رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن كريم خان مجرد موظف دولي يشغل منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، بل أصبح، شاء أم أبى، وجهاً لصراع أكبر من شخصه، وأوسع من المؤسسة التي يمثلها. فمنذ أن طرق باب المساءلة في ملف غزة، بدا وكأن العدالة الدولية نفسها دخلت منطقة محظورة، حيث تتداخل السياسة بالقانون، وتتصارع المبادئ مع المصالح، وتصبح الحقيقة رهينة موازين القوة. قد تثبت الاتهامات الموجهة إلى خان، وقد تسقط أمام القضاء، فالأصل أن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته. لكن ما يثير الريبة ليس الاتهامات في حد ذاتها، وإنما السياق الذي وُلدت فيه، والتوقيت الذي تضخمت فيه، والنتيجة التي انتهت إليها. ففي عالم السياسة، لا تُقرأ الوقائع منفصلة عن سياقاتها، لأن الزمن نفسه قد يكون شاهداً، وقد يكون دليلاً. منذ أن أصدر كريم خان مذكرتي التوقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، دخلت المحكمة الجنائية الدولية في مواجهة غير مسبوقة مع قوى دولية نافذة. لم تعد القضية تتعلق فقط بتفسير مواد نظام روما، بل أصبحت تمس توازنات النظام الدولي، وحدود ما يسمح به الأقوياء من عدالة، وما يرفضونه إذا اقتربت من حلفائهم. لم يكن سراً أن الولايات المتحدة رفضت اختصاص المحكمة في هذه القضية، وذهبت إلى فرض عقوبات على مسؤولين فيها، كما لم يكن خافياً ما كشفته لاحقاً تقارير وتصريحات عن ضغوط مورست على المحكمة وعلى المدعي العام. وعندما تتراكم هذه الوقائع، يصبح من الطبيعي أن يتساءل الرأي العام: هل نحن أمام مساءلة قانونية خالصة، أم أمام معركة سياسية تستخدم فيها الأدوات القانونية؟ لقد ولدت المحكمة الجنائية الدولية على أنقاض قرن امتلأ بالمجازر، وكانت الفكرة بسيطة وعظيمة في آن واحد: ألا يكون هناك مجرم حرب فوق القانون. غير أن الطريق من الفكرة إلى التطبيق كان دائماً محفوفاً بالعوائق. فالمحكمة التي حاكمت قادة من دول ضعيفة، وجدت نفسها كلما اقتربت من القوى الكبرى أو حلفائها، تواجه حصاراً سياسياً وإعلامياً ومالياً، وكأن العدالة مسموح لها أن تعمل، شرط ألا تمس أصحاب النفوذ. وهنا تكمن المعضلة الأخلاقية قبل أن تكون القانونية. فالعالم لا يقيس استقلال القضاء بما يقوله القضاة عن أنفسهم، وإنما بقدرتهم على مقاومة الضغوط عندما تكون كلفة الاستقلال باهظة. وإذا ترسخ الانطباع بأن المدعي العام الذي يقترب من ملفات حساسة ينتهي معزولاً أو محاصراً، فإن الرسالة التي تصل إلى كل مسؤول دولي ستكون واضحة: حدود العدالة ترسمها السياسة. ولعل ما يزيد من قتامة المشهد أن هذه التطورات تأتي بينما لا تزال غزة تنزف، ولا تزال صور الأطفال تحت الركام تلاحق ضمير الإنسانية. ملايين البشر لم يكونوا يتابعون تفاصيل الإجراءات القانونية، بقدر ما كانوا يبحثون عن إشارة واحدة تؤكد أن العالم لم يفقد بوصلته الأخلاقية، وأن القانون ما زال قادراً على حماية الضعفاء، ولو رمزياً. لكن ما جرى أعاد إنتاج السؤال القديم: هل العدالة الدولية ميزان واحد، أم موازين متعددة تختلف باختلاف هوية الضحية وهوية المتهم؟ إن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات تستطيع أن تؤجل العدالة، لكنها لا تستطيع أن تلغيها. فكم من قوة ظنت أن نفوذها أبدي، ثم تحولت إلى فصل في كتب التاريخ، بينما بقيت ذاكرة الضحايا حية. العدالة قد تتعثر، وقد تُحاصر، وقد تُستغل أحياناً، لكنها تظل فكرة عصية على الموت، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلاً وهو يؤمن بأن القوة وحدها هي التي تصنع الحق. إن القضية اليوم ليست قضية كريم خان، بل قضية المحكمة الجنائية الدولية نفسها، بل قضية النظام الدولي الذي يرفع راية القانون ثم يتردد في الدفاع عنها عندما تتعارض مع مصالح الكبار. فإذا فقدت المحكمة ثقة الشعوب، فلن يكون ذلك بسبب شخص غادر منصبه، وإنما لأن الناس سيقتنعون بأن القانون لم يعد سيداً، بل تابعاً. وحين تصل البشرية إلى هذه القناعة، فإن الخسارة لن تكون خسارة مؤسسة أو مسؤول، بل خسارة آخر الأوهام الجميلة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية؛ الوهم الذي قال إن الإنسانية تعلمت من مآسيها، وإن الدم البشري أصبح متساوياً في ميزان العدالة. ويبقى السؤال معلقاً، لا أمام المحكمة وحدها، بل أمام العالم كله: من يحاكم الذين يحاكمون العدالة؟ ومن يعيد الثقة إلى قانون دولي يفقد، يوماً بعد يوم، هيبته الأخلاقية قبل سلطته القانونية؟
375
| 26 يوليو 2026
لم تكن ليلة تتويج إسبانيا بكأس العالم مجرد لحظة رياضية عابرة بالنسبة لكثير من الفلسطينيين والعرب، ولا مجرد نتيجة على لوحة ملعب انتهت بصافرة حكم. ففي الوقت الذي كانت فيه القنابل تسقط على غزة، وكانت أصوات الطائرات الحربية تختلط بأصوات النازحين والثكالى، وجد آلاف الفلسطينيين في انتصار المنتخب الإسباني مساحة نادرة للفرح، ورسالة رمزية تتجاوز حدود كرة القدم إلى معاني العدالة والتضامن والإنسانية. قد يبدو غريباً أن يبحث شعب يعيش تحت القصف عن لحظة ابتهاج في مباراة كرة قدم، لكن التاريخ الفلسطيني لطالما كان شاهداً على أن الإنسان لا يتخلى عن حقه في الفرح حتى في أحلك الظروف. فالفرح في زمن المأساة ليس ترفاً، بل فعل مقاومة للحصار النفسي ومحاولة للتمسك بالحياة في مواجهة محاولات تحويل الإنسان إلى مجرد رقم في نشرات الأخبار. لم يكن انحياز الفلسطينيين لإسبانيا وليد تسعين دقيقة في ملعب، بل جاء امتداداً لصورة سياسية وإنسانية تشكلت خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتبط اسم إسبانيا، في الوعي الفلسطيني والعربي، بمواقف سياسية أكثر قرباً من خطاب العدالة الدولية، وبأصوات داخل المجتمع الإسباني رفعت شعارات التضامن مع فلسطين، وخرجت في مظاهرات واسعة تندد بالحرب على غزة وتطالب بوقف قتل المدنيين. وفي خضم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون، تحولت رايات إسبانيا التي رفعت في شوارع غزة والضفة ومخيمات اللجوء إلى أكثر من احتفاء رياضي؛ فقد حملت معنى رمزياً يتعلق بالبحث عن صوت آخر في عالم بدا لكثيرين عاجزاً عن وقف نزيف الدم الفلسطيني. كانت لحظة شعر فيها البعض بأن هناك شعوباً ما زالت ترى الإنسان قبل الحسابات السياسية، وترى في معاناة المدنيين قضية أخلاقية لا مجرد ملف دبلوماسي. ولم تكن المفارقة غائبة عن المشهد. ففي المدينة التي أنجبت الشاعر الفلسطيني معين بسيسو، الذي حمل غزة إلى القصيدة وجعل من معاناة شعبه جزءاً من الذاكرة الإنسانية، كانت أصوات الاحتفال تتحدى واقعاً قاسياً من الدمار والخوف. غزة التي عرفت كيف تحول الألم إلى شعر، وكيف تجعل من الصمود لغة يومية، وجدت في انتصار رياضي عابر لحظة لاستعادة شيء من الحياة التي تحاول الحرب انتزاعها. لقد كان التعاطف مع المنتخب الإسباني أيضاً تعبيراً عن صورة أوسع في العالم العربي، حيث وجد كثيرون في إسبانيا نموذجاً لدولة أوروبية اختارت، في لحظات عديدة، اتخاذ مواقف أكثر استقلالية عن المزاج السياسي الغربي التقليدي تجاه القضية الفلسطينية. وقد تعزز هذا الشعور مع مواقف الحكومة الإسبانية التي دعت إلى الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، وانتقدت سياسات الاحتلال، وطالبت بحماية المدنيين. لكن المسألة لا تتعلق بإسبانيا وحدها، ولا بالسياسة الرسمية فقط. فالرياضة كثيراً ما تتحول إلى مرآة تعكس الصراعات والقيم التي تعيشها المجتمعات. وكما حمل لاعبون فلسطينيون وعرب في مناسبات رياضية سابقة أعلام فلسطين إلى منصات عالمية، وكما رفع لاعبو المنتخب المغربي العلم الفلسطيني خلال مونديال قطر، فإن الملعب لم يعد مجرد مساحة للتنافس، بل أصبح أيضاً مساحة للتعبير عن الهوية والذاكرة والمواقف الإنسانية. في المقابل، فإن انحياز الفلسطينيين لإسبانيا لا يعني بالضرورة خصومة مع الشعب الأرجنتيني أو إنكاراً لمكانة الكرة الأرجنتينية وتاريخها الكبير. فالجماهير لا تختار دائماً منطقياً أو وفق حسابات رياضية بحتة؛ أحياناً تختار وفق الرموز والمعاني التي تراها في اللحظة التاريخية. وفي زمن الحرب، تصبح الإشارات الصغيرة ذات أثر كبير، وتتحول التفاصيل إلى رسائل. لقد أثبتت هذه اللحظة مرة أخرى أن كرة القدم أكبر من كونها لعبة. فهي قد تصبح لغة مشتركة بين شعوب بعيدة، ومنصة تعبر من خلالها المجتمعات عن أحلامها وغضبها وآمالها. وقد تكون أحياناً الملاذ الأخير لشعب محاصر يبحث عن نافذة يرى منها العالم بصورة مختلفة. فرحة الفلسطينيين بانتصار إسبانيا لم تكن هروباً من واقعهم، بل كانت عودة مؤقتة إلى إنسانيتهم التي تحاول الحرب سحقها. ففي وسط الركام، أرادوا أن يقولوا إنهم ما زالوا قادرين على الفرح، وأن الإنسان الذي يفقد بيته أو أحباءه لا يفقد بالضرورة حقه في لحظة ابتسام. وربما تكون الرسالة الأعمق في تلك الليلة أن الشعوب لا تُقاس فقط بما تحمله من آلام، بل أيضاً بقدرتها على الاحتفاظ بالأمل. فحتى تحت القصف، يمكن لكرة تتدحرج في ملعب بعيد أن تصل إلى قلب مدينة محاصرة، وتحمل معها لحظة فرح صغيرة تقول إن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت تقاوم.
