المكان الذي ولد فيه.

ولهذا يتمسك أهل غزة ببيوتهم، حتى حين لا يبقى من البيت إلا جدار، وبأرضهم حتى حين تتحول الأرض إلى مقبرة. إنهم يقولون، بطرق مختلفة، إن الموت في الوطن أهون من حياة تُفرض عليهم في المنفى، وإن البيت ليس حجارة يمكن نقلها، وإن الأرض ليست مساحة على الخريطة يمكن استبدالها بمساحة أخرى.

ومن المفارقة هنا أن يصبح الموت نفسه آخر أشكال التشبث بالحياة؛ حياة الإنسان في المكان الذي اختاره لنفسه، وفي الأرض التي يريد أن يبقى فيها، وفي الذاكرة التي لا يريد لأحد أن ينتزعها منه.

ولعل أصدق ما يمكن أن نختم به، ونحن نرى غزة تتشبث بأرضها وسط الركام، هو ذلك المعنى القديم الذي حفظه أبو البقاء الرندي في رثائه للأندلس:

موتُ الكرامِ حياةٌ في مواطنِهمُ

فإنْ همُ اغتربوا ماتوا وما ماتوا

ليس البيت دعوة إلى الموت، وإنما تعبير عن معنى أعمق: أن الإنسان قد يفقد حياته، لكنه لا يريد أن يفقد وطنه؛ وأن الغربة القسرية ليست مجرد انتقال من مكان إلى مكان، وإنما قد تكون اقتلاعاً للذاكرة والهوية والحق في أن تكون لك أرض تقول: هنا بيتي.

من هنا أفهم غزة أكثر. أفهم لماذا يبقى الفلسطيني في بيته حتى حين يصبح البيت ركاما، ولماذا يعود إلى المكان الذي قُصف، ولماذا يصر على أن يدفن موتاه في الأرض نفسها التي ولدوا فيها. إنه لا يدافع عن حجر فقط، وإنما عن حق الإنسان في أن تكون له بداية ونهاية في المكان ذاته.

وهكذا يعود "خان الحرير" إلى نقطة البداية: إلى فلسطين. فطريق الحرير القديم كان طريقاً للقوافل التي تعبر البلدان، أما الطريق الذي تبحث عنه المنطقة اليوم فهو طريق الإنسان إلى وطنه، وإلى حريته، وإلى حقه في أن يعيش من دون أن يُقتلع من مكانه.

وربما لن تنتهي حكاية الخان إلا عندما يصبح الوطن مكاناً آمناً لأهله، لا ممراً إلى المنفى؛ وعندما لا يعود الفلسطيني مضطراً إلى الاختيار بين بيت مهدّم واغتراب مفروض؛ وعندما تستطيع شعوب هذه المنطقة كلها أن تفعل الشيء البسيط الذي أرادته فضة ومحسن منذ البداية: أن تختار حياتها بنفسها.

عندها فقط، يمكن أن نقول إن الطريق الذي بدأ من فلسطين وجد أخيراً طريقه إلى السلام.

اقرأ المزيد

الحوار الأمريكي مع حماس.. حين يصبح المستحيل بابًا للسياسة الحوار الأمريكي مع حماس.. حين يصبح المستحيل بابًا للسياسة

ليست كل الأبواب التي تُفتح في السياسة تعلن عن نفسها بصوت مرتفع. بعضها يبدأ باجتماع مغلق، أو اتصال... اقرأ المزيد

207

| 18 أغسطس 2026

حين يصبح البحر أقل قسوة من اليابسة حين يصبح البحر أقل قسوة من اليابسة

قبل أن تُغرق أمواج البحر أجسادهم، كانت قد أغرقت أرواحهم سنوات طويلة من الانتظار. آلاف الذين تدفقوا نحو... اقرأ المزيد

246

| 10 أغسطس 2026

هل دخلت العدالة الدولية قفص الاتهام؟ هل دخلت العدالة الدولية قفص الاتهام؟

لم يكن كريم خان مجرد موظف دولي يشغل منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، بل أصبح، شاء أم... اقرأ المزيد

483

| 26 يوليو 2026

مساحة إعلانية