255
| 20 يوليو 2026
لم أعرف الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن قرب. لم أجلس إليه مرة، ولم أعمل في قطر، ولم أكن يومًا جزءًا من مؤسساتها الإعلامية. لكنني، مثل ملايين العرب، عشت أثر الرجل أكثر مما عرفت سيرته، وعرفت مشروعه أكثر مما عرفت شخصه. فهناك رجال لا تحتاج إلى مصافحتهم حتى تلمس بصماتهم في حياتك، لأنهم يغيرون المجال العام الذي يعيش فيه الجميع، ويصنعون مناخًا جديدًا للتفكير والأمل. أنتمي إلى جيل عربي ولد في زمن الهزائم، وكبر وهو يراقب كيف تتراجع فكرة الأمة، وكيف تتحول الدولة إلى جهاز يخشى الكلمة أكثر مما يخشى الاحتلال، وكيف يصبح الإعلام مرآة للسلطة لا نافذة على المجتمع. كان ذلك جيلاً يبحث عن أي دليل يثبت أن العرب ما زالوا قادرين على إنتاج مشروع كبير، وأنهم ليسوا مجرد مستهلكين لما يصنعه الآخرون. ثم جاءت الجزيرة. لم تكن مجرد قناة تلفزيونية. كانت حدثًا حضاريًا قبل أن تكون مؤسسة إعلامية. كانت إعلانًا بأن العقل العربي يستطيع، إذا توفرت له الإرادة السياسية، أن ينافس أكبر المؤسسات الإعلامية في العالم، وأن يصنع نموذجًا مهنيًا مختلفًا، وأن يفرض نفسه على أجندة الأخبار الدولية. ولعل أعظم ما فعله الأمير الوالد أنه لم يبنِ مبنى، بل بنى فكرة. لم يستثمر في أجهزة البث وحدها، بل استثمر في الإنسان العربي. جمع من مختلف الأقطار نخبة من ألمع الصحفيين والمفكرين والمخرجين والمراسلين والمنتجين، ممن ضاقت بهم أوطانهم أو ضاقت أوطانهم بأحلامهم، ومنحهم فرصة نادرة ليصنعوا إعلامًا يليق بأمة تبحث عن صوتها. كانت الجزيرة، بالنسبة لكثيرين منا، أول جامعة عربية مفتوحة في السياسة والفكر والإعلام. منها تعرفنا إلى مدارس صحفية متعددة، وإلى مناظرات كانت محرمة، وإلى معارضين لم يكن أحد يسمع أصواتهم، وإلى مسؤولين وجدوا أنفسهم لأول مرة أمام أسئلة حقيقية. والأهم أنها جعلت المشاهد العربي يشعر بأن رأيه له قيمة، وأن الخبر ليس ملكًا للحاكم وحده. قد يختلف الناس في تقييم الجزيرة، وقد تختلف الآراء حول بعض خياراتها أو تغطياتها، فهذا شأن كل تجربة بشرية كبرى. لكن ما يصعب إنكاره هو أنها غيرت تاريخ الإعلام العربي إلى الأبد، وأنها صنعت قبل وبعد عام 1996 خطًا فاصلًا بين زمنين. ولم يكن ذلك الإنجاز منفصلًا عن رؤية الأمير الوالد. فقد أدرك مبكرًا أن النفوذ في العصر الحديث لا يصنعه المال وحده، ولا القوة العسكرية وحدها، بل تصنعه المعرفة، والإعلام، والقدرة على مخاطبة العالم بلغته، مع الاحتفاظ بالهوية والثقة بالنفس. كان ذلك رهانًا حضاريًا أكثر منه رهانًا سياسيًا. لقد آمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأبقى. ولذلك لم تقتصر التجربة على الإعلام، بل امتدت إلى التعليم، والبحث العلمي، والدبلوماسية، والرياضة، والثقافة، لتصبح قطر، خلال سنوات قليلة، اسمًا حاضرًا في ملفات كانت حكرًا على الدول الكبرى. وبالنسبة لنا نحن الذين كنا نراقب من بعيد، لم تكن المسألة إعجابًا بدولة بقدر ما كانت إعجابًا بإمكانية عربية كانت تبدو مستحيلة. كان السؤال الذي يرافقنا دائمًا: إذا استطاعت دولة عربية أن تنجز هذا المشروع، فلماذا لا تستطيع بقية الدول أن تصنع مشاريعها الخاصة؟ ولماذا أصبح الاستثناء هو النجاح، بينما يفترض أن يكون القاعدة؟ إن إرث الأمير الوالد لا يقاس فقط بما شُيّد من مؤسسات، وإنما بما أعاد زرعه في الوعي العربي من ثقة بالقدرة على الفعل. ففي زمن كانت فيه المنطقة تتقن تبرير عجزها، جاءت تجربة قطر لتقول إن الإرادة السياسية تستطيع أن تغير موازين كثيرة، وأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. وربما لهذا السبب تجاوز تأثير الرجل حدود بلده. فقد أصبح جزءًا من ذاكرة جيل كامل من الإعلاميين والباحثين والمثقفين الذين وجدوا في تلك التجربة نافذة على عالم عربي مختلف؛ عالم يؤمن بالكفاءة أكثر من الولاء، وبالاحتراف أكثر من الدعاية، وبالطموح أكثر من الخوف. حين يرحل أصحاب المشاريع الكبرى، لا يترك رحيلهم فراغًا في المواقع، بل يترك فراغًا في الخيال. لأن المؤسسات يمكن أن تستمر، لكن الروح المؤسسة هي الأصعب في التعويض. وفي رثاء الأمير الوالد، لا أرثي رجل دولة فحسب، بل أرثي واحدًا من آخر القادة العرب الذين امتلكوا الجرأة على أن يحلموا خارج المألوف، وأن يمنحوا ذلك الحلم مؤسسات تعيش بعدهم. لقد أثبت أن المشروع العربي ليس مستحيلًا، وأن الأمة التي تنجح في صناعة منبر عالمي، تستطيع – إذا امتلكت الإرادة نفسها – أن تصنع نهضتها أيضًا. رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي لم يكتفِ بأن يكتب فصلًا في تاريخ قطر، بل ساهم في كتابة فصل مضيء من تاريخ الوعي العربي الحديث. غير أن المشاريع الكبرى لا تُقاس فقط بما ينجزه مؤسسوها، وإنما بقدرتها على الاستمرار بعدهم. وهذه ربما تكون إحدى أهم رسائل تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني؛ إذ لم يكن ما بناه مشروعًا عابرًا ارتبط بشخصه، بل رؤية وجدت من يحملها ويواصل تطويرها. لقد انتقل المشعل إلى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، واستمرت الدولة في تثبيت الخيار نفسه: الاستثمار في الإنسان، وفي المعرفة، وفي الإعلام، وفي الدبلوماسية، وفي جعل الحضور القطري قائمًا على المبادرة لا على رد الفعل. وبين كل الملفات التي خاضتها قطر، بقيت فلسطين عنوانًا أخلاقيًا وسياسيًا لهذا الحضور، وبقي أهلها في قلب هذا الالتزام، ليس بوصفهم ورقة للمزايدة، وإنما باعتبارهم قضية عدل وكرامة وحق، وبوصفها أيضًا البوابة التي تتجلى فيها المنافسة العربية الشريفة على خدمة الإنسان والدفاع عن قيم الحرية والعدالة. ولذلك، فإن رثاء الأمير الوالد ليس بكاءً على مرحلة انتهت، بقدر ما هو تأمل في تجربة أثبتت أن الأفكار العظيمة لا تموت برحيل أصحابها، وأن الدول التي تؤسس لمشاريع حضارية حقيقية تضمن لنفسها الاستمرار عبر تعاقب الأجيال. لقد غاب الرجل، لكن المشعل لم ينطفئ، وما زالت الرؤية التي آمنت بأن للعرب مكانًا تحت شمس العصر، وبأن الإنسان العربي قادر على الفعل والإبداع وصناعة التاريخ، تجد من يحملها ويواصل السير بها إلى الأمام.
177
| 13 يوليو 2026
ليست قيمة الثورات في أنها تبدّل الحكام فحسب، بل في أنها تغيّر أخلاق المجال العام. وأخطر ما يمكن أن يحدث بعد سقوط الاستبداد أن تنتقل أدواته من يد إلى أخرى، وأن يبقى المنطق نفسه، وإن تغيّرت الشعارات والأسماء. ومن هذا الباب، تبدو الطريقة التي يجري بها التعاطي مع اتحاد الكتاب العرب في سوريا، وما رافقها من منح عضوية شرف لاتحاد كتاب سوريا الأحرار، مناسبة للتأمل أكثر منها مناسبة للاصطفاف. فالقضية لا تتعلق بمؤسسة ثقافية فحسب، وإنما بالسؤال الأكبر: كيف ينبغي للدولة الجديدة أن تنظر إلى الثقافة؟ وكيف ينبغي للكتّاب أنفسهم أن يتعاملوا مع ماضيهم المختلف؟ قد يكون من الطبيعي أن يشعر كثيرون بالمرارة تجاه مؤسسة تحولت، عبر عقود، إلى أحد الأذرع الثقافية للنظام السابق، وأن يتطلعوا إلى قطيعة واضحة مع إرثها. فهذا الاتحاد، في مراحل طويلة، لم يكن مجرد بيت للأدباء، بل كان، في كثير من الأحيان، جزءاً من البنية الرمزية التي منحت الاستبداد غطاءً ثقافياً، وأقصت أصواتاً كثيرة دفعت ثمن استقلالها نفياً وسجناً ومنعاً. لكن من الطبيعي أيضاً ألا تتحول لحظة التحرر إلى لحظة تشفٍّ. فآخر ما ينبغي أن يتميز به الكاتب هو التشفي. الكاتب، بحكم مهنته الأخلاقية قبل موهبته الفنية، مطالب بأن يرى الإنسان حتى في خصمه، وأن يدافع عن العدالة لا عن الانتقام، وعن الحقيقة لا عن تصفية الحسابات. وإذا كان السياسي قد يجد في الإقصاء وسيلة لإدارة الصراع، فإن الكاتب يفقد شيئاً من جوهره كلما اقترب من هذه الغريزة. فالكتابة، في جوهرها، فعل تجاوز لا فعل ثأر. ولعل أكثر ما يميز المبدع الحقيقي هو فرادته. إنه لا يعيش داخل القطيع، حتى لو كان هذا القطيع على حق. إنه يحتفظ دائماً بمسافة نقدية بينه وبين السلطة، أي سلطة، وبين الجماعة، أي جماعة. ولذلك كانت علاقة الإبداع بالتبعية علاقة ملتبسة عبر التاريخ. فالكاتب الذي يتحول إلى موظف سياسي، مهما كانت القضية التي يدافع عنها نبيلة، يخسر جزءاً من حريته، ومع الوقت يخسر شيئاً من تأثيره أيضاً. إذ يصبح صوته متوقعاً، وموقفه معروفاً سلفاً، فتغيب عنه المفاجأة التي هي روح الأدب، ويذبل فيه السؤال الذي هو روح الفكر. ليست المشكلة أن يكون للكاتب موقف سياسي، فالأدب العظيم لم يولد في الفراغ، وإنما المشكلة أن تتحول السياسة إلى وصي على الخيال، أو أن تتحول المؤسسة الحزبية إلى مرجعية نهائية للضمير الثقافي. ولعل التجربة السورية تقدم نماذج بالغة الدلالة. فالمفكر الطيب تيزيني، الذي ظل سنوات محسوباً على الفضاء الفكري اليساري القريب من السلطة في بعض مراحله، انتهى به الأمر إلى الوقوف مع مطالب الحرية حين انفجرت الثورة، مدركاً أن الفكر إذا لم ينحز إلى الإنسان فقد قيمته كلها. وكذلك فعل صادق جلال العظم، الذي لم يكن خصماً تقليدياً للنظام في كل مراحل حياته، لكنه لم يتردد في إعلان موقف واضح إلى جانب الثورة عندما أصبحت الدماء السورية هي الحقيقة الكبرى التي لا يجوز للفيلسوف أن يتجاوزها. ولم يكن هذان النموذجان استثناءً كاملاً. فقد عرف الوسط الثقافي السوري عدداً من المثقفين والكتّاب اليساريين الذين استفادوا، بدرجات متفاوتة، من فضاء حكم البعث ومؤسساته الثقافية، لكنهم عندما تحولت البلاد إلى ساحات قتل واعتقال وتهجير، اكتشفوا أن الانتماء الأخلاقي أعلى من الانتماء الحزبي، وأن الدم يعيد ترتيب الأولويات كلها. وهنا تكمن قيمة المثقف الحقيقي. إنه لا يقاس بعدد بيانات التأييد التي كتبها، ولا بعدد المناصب الثقافية التي شغلها، بل بقدرته على مراجعة نفسه عندما تتغير الوقائع، وبشجاعته في الاعتراف بأن الإنسان أهم من الأيديولوجيا. ولهذا، فإن الدولة السورية الجديدة ستكون أمام اختبار بالغ الحساسية. هل ستبني مؤسسات ثقافية مستقلة، يتساوى فيها الجميع أمام معايير الإبداع والكفاءة؟ أم ستستبدل ولاءً بولاء، واتحاداً باتحاد، وقائمة سوداء بقائمة أخرى؟ إن منح التكريم أو عضوية الشرف لأي كيان ثقافي قد يحمل دلالة رمزية مفهومة في سياق الاعتراف بتضحيات كتّاب حُرموا طويلاً من حقهم الطبيعي في التعبير، لكن هذا الاعتراف يفقد جزءاً من معناه إذا تحول إلى إعلان انتصار فريق ثقافي على فريق آخر. فالثقافة ليست ساحة غلبة، وإنما فضاء تعدد. لقد عانت سوريا طويلاً من اتحادات تكتب وفق ما تريده السلطة، لا وفق ما يمليه الضمير. ولن يكون من الحكمة أن تنتقل من نموذج يحتكر الثقافة باسم الدولة إلى نموذج يحتكرها باسم الثورة. فالحرية لا تتجزأ. والمؤسسة الثقافية التي تولد من رحم الحرية يجب أن تتسع لكل صاحب قلم، مهما اختلفت خلفيته، ما دام لم تتلطخ يده بالتحريض على القتل أو التبرير المباشر للاستبداد. أما الاختلاف الفكري والسياسي، فهو مادة الثقافة، لا سبب إلغائها. إن الأمم التي تخرج من الحروب تحتاج إلى ذاكرة عادلة، لا إلى ذاكرة منتقمة. وتحتاج إلى كتّاب يضمدون الجراح، لا إلى كتّاب يوسعونها. فالثورات قد تنتصر بالسلاح، لكنها لا تنتصر في التاريخ إلا بالأخلاق. وأحسب أن الكاتب السوري اليوم أمام فرصة نادرة ليعيد تعريف دوره. ليس بوصفه تابعاً للسلطة الجديدة، ولا ناطقاً باسم المعارضة القديمة، وإنما بوصفه ضميراً مستقلاً للأمة، يراقب الجميع، وينتقد الجميع، وينحاز دائماً إلى الإنسان. ففي النهاية، لا يبقى من الأنظمة إلا ما تكتبه عنها الكتب، ولا يبقى من الثورات إلا ما يحفظه الأدب. أما الكاتب، فلا يخلده انتصاره على خصومه، وإنما يخلده انتصاره على نزعة التشفي داخله، وتمسكه بحريته حتى وهو يقف في صف العدالة.
222
| 09 يوليو 2026
قبل أكثر من ثلاثة عقود، وتحديداً في صيف عام 1994، كنت أغادر الرباط باتجاه دمشق. لم تكن رحلة عادية بين مدينتين، بل انتقالاً بين مرحلتين من العمر، وبين فضاءين سيصنعان لاحقاً كثيراً من تكويني الفكري والإنساني. كنت قد أنهيت دراستي الجامعية في القسم الأدبي بجامعة محمد الخامس، وحصلت على شهادة البكالوريوس في اللغة والأدب، ثم شددت الرحال إلى عاصمة الشرق الأوسط دمشق، أحمل في حقيبتي كتباً قليلة، وفي قلبي حنيناً كبيراً إلى مدارج تلك الجامعة، وإلى زملاء وأساتذة تعلمت على أيديهم أولى أبجديات التفكير في الأدب، ثم في الفكر، ثم في السياسة. كنت أظن أن السنوات ستفعل فعلها، وأن المدن الجديدة ستطغى على المدن الأولى، لكنني اكتشفت أن الجامعات تشبه الأمهات؛ قد تغادرها، لكنها لا تغادر ذاكرتك أبداً. ولذلك، حين عدت بعد أكثر من ثلاثين عاماً إلى كلية الحقوق بجامعة محمد الخامس ـ أكدال، على مرأى حجر من مدرجات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مشاركاً في الندوة الوطنية التي نظمتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، بشراكة مع مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية والجمعية المغربية للعلوم السياسية، شعرت أنني لا أعود إلى قاعة أكاديمية فحسب، بل أعود إلى جزء من سيرتي الشخصية. كان عنوان الندوة: "في طبيعة ومعنى اللحظة الدولية الراهنة"، وهو عنوان يلامس سؤالاً يشغل العالم كله، لكنه بالنسبة إلينا نحن العرب ليس سؤالاً أكاديمياً مجرداً، بل سؤال وجود ومصير. فنحن لسنا مراقبين لما يجري في العالم، وإنما نقف في قلب الزلزال، وتدور أغلب الحروب والصراعات الكبرى فوق أرضنا، أو على حدودها، أو بأدوات من داخلها. في الورقة التي قدمتها، حاولت أن أميز بين الحدث والتحول. فليس كل حدث كبير تحولاً تاريخياً، لكن التحولات هي الاتجاهات العميقة التي تعيد تشكيل النظام الدولي والسياسات العالمية لعقود مقبلة. وانطلاقاً من هذا الفهم، رأيت أن العالم، ولا سيما المنطقة العربية، يعيش منذ نهاية القرن العشرين، وتسارعاً منذ العقد الأخير، سلسلة من التحولات البنيوية التي لا يمكن قراءتها منفصلة عن بعضها. توقفت أولاً عند تراجع القطبية الأحادية، وصعود الصين وعودة روسيا لاعباً دولياً، مع ما رافق ذلك من اهتزازات في بنية النظام الدولي، وإن ظل النفوذ الأمريكي حاسماً، خصوصاً في منطقتنا العربية. ثم ناقشت صعود الشعبوية واليمين المتطرف في الغرب، وما ترتب عنه من تصاعد العنصرية، والتضييق على الجاليات العربية والإسلامية، وإعادة تعريف المصالح الغربية على نحو أكثر أنانية وخشونة. لكن التحول الأخطر، في تقديري، كان ذلك الذي أصاب العالم العربي نفسه. فمنذ الثورات العربية عامي 2010 و2011، شهدنا اصطفافاً غربياً وإقليمياً مع قوى الثورة المضادة، تحت عناوين الاستقرار ومحاربة الإرهاب، بينما كانت النتيجة الفعلية إعادة إنتاج الاستبداد، وتوسيع دوائر الفساد، ومحاصرة التجارب الديمقراطية الوليدة، وإغلاق المجال العام أمام القوى المجتمعية. أما فلسطين، فقد كانت في قلب الورقة، لأنها في الحقيقة أصبحت في قلب التحولات الدولية نفسها. فحرب الإبادة على غزة لم تكن مجرد عدوان جديد على الفلسطينيين، وإنما كشفت انهيار كثير من المنظومات الأخلاقية والقانونية التي ادعى الغرب لعقود أنه حارسها. كما كشفت في المقابل يقظة غير مسبوقة داخل المجتمعات الغربية، حيث أخذت الجامعات، والنخب الثقافية، والحركات الشبابية، تعيد النظر في السردية الصهيونية، وتتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني ضد استعمار استيطاني وفصل عنصري. وتناولت كذلك التحولات التكنولوجية الكبرى، وعلى رأسها ثورة الذكاء الاصطناعي، باعتبارها ساحة جديدة للصراع بين الدول الكبرى، لكنها في الوقت نفسه تفرض على العرب تحديات غير مسبوقة في مجالات المعرفة والإعلام والسيادة الرقمية. وخلصت إلى أن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يحدث في العالم؟ بل: أين موقع العرب من هذه التحولات؟ وهل سيبقون مجرد ساحات للصراع بين الآخرين، أم يتحولون إلى فاعلين في صناعة مستقبلهم؟ لم تكن الندوة مجرد مناسبة للحديث، بل كانت مناسبة للإصغاء أيضاً. ففي الجلسات التي أدارها ونظمها ثلة من الأساتذة والباحثين، استمعت إلى قراءات عميقة ومتكاملة حول النظام الدولي الجديد، وموقع المغرب في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، والعلاقات المغربية الأوروبية، وتحولات السياسة الخارجية المغربية، وهو ما جعل اللقاء أقرب إلى ورشة فكرية جماعية لفهم عالم يتغير بسرعة تفوق قدرتنا على اللحاق به. وكان مما زاد هذا اللقاء قيمة أنني تشرفت بالمشاركة إلى جانب أسماء أكاديمية وفكرية وازنة، في مقدمتها الأستاذ الدكتور سعيد الصديقي، والأستاذ الدكتور إسماعيل حمودي، والأستاذ الدكتور علي كريمي، والأستاذ الدكتور عبد الحميد بن خطاب، والأستاذ الدكتور مصطفى السحيمي، والأستاذ الدكتور رضا الفيلالي حوز، والأستاذ الدكتور إسماعيل قطرب، والأستاذ الدكتور نور الدين الإدريسي، وتحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد الله ساعف، أحد أبرز أعلام الفكر السياسي المغربي والعربي. خرجت من الجامعة وأنا أشعر بأن الزمن لا يمضي دائماً إلى الأمام. أحياناً يعود بك إلى البدايات، لا لتعيشها من جديد، وإنما لتدرك أن بعض الأمكنة لا تنتهي صلاحيتها في القلب. جامعة محمد الخامس كانت بالنسبة إليّ أكثر من مؤسسة تعليمية؛ كانت أول نافذة أطللت منها على الأدب، ثم على الفكر، ثم على السياسة. وبعد أكثر من ثلاثين عاماً، أدركت أنها ما تزال تفتح النافذة نفسها، ولكن على عالم أكثر اضطراباً.. وأكثر حاجة إلى الفكر. وأنا أغادر جامعة محمد الخامس، لم يكن يغادرني إحساس آخر لا يقل أهمية عن النقاشات الفكرية التي شهدتها قاعاتها؛ وهو أن المغرب، رغم ما يحيط بالمنطقة من عواصف وحروب واستقطابات حادة، يواصل إدارة شؤونه الداخلية بكثير من الحكمة والاتزان وعمق الدولة وعراقة المجتمع. ففي الوقت الذي تتقاذف فيه المنطقة أسئلة المصير، يحتضن المغرب حوارات فكرية رصينة، ونقاشات سياسية وطنية هادئة وعقلانية، يستعد من خلالها لاستحقاقاته الديمقراطية المقبلة، وفي مقدمتها الانتخابات التشريعية، بما يعكس حيوية مؤسساته وقدرة نخبه على إدارة الاختلاف داخل إطار الاستقرار. وعلى الضفة الأخرى من الحياة، كان المغاربة، كما عهدتهم دائماً، يلتفون حول منتخبهم الوطني لكرة القدم في مشواره نحو كأس العالم، لا باعتبار كرة القدم مجرد لعبة، بل باعتبارها لحظة وطنية جامعة، يلتقي فيها الاعتزاز بالهوية مع الثقة بالنفس، ويعبّر فيها شعب عريق عن طموحه المشروع إلى مكانة تليق بتاريخ المغرب وحضارته وحضوره المتجدد بين الأمم. ولعلها واحدة من أجمل مفارقات هذا البلد؛ أن يجمع، في اللحظة نفسها، بين هدوء الفكر، وحيوية السياسة، ودفء الانتماء، فيظل قادراً على صناعة الأمل، حتى في زمن يبدو فيه العالم أقل اطمئناناً وأكثر اضطرابا.
375
| 29 يونيو 2026
في عالم عربي تتعثر فيه السياسة بين الاستقطاب الحاد والانقسامات المزمنة، وتتحول فيه الانتخابات أحيانًا إلى مجرد طقوس شكلية أو ساحات للتنازع الذي يهدد وحدة المجتمعات، يطل المغرب كتجربة تستحق التأمل والتقدير. ليس لأنه بلغ الكمال، فالكمال ليس من صفات الدول ولا من طبائع البشر، ولكن لأنه نجح، إلى حد بعيد، في بناء نموذج سياسي قائم على التدرج والتراكم والاحتكام إلى المؤسسات، نموذج يجعل من الاختلاف مصدرًا للحيوية لا سببًا للقطيعة، ومن التنافس وسيلة لخدمة الوطن لا معبرًا لتدمير الخصوم. في المغرب لا يدخل المواطن إلى موسم الانتخابات وهو يبحث عن أسماء مجهولة أو وجوه عابرة. الأحزاب السياسية هناك ليست نباتًا موسميًا ينبت عند كل استحقاق ثم يذبل بعده، بل هي مؤسسات صنعتها عقود من العمل السياسي والتجربة الميدانية والتفاعل مع المجتمع. أحزاب من اليمين واليسار والوسط، لكل منها رموزه وقياداته وتاريخه وخطابه وجمهوره. قد يختلف المغاربة حول البرامج والتوجهات، لكنهم يدركون أن الاختلاف جزء من الحياة السياسية السليمة، وأن التنافس الحقيقي لا يكون إلا بين مشاريع معلومة وأطراف معروفة. وهذا ما يمنح المشهد السياسي المغربي خصوصيته. فالمتنافسون يتدافعون بقوة داخل الفضاء العام، لكنهم لا يتحولون إلى أعداء وجوديين. يتناظرون في البرلمان، ويتنافسون في البلديات والجهات، ويحتكمون إلى صناديق الاقتراع، ثم يجتمعون جميعًا تحت سقف الدولة والمصلحة الوطنية. إنها ثقافة سياسية نادرة في محيط إقليمي دفعت فيه بعض الدول أثمانًا باهظة بسبب غياب التقاليد الديمقراطية وضعف الثقة بين الفاعلين السياسيين. لا يعني ذلك أن التجربة المغربية خالية من العيوب أو أن مسارها الديمقراطي انتهى إلى غاياته النهائية. فما زالت هناك تحديات اقتصادية واجتماعية وتنموية، وما زالت هناك أسئلة يطرحها المواطنون والنخب حول جودة التمثيل السياسي وفاعلية المؤسسات. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن المغرب استطاع أن يراكم خبرة سياسية جعلته يقدم نموذجًا للاستقرار والإصلاح المتدرج في زمن الاضطرابات الكبرى. ولعل من أبرز ما يميز التجربة المغربية، مقارنة بكثير من التجارب العربية المعاصرة، أنها اختارت في مراحل مفصلية من تاريخها مسار الاحتواء والمصالحة بدل الإقصاء والاستئصال. ففي الوقت الذي دخلت فيه أنظمة عربية عديدة في مواجهات مفتوحة مع القوميين واليساريين والإسلاميين، انتهى بعضها بالسجون والمنافي والمقابر، سعى المغرب، عبر مسار طويل ومعقد، إلى فتح المجال أمام مختلف التيارات للمشاركة في الحياة العامة ضمن قواعد الدولة ومؤسساتها. وقد شكلت تجربة الإنصاف والمصالحة محطة فارقة في هذا المسار، ليس لأنها أغلقت كل ملفات الماضي، وإنما لأنها كرست مبدأ الاعتراف بالأخطاء والسعي إلى تجاوزها. ومن رحم هذا التطور السياسي أمكن لليسار المغربي، الذي كان في مراحل سابقة جزءًا من المعارضة التاريخية، أن يصل إلى قيادة الحكومة في شخص الراحل عبد الرحمن اليوسفي، في تجربة تداول اعتُبرت آنذاك من أبرز محطات الانفتاح السياسي في العالم العربي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل التيار الإسلامي الذي وصل إلى رئاسة الحكومة عبر صناديق الاقتراع في شخص عبد الإله بنكيران، ثم سعد الدين العثماني، في سابقة تؤكد أن الدولة المغربية اختارت إدماج الفاعلين السياسيين المختلفين بدل دفعهم إلى الهامش. وحتى الجماعات التي بقيت خارج المؤسسات الرسمية، مثل جماعة العدل والإحسان، ظلت تمارس أنشطتها السياسية والفكرية وتصدر بياناتها وتدير شؤونها في المجال العام وتحت أعين الجميع، ضمن حدود القانون وما تسمح به التوازنات السياسية، لا في السراديب المظلمة ولا في المنافي البعيدة. وربما كان هذا أحد أسرار الاستقرار المغربي؛ فالدولة التي تفسح المجال للاختلاف المنظم، مهما كانت حدته، تكون أقل حاجة إلى إدارة الصراعات بالقوة، وأكثر قدرة على تحويل التنوع السياسي إلى عنصر من عناصر التوازن الوطني. غير أن الإشادة بالتجربة المغربية لا ينبغي أن تتحول إلى تجاهل لما يعتريها من نواقص أو ما يثار حولها من ملاحظات وانتقادات. فهناك، بلا شك، أصوات حقوقية وسياسية تتحدث عن تضييقات أو انتهاكات تطول بعض أصحاب الرأي والصحفيين والنشطاء، وهي قضايا لا يصح القفز فوقها أو التقليل من أهميتها. بل إن قوة أي تجربة سياسية تقاس أيضًا بقدرتها على الإصغاء إلى النقد ومعالجة مواطن الخلل وتوسيع فضاءات الحرية. وكثير من المغاربة أنفسهم لا ينكرون وجود هذه الإشكالات، بل يعتبرون أن المحافظة على المكتسبات السياسية والمؤسساتية تستوجب مواصلة الإصلاح وتعزيز الضمانات القانونية والحقوقية، حتى يظل التطور الديمقراطي مسارًا متجددًا لا محطة مكتملة. فالاعتراف بالنقائص لا ينتقص من قيمة الإنجازات، بل يمنحها مصداقية أكبر ويجعل السعي إلى تحسينها واجبًا وطنيًا مستمرًا. ولعل ما يميز هذا البلد أكثر من غيره أن السياسة فيه ليست منفصلة عن المجتمع. فخلف الأحزاب والمؤسسات يقف شعب يمتلك رصيدًا هائلًا من التماسك والتضامن والشعور بالانتماء. وهذا ما ظهر بأجلى صورة خلال المحن والكوارث التي عرفتها المملكة خلال السنوات الأخيرة. حين ضرب زلزال الحوز مناطق واسعة من البلاد، لم يكن المشهد مجرد استجابة رسمية لكارثة طبيعية، بل كان ملحمة وطنية شارك فيها الجميع. رأى العالم قرى منكوبة، لكنه رأى أيضًا شعبًا يتحرك كجسد واحد. مئات القوافل وآلاف المتطوعين ومبادرات لا حصر لها انطلقت من مختلف المدن والجهات نحو المناطق المتضررة. لم يكن السؤال عن الهوية السياسية أو الاجتماعية للمنكوبين، بل كان السؤال الوحيد: كيف نصل إليهم؟ وكيف نخفف عنهم آلامهم؟ وتكرر المشهد ذاته مع الفيضانات والكوارث الطبيعية التي عرفتها بعض المناطق لاحقًا. ففي كل مرة كان المغاربة يقدمون صورة لافتة عن قوة المجتمع حين يتجاوز الحسابات الضيقة ويستحضر المعنى الأعمق للمواطنة. لم يكن التضامن فعلًا موسميًا ولا حملة إعلامية عابرة، بل بدا وكأنه جزء أصيل من الشخصية الوطنية المغربية. وفي زمن اعتادت فيه دول كثيرة أن تتجه فورًا إلى الخارج طلبًا للعون والإسناد، أظهر المغرب ثقة كبيرة في إمكاناته الذاتية وفي قدرته على تعبئة موارده البشرية والمؤسساتية. ولم يكن ذلك تعبيرًا عن انغلاق أو رفض للتعاون الدولي، بل كان تأكيدًا على أن الأمم القوية هي التي تبني أولًا قدرتها الداخلية على الصمود ومواجهة التحديات. إن الدرس المغربي لا يكمن فقط في نجاح الانتخابات أو في تداول المسؤوليات الحكومية بين الأحزاب، بل في الجمع بين السياسة والأخلاق. فحين تتأسس الحياة العامة على الاحترام المتبادل، وحين تصبح المؤسسات إطارًا جامعًا لا ساحةً للصراع المدمر، وحين يشعر المواطن أن له مكانًا في وطنه مهما كان موقعه أو رأيه، فإن السياسة تتحول من مصدر للأزمات إلى أداة للاستقرار والبناء. ولهذا يمكن القول، ومن دون مواربة، إن المغرب يقدم درسًا يستحق أن يُقرأ جيدًا في زمن عربي مضطرب. ليس درسًا في الكمال، وإنما في كيفية إدارة الاختلاف، وفي تحويل التنوع السياسي إلى مصدر قوة، وفي بناء الجسور بين الدولة والمجتمع بدل حفر الخنادق بينهما. وهو درس في السياسة كما هو درس في الأخلاق. ولعل سر المغرب لا يكمن فقط في مؤسساته أو في حيوية أحزابه، بل في ذلك الخيط الخفي الذي يشد أبناءه بعضهم إلى بعض كلما اشتدت المحن. هناك دائمًا من يفتح بابه للغريب، ومن يمد يده للمحتاج، ومن يرى في نجدة الآخر نجاةً لنفسه. وكأن المغاربة يدركون، بفطرتهم الجماعية، أن الأوطان لا يحرسها السلاح وحده ولا تبنيها السياسة وحدها، بل يحفظها أهل الخير حين يتقدمون الصفوف في ساعات العسر. لذلك كلما تأملت هذه التجربة، السياسية والإنسانية معًا، وجدت صداها في ذلك النداء العميق الذي يسكن الوجدان المغربي: يا ملافي يا ملافي، يا ملاذي عند الشدائد. فالأوطان تبقى قوية ما دام فيها من يهبّ لنجدة أخيه، وما دام فيها من يجعل من الاختلاف رحمة، ومن التضامن عقيدة، ومن الوطن بيتًا يتسع للجميع.
291
| 18 يونيو 2026
السودان اليوم ليس مجرد ساحة حرب مفتوحة، بل مرآة موجعة لأسئلة قديمة تتكرر كلما عجزت السياسة عن إدارة خلافاتها بوسائل سلمية. منذ اندلاع القتال بين الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو في أبريل 2023، دخلت البلاد طورًا خطيرًا من الانهيار المؤسسي والعنف المفرط. غير أن ما يثير القلق ليس فقط حجم الدمار، بل الخطاب الذي يسعى إلى إضفاء مشروعية أخلاقية على الحرب تحت عنوان عريض: “استئصال الإسلام السياسي”. سياسيًا، يُقدَّم هذا الشعار باعتباره ضرورة تاريخية لتصحيح مسار دولة يُقال إنها اختُطفت منذ انقلاب عمر البشير عام 1989، حين تحالف العسكر مع الحركة الإسلامية وأقاموا نظامًا جمع بين السلطوية والمرجعية الدينية. ولا جدال في أن تلك الحقبة أفرزت أزمات بنيوية عميقة: تضييقًا سياسيًا، تمددًا أمنيًا، اختلالات اقتصادية، وعزلة خارجية أثقلت كاهل الدولة والمجتمع، وهو ما عبّرت عنه ثورة ديسمبر 2018 بوضوح لا لبس فيه. غير أن القراءة الموضوعية للتاريخ تقتضي التذكير بأن تلك المرحلة لم تتحرك في سياق داخلي هادئ أو إقليمي مستقر. فقد عاشت سنواتها الطويلة في ظل حرب أهلية ضروس مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، وهي حرب تداخلت فيها حسابات الداخل مع رهانات الخارج، وتقاطعت مع دعم سياسي ودبلوماسي دولي لذلك المسار. كما خضعت البلاد لعقوبات اقتصادية وضغوط سياسية ممتدة لسنوات، لم تُرفع آثارها بالكامل حتى بعد سقوط النظام. إن استحضار هذا السياق لا يعني تبرئة التجربة من أخطائها، بل يهدف إلى منع اختزالها في رواية أحادية تُحوّل التاريخ إلى لائحة اتهام بلا سياق. يبقى السؤال الجوهري: هل يُستأصل تيار سياسي بالقصف المدفعي؟ وهل يُمحى فكرٌ متجذر في قطاعات من المجتمع عبر فوهة دبابة؟ التاريخ الحديث يجيب بالنفي. في الجزائر خلال التسعينيات، رُفع شعار حماية الدولة من “الخطر الإسلامي”، فانتهت البلاد إلى عقد دموي قاسٍ، دون أن تُحسم الإشكالات الفكرية والاجتماعية التي فجّرت الأزمة. الأفكار، سواء اتفقنا معها أم اختلفنا، لا تُعدم بالرصاص؛ بل قد تتصلّب في الظل وتعود أكثر حدّة حين تُغلق أمامها أبواب السياسة. قانونيًا، لا يملك أي طرف حق إعلان حرب شاملة على فئة سياسية داخل المجتمع. مبادئ القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها التمييز والتناسب، تحظر استهداف المدنيين أو تدمير الأعيان المدنية بذريعة مطاردة خصم سياسي. وحتى لو ثبت تورط أفراد بعينهم في جرائم أو تجاوزات، فإن الطريق السليم هو المساءلة القضائية الفردية عبر منظومة عدالة انتقالية مستقلة، لا العقاب الجماعي ولا تحويل المدن إلى ساحات تصفية حسابات. المفارقة – التي ربما كان سيتأملها ساخرًا جورج أورويل – أن خطاب “تحرير الدولة من التسييس الديني” قد يقع هو ذاته في نزعة خلاصية مطلقة، تقسم المجتمع إلى معسكرات أخلاقية مغلقة، وتمنح العنف وظيفة تطهيرية. هكذا تتحول السياسة إلى معركة وجودية صفرية، ويصبح المختلف عدوًا ينبغي اجتثاثه لا محاورته. إنها الدائرة ذاتها التي أوقعت المنطقة مرارًا في فخ الاستقطاب القاتل. ومن منظور ديني وأخلاقي، فإن توظيف فكرة “الاستئصال” في مجتمع متدين بطبعه يحمل قدرًا كبيرًا من التناقض. فالقيم الإسلامية – كما سائر التقاليد الروحية – تعلي من حرمة النفس الإنسانية وتربط العدل بالميزان لا بالانتقام. إن تحويل الخلاف السياسي إلى حرب وجودية باسم إنقاذ المجتمع من “التديين” لا يقل خطورة عن تديين السياسة ذاتها؛ فكلا المسارين يُقصي الآخر بدل أن يؤسس لعقد اجتماعي جامع. الواقع أن “الإسلام السياسي” في السودان ليس كيانًا صلدًا متجانسًا، بل طيف واسع يمتد من أحزاب مدنية إلى شبكات مصالح نشأت خلال عقود الحكم. اختزال هذا التعقيد في هدف عسكري مباشر يُغفل أن جوهر الأزمة أعمق: هشاشة الدولة، تعدد مراكز القوة المسلحة، اقتصاد منهك، ونخب سياسية لم تنجح بعد في بناء أرضية انتقال مستقر. حين تغيب المؤسسات، يسهل على السلاح أن يدّعي احتكار الوطنية. وسط هذه الجدالات، يظل المدني السوداني هو الخاسر الأكبر. ملايين النازحين، مدن فقدت خدماتها الأساسية، أحياء تحولت إلى خطوط تماس. هؤلاء لا تعنيهم معارك التعريفات الأيديولوجية بقدر ما يعنيهم الأمان والغذاء والدواء. وكما قال الأدب العربي قديمًا: الحرب أولها كلام، وآخرها مقابر. إن تبرير العنف بشعار استئصال تيار سياسي يفترض ضمنًا أن المجتمع يمكن إعادة تشكيله بالقوة. غير أن المجتمعات لا تُدار بمنطق الجراحة العسكرية، بل ببناء الثقة والمؤسسات والقانون. وأي مشروع وطني جاد في السودان لن ينجح إلا إذا أقرّ بتعدديته، وفتح المجال لتنافس سياسي سلمي، وخضع الجميع – مدنيين وعسكريين – لسلطة قانون مدني مستقل. يبقى السودان أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن يعيد إنتاج دورة الإقصاء تحت لافتات جديدة، أو أن يتعلم الدرس الأثقل في تجاربه المتكررة، وهو أن السياسة، مهما اشتد صراعها، لا تُدار بالمدفع. فالفكر لا يُقتل بالرصاص، والوطن لا يُبنى بالغلبة، بل بالتسوية العادلة التي تتسع للجميع.
453
| 27 فبراير 2026
تتسارع الخطى الأمريكية على نحو لافت تجاه ما يبدو أنه لحظة حسم مع إيران، حربًا أو سلمًا، في ملفين لا يقبلان المراوحة طويلاً: السلاح النووي والصواريخ الباليستية. تعددت عواصم التفاوض، من الدوحة إلى أبوظبي، فأنقرة فمسقط، وتبدلت الوجوه والوسطاء، لكن الهدف بقي واحدًا: لا ينبغي لإيران أن تدخل نادي الدول الواقفة على “براميل النووي” الجالب للهيبة والردع معًا. واشنطن لا تخفي أن ما يقلقها ليس القنبلة بوصفها أداة تدمير فحسب، بل بوصفها أداة مكانة ونفوذ. أن تصبح طهران دولة عتبة نووية، قادرة في أي لحظة على القفز نحو التسلح الكامل، يعني في الحسابات الأمريكية انقلابًا في ميزان القوة الإقليمي، وتثبيتًا لواقع جديد يصعب التراجع عنه. أما الصواريخ الباليستية، فهي الذراع التي تمنح هذا “البرميل النووي” إن وُجد، معنى عمليًا. من دون وسيلة إيصال فعالة، يبقى الردع ناقصًا؛ ومعها يصبح التهديد عابرًا للحدود. المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، بكل تعقيداتها وتفاصيلها التقنية والسياسية، تذكّر على نحو مؤلم بمفاوضات بغداد في تسعينيات القرن الماضي. يومها، دخل العراق في مسار طويل من التفتيش والضغوط والقرارات الدولية، انتهى في آخر أطواره إلى غزو لم يغيّر ملامح العراق وحده، بل أعاد تشكيل المنطقة برمتها. سقط نظام، وتفككت دولة، واندلعت حرائق لم تنطفئ حتى اليوم. وبسخرية الأقدار، لعبت إيران دورًا رئيسيًا في تلك المحطة المفصلية. كانت من أبرز المستفيدين من إسقاط خصمها التاريخي في بغداد، ووجدت في الفوضى التي أعقبت الغزو فرصة لمد نفوذها غربًا. اليوم، تبدو طهران على الضفة المقابلة من المشهد ذاته: هي موضوع الضغوط، وهدف العقوبات، ومحلّ التهديد الضمني بأن البدائل العسكرية ليست مستبعدة إذا فشلت الدبلوماسية. اللافت أن الأدوات تكاد تكون ذاتها: تقارير عن تخصيب ونسب نقاء، حديث عن أجهزة طرد مركزي، لجان تفتيش، عقوبات متدرجة، وحشد إقليمي ودولي. المبررات أيضًا متشابهة: منع الانتشار النووي، حماية الاستقرار، وصون أمن الحلفاء. غير أن العنوان الأوضح في هذه الجولة هو إسرائيل، الكنز الاستراتيجي للغرب في منطقتنا. كل حساب أمريكي في هذا الملف يمرّ عبر سؤال واحد: هل يتيح هذا المسار لإيران امتلاك قدرة مباشرة أو غير مباشرة على تهديد إسرائيل؟ صواريخ العراق التي وصلت أيام صدام حسين إلى فلسطين المحتلة، وأدخلت الإسرائيليين إلى الملاجئ، لا تزال حاضرة في الذاكرة الاستراتيجية الأمريكية. وكذلك صواريخ إيران، التي دفعت ملايين الإسرائيليين مؤخرًا إلى الاحتماء تحت الأرض، سواء أطلقت مباشرة أو عبر حلفاء إقليميين. تلك اللحظات التي تُغلق فيها المدارس، وتتوقف المطارات، ويهرع المدنيون إلى الملاجئ، هي ما يحرك آلة التعاطي الأمريكي مع طهران أكثر من أي خطاب أيديولوجي. في هذا السياق، لا يبدو أن واشنطن تسعى فقط إلى اتفاق تقني يحدّ من نسب التخصيب أو أعداد الصواريخ، بل إلى إعادة رسم حدود النفوذ الإيراني في المنطقة، وإنهاء أي قدرة عسكرية قد تُستخدم لاستهداف إسرائيل. إنه مسار يتجاوز الملف النووي إلى سؤال أوسع: من يملك اليد العليا في شرق أوسط ما بعد الحروب الكبرى؟ غير أن دروس بغداد ينبغي أن تبقى ماثلة. فالمفاوضات التي تتحول إلى استعراض قوة، والعقوبات التي تتحول إلى حصار شامل، والضغوط التي تُغلق كل أبواب التراجع، قد تفضي في لحظة ما إلى انفجار لا يريده أحد علنًا، لكنه يصبح نتيجة منطقية لمسار مغلق. وحين تندلع الحرب، لا تبقى محصورة في خرائط العسكريين، بل تتسرب إلى بيوت الناس وأسواقهم وأحلام أطفالهم. ليس في الحروب منطق تشفٍّ مقنع، ولا انتصار صافٍ بلا كلفة إنسانية فادحة. قد تتبدل الأنظمة، وتتغير موازين القوى، لكن الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، والأطفال الذين يكبرون تحت صفارات الإنذار، هم الثابت الوحيد في كل المعادلات. قال الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى: “وما الحربُ إلا ما علمتم وذقتمُ وما هو عنها بالحديثِ المُرَجَّمِ” هي الحرب، حين تُستدعى، لا تأتي بشعارات الهيبة وحدها، بل بمرارتها الكاملة. وبين براميل النووي وملاجئ الصواريخ، يبقى السؤال: هل يتعلم صانعو القرار من ذاكرة المنطقة، أم يكتبون فصلًا جديدًا من الألم بالمداد ذاته.
381
| 22 فبراير 2026
التدافع سُنّةٌ من سنن الاجتماع الإنساني، وقانونٌ يحكم حركة التاريخ كما تحكم قوانين الطبيعة حركة الكون. فلا استقرار دائم، ولا قوة خالدة، ولا إمبراطورية تظل في ذروة صعودها إلى الأبد. الدول مثل الكائنات الحية، تولد وتنمو، تبلغ أوجها، ثم تبدأ في الانكماش والاضمحلال، وقد تطول الشيخوخة أو تقصر، لكنها في النهاية حتمية. هكذا علمتنا تجارب التاريخ، من الإمبراطوريات القديمة إلى القوى الحديثة. القارة الأوروبية تقدم اليوم نموذجًا حيًا لهذه الدورة. قارةٌ كانت لقرون مركز العالم السياسي والعسكري والاقتصادي، ومنها خرجت الجيوش والأساطيل، ورُسمت خرائط الدول، وفُرضت اللغات والثقافات والأنظمة. كانت الشمس لا تغرب عن الإمبراطورية البريطانية، كما لم تكن تغيب عن فرنسا وإسبانيا في ذروة تمددهما. أما اليوم، فتعيش أوروبا زمن الانكماش الاستراتيجي، والقلق الوجودي، وتجد نفسها لاعبًا ثانويًا في صراعات كبرى لا تملك مفاتيحها. في قلب هذا التحول التاريخي، تبرز العلاقة بين بريطانيا والولايات المتحدة بوصفها مثالًا صارخًا لانقلاب الأحوال. بريطانيا التي حكمت العالم بحرًا وبرًا، خرجت من الحرب العالمية الثانية منهكة، مثقلة بالديون، عاجزة عن الحفاظ على نفوذها الإمبراطوري. في المقابل، صعدت الولايات المتحدة قوةً كاسحة، تمتلك الاقتصاد الأقوى، والجيش الأكبر، والعملة التي ستصبح لاحقًا عماد النظام المالي العالمي. ومنذ ذلك الحين، انتقلت قيادة العالم عبر الأطلسي، ومعها انتقل نموذج الهيمنة ذاته، لكن بأدوات أمريكية أشمل وأكثر نفوذًا. أما العلاقة بين لندن وبكين، فهي تعكس انقلابًا تاريخيًا أكثر درامية. قبل قرنين، كانت بريطانيا تخوض حروب الأفيون لإخضاع الصين، وتفرض عليها شروط التجارة، وتنتزع منها الموانئ والجزر. كانت الصين ضعيفة، مفككة، عاجزة عن الدفاع عن سيادتها. اليوم، انقلب المشهد بالكامل. الصين قوة اقتصادية عظمى، بينما تجد بريطانيا نفسها مترددة بين إغراء السوق الصينية وضغوط التحالف الغربي. ولأن التاريخ مدرسة للأجيال، فإن الوقوف عند أسباب هذا التحول الأوروبي ضرورة لفهم الحاضر. لقد استنزفت أوروبا نفسها بحربين عالميتين مدمرتين، ثم بنت رفاهها على مظلة أمنية أمريكية عبر حلف شمال الأطلسي. ومع الزمن، تآكلت قدراتها العسكرية، وتراجعت إرادة المواجهة، وتقدمت الحسابات الاقتصادية والرفاهية على متطلبات القوة. أضف إلى ذلك الشيخوخة الديمغرافية، والانقسام السياسي، وغياب رؤية استراتيجية موحدة، فكانت النتيجة قارة غنية، لكنها رخوة في عالم لا يرحم الضعف. الحرب في أوكرانيا كشفت هذه الحقيقة بوضوح. دولة أوروبية تتعرض لاجتياح روسي، فلا تستطيع أوروبا حمايتها أو حتى حماية نفسها دون الدعم الأمريكي. وفي سياق هذا التآكل، لا يمكن تجاهل البعد الأخلاقي لأفول الغرب، كما عكسته الفضائح التي فجّرتها التحقيقات والتسريبات المرتبطة بقضية جيفري إبستين، وما كُشف عن شبكات نفوذ عابرة للحدود طالت شخصيات من عالم السياسة والمال والإعلام. بعيدًا عن الأسماء، فإن دلالة هذه القضية أعمق من كونها فضيحة جنسية. وهنا تبرز الرسالة الأهم للعرب والمسلمين. إن البحث عن مكان تحت الشمس، وخوض سنة التدافع، لا يتحقق بالأحلام وحدها، رغم أن الحلم ضروري لأنه يمنح الاتجاه والمعنى. لكنه لا يكفي. لا بد من الإرادة، والإرادة شرطها الإيمان بكرامة الإنسان، تلك الكرامة التي خصّ الله بها ابن آدم من دون سائر مخلوقاته. الإيمان بأن الإنسان العربي والمسلم ليس مقدرًا له أن يكون تابعًا أو هامشيًا، بل فاعلًا في التاريخ. ولعل الخطأ الأكبر في قراءة التاريخ هو اختزاله في لحظات بعينها، والبحث عن “الفرصة” في مشهد واحد أو حدث مفصلي. ليست الفرصة، في الحقيقة، تلك اللحظة التي أسقطت فيها الشعوب العربية بعض أنظمة الاستبداد، ولا حتى تلك التي صمد فيها الفلسطينيون في غزة لأكثر من عامين في مواجهة حرب إبادة غير مسبوقة، على عظمة ما في الحدثين من دلالة. الفرصة الأعمق، والأصدق، تكمن في ما هو أبعد من اللحظة: في الصبر، وفي الإصرار، وفي الثبات على التمسك بالحلم، حتى حين يصبح مكلفًا، وحتى حين يطول الطريق وتتراكم الخسائر. هكذا فقط تُخاض سُنّة التدافع، لا بالاندفاع الأعمى ولا بالانتظار المتردد، بل بوعي تاريخي يدرك أن الأمم لا تُقصى من مسرح التاريخ فجأة، كما لا تُستعاد مكانتها بضربة واحدة. ومن لا يمتلك إرادة الاستمرار، ولا يؤمن بكرامة الإنسان وقدرته على الفعل، سيظل على هامش التحولات الكبرى، يراقب أفول غيره دون أن يستعد لصعوده. إن أفول أوروبا، بكل ما يحمله من دلالات، ليس وعدًا آليًا لغيرها بالصعود، بل اختبارًا قاسيًا لمن يريد أن يدخل التاريخ من بابه الواسع. فالتاريخ لا يمنح مكانه لمن ينتظر الفرصة، بل لمن يصنعها، لأن التاريخ لا ينتظر المترددين.
696
| 08 فبراير 2026
قد يبدو الحديث عن المغرب الأقصى من مدخل كرة القدم ضربًا من التبسيط، لكنه في الحقيقة مدخل كاشف، ذكي، وإنساني، يتيح لنا أن نرى ما هو أبعد من المستطيل الأخضر. فحين منحت كرة القدم المغرب كأس العرب في الدوحة قبل أشهر، وحين كافح باقتدار من أجل بطولة إفريقيا، لم يكن الإنجاز رياضيًا فحسب، بل كان تعبيرًا رمزيًا عن مسار حضاري طويل، بطيء في إيقاعه، لكنه ثابت في اتجاهه. المغرب ليس بلدًا طارئًا في تاريخ الإسلام ولا في الجغرافيا العربية. هو المغرب الأقصى بالمعنى الحضاري قبل الجغرافي: أقصى الامتداد الغربي للحضارة الإسلامية، وبوابة تفاعلها مع أوروبا وإفريقيا، ورافعة من روافع العروبة والإسلام عبر قرون. منه خرج العلماء والفقهاء والرحالة، وفيه تأسست جامعة القرويين، أقدم جامعة ما تزال قائمة في العالم، شاهدة على أن الاعتدال المعرفي والعقلاني كان جزءًا أصيلًا من تكوين هذا البلد. كرة القدم، في هذا السياق، لم تكن إلا مرآة عاكسة. ما كشفه اللاعب المغربي في الدوحة أو في ملاعب إفريقيا لم يكن مجرد مهارة أو لياقة، بل منظومة قيم. رأينا منتخبًا ينافس بشراسة دون انزلاق أخلاقي، ويقاتل حتى اللحظة الأخيرة دون فقدان للروح الرياضية. رأينا لاعبين يقبّلون رؤوس أمهاتهم، يرفعونهن إلى منصة المجد، ويعيدون الاعتبار لقيمة الأم في زمن الاستهلاك الإعلامي السريع. كان مشهدًا إنسانيًا بليغًا، لا يقل عمقًا عن أي خطاب فكري أو سياسي. هذه الأخلاق ليست مصادفة. إنها امتداد لثقافة مغربية ضاربة في الجذور: ثقافة الضيافة، والتواضع، والتوازن بين الأصالة والتحديث. المغرب، بخلاف تجارب عربية أخرى، اختار أن يقود نهضته بهدوء. لا شعارات كبرى، ولا قفز في المجهول، بل إصلاحات تراكمية، سياسية واقتصادية وفكرية، تحاول باستمرار أن تمسك العصا من الوسط: بين الدين والدولة، بين التراث والحداثة، بين الانفتاح والحفاظ على الهوية. سياسيًا، شكّل المغرب واحة اعتدال في محيط إقليمي مضطرب. لم يكن محايدًا بالمعنى الأخلاقي، لكنه كان حذرًا في خياراته، مدركًا أن الاستقرار ليس نقيضًا للكرامة، وأن الإصلاح أحيانًا يحتاج نفسًا طويلًا. هذا الاعتدال، الذي قد يُساء فهمه أحيانًا، هو في جوهره تعبير عن عقل تاريخي خبر الانكسارات وتعلم من التجارب. إن ما فعله المغرب في ملاعب كرة القدم هو ما يفعله منذ عقود في السياسة والفكر: الحضور الهادئ، الأداء المتقن، والقدرة على كسب الاحترام قبل التصفيق. ولذلك، حين نفرح لفوز رياضي مغربي، فإننا في العمق نحتفي بنموذج عربي ممكن، لا يصرخ، لا يزايد، لكنه يراكم. المغرب الأقصى ليس مجرد فريق فاز بكأس أو نافس على بطولة. إنه فكرة: فكرة أن النهضة لا تحتاج ضجيجًا، وأن الأخلاق يمكن أن تكون جزءًا من القوة، وأن العروبة والإسلام قادران، حين يتحرران من التطرف والادعاء، على إنتاج الجمال. حتى في كرة القدم. وطبعًا، سيسألني صديقٌ، وربما أكثر من صديق: هل يُسمّى التطبيع مع احتلال يقتل الفلسطينيين على مدار الساعة حكمةً واعتدالًا؟ وسأجيبه، بمنتهى الثقة واليقين: إن أي علاقة مع احتلال مجرم، غاصب، قاتل، لن تكون يومًا مقبولة أخلاقيًا أو إنسانيًا، لا سياسيًا ولا حضاريًا، لا سيما إذا جاءت من أخٍ في الدين، وشريكٍ في اللغة، ورفيقٍ في المصير التاريخي. ففلسطين ليست ملفًا دبلوماسيًا، بل معيارًا أخلاقيًا، ومن يسقط فيه يسقط كثيرًا. غير أن الإنصاف يقتضي القول إن موقف الدولة شيء، وموقف الشعب شيء آخر، والمغاربة عبّروا، بوضوح لا لبس فيه، عن موقعهم الحقيقي من هذه القضية. كانوا – وربما ما زالوا – الشعب العربي الوحيد الذي ظل يخرج إلى الشوارع بالآلاف، بلا كلل ولا ملل، يهتف لفلسطين، يرفض الإبادة، ويعلن انحيازه الصريح للمقاومة بوصفها حقًا مشروعًا في مواجهة احتلال إحلالي عنصري. لم تكن فلسطين عند المغاربة “قضية خارجية”، بل جرحًا داخليًا، وواجبًا أخلاقيًا، وامتدادًا طبيعيًا لهويتهم. وهنا تتجلى إحدى مفارقات المغرب الجميلة: دولة تحاول إدارة توازنات صعبة في عالم قاسٍ، وشعب يحتفظ ببوصلة أخلاقية لا تخطئ الاتجاه. وهذا في ذاته دليل على حيوية المجتمع المغربي، وعلى أن الاعتدال لا يعني الخنوع، وأن الحكمة لا تعني التخلي عن الثوابت. فالمغاربة، وهم يرفعون علم فلسطين في الرباط والدار البيضاء وطنجة، إنما يذكّرون الجميع بأن العروبة ليست شعارًا، بل التزامًا، وأن الإسلام ليس طقسًا، بل موقفًا. وحين نعود إلى التاريخ، نجد أن للمغاربة بابًا في القدس، ليس مجازًا بل حقيقة: باب المغاربة. بابٌ فتحه صلاح الدين الأيوبي تكريمًا لهم، لأنهم كانوا في قلب معركة التحرير، سيفًا وفكرًا ورباطًا. ذلك الباب ليس حجرًا فقط، بل رمز لدور حضاري لم ينقطع، وإن حاولت السياسة أحيانًا أن تربكه أو تؤجله. باب المغاربة هو الذاكرة التي تقول إن المغرب كان هنا، وسيبقى هنا، ما بقي للقدس معنى. من باب المغاربة نطل على الماضي فنرى القوافل والعلماء والمجاهدين، ونطل على المستقبل فنرى أجيالًا جديدة تهتف لفلسطين بلغات العصر وأدواته، دون أن تنسى جذورها. هناك، عند ذلك الباب، يلتقي التاريخ بالرياضة، والفكر بالسياسة، والأخلاق بالفعل اليومي. وهناك نفهم أن المغرب، وهو يقود نهضته ببطء وثبات، لا يفعل ذلك خارج قضايا أمته، بل من داخلها، وبضميرٍ حيّ، مهما حاولت اللحظة السياسية أن تُربك الصورة. هكذا يبقى المغرب الأقصى: رافعة حضارية، وواحة اعتدال، وذاكرة مقاومة، وبابًا مفتوحًا… اسمه باب المغاربة، لا يُغلق في وجه فلسطين، ولا في وجه المستقبل.
654
| 29 يناير 2026
لم تكن خيبة العالم وليدة لحظة، بل تراكمًا طويلًا من الوعود المكسورة، والأفكار التي بدت يومًا خلاصًا قبل أن تنكشف هشاشتها أمام أول امتحان حقيقي للعدالة. جيلٌ كامل آمن بأن القيم الكونية قادرة على تجاوز الجغرافيا، وبأن الحرية والكرامة لا تُجزّأ، وبأن المعرفة طريق لا يخذل سالكيه. غير أن السنوات، بما حملته من صدمات وتجارب، كشفت أن كثيرًا من تلك القيم كانت انتقائية، تُرفع كشعارات وتُسقط عند أول تعارض مع المصالح. وفي قلب هذا الانكشاف، وقفت فلسطين، ثم غزة، بوصفها اللحظة الفاصلة التي أسقطت الأقنعة، ووضعت العالم أمام صورته العارية. هنا، برزت جهود قطر ليس فقط بالمساعدات الإنسانية، بل أيضًا بالوساطة الدبلوماسية من أجل وقف النار وإنقاذ المدنيين، حتى أن دماء القطريين اختلطت بدم الفلسطينيين، شاهدة على التزامهم بالواجب الإنساني في ظل عالم يتراجع عن مسؤولياته. في غزة، لا يأتي الموت على هيئة واحدة. يجيء قصفًا يختصر العمر في ثانية، وحصارًا يمدّه عذابًا على سنوات، وجوعًا يتسلّل ببطء إلى الأجساد، ومرضًا يُمنع عنه الدواء عمدًا، وخوفًا دائمًا لا ينام. في غزة، لا يُقتل الإنسان فقط، بل تُستنزف إنسانيته قبل أن يسقط جسده، وكأن المقصود ليس إنهاء الحياة، بل محو المعنى ذاته. غزة اليوم ليست مجرد ساحة حرب، بل شهادة حيّة على انهيار النظام الأخلاقي والقانوني العالمي. تُقصف المستشفيات، وتُستهدف المدارس، ويُترك الأطفال تحت الأنقاض، ثم تُكتب البيانات ببرود، وكأن الدم الفلسطيني تفصيل زائد في نشرات الأخبار. ما يحدث هناك ليس «أضرارًا جانبية»، بل جريمة مكتملة الأركان، تُرتكب على مرأى من عالم يمتلك كل أدوات المنع، ويختار الصمت أو التواطؤ. في السياسة الدولية، تكشف غزة هشاشة نظام دوليّ بُني على الكيل بمكيالين. تُعلَّق القوانين حين يكون الضحية فلسطينيًا، وتُعطَّل المحاسبة حين يكون الجاني محميًا بالقوة والنفوذ. دول ترفع رايات الحرية، لكنها تُصدّر السلاح، وتمنح الغطاء السياسي لمن يهدم البيوت فوق ساكنيها. هكذا تتحوّل السياسة الدولية من إدارة العلاقات بين الدول وحل النزاعات بالوسائل السلمية إلى شراكة في الجريمة، ومن حماية للشعوب إلى تنظيم للموت. ما جرى في غزة يُصنَّف بوضوح ضمن جرائم الإبادة الجماعية، والحصار الجماعي، والاستهداف المتعمد للمدنيين، ومنع الغذاء والماء والدواء، كلها محرّمة بنصوص صريحة في القانون الدولي الإنساني. ومع ذلك، تقف العدالة الدولية عاجزة أو مترددة، وكأن القانون كُتب ليُطبّق على الضعفاء وحدهم، لا على من يملكون القوة، لا بل إن تلك العدالة نفسها أصبحت مستهدفة بالعقوبات الأمريكية مثلما هو الحال بالنسبة لقضاة المحكمة الجنائية الدولية ودولة جنوب أفريقيا التي رفعت دعوى ارتكاب الإبادة ضد الكيان الصهيوني. لكن غزة ليست ملفات وتقارير، غزة بشر، أمهات يودّعن أبناءهن بلا كفن، وآباء يحفرون بأيديهم في الركام بحثًا عن حياة، وأطفال تعلّموا أسماء الطائرات قبل الحروف. ومع ذلك، لا تزال غزة تُنجب الصبر، وتعلّم العالم معنى الكرامة حين تُسلب كل أسبابها. هناك، يصبح البقاء ذاته فعل مقاومة، ويغدو التشبث بالحياة موقفًا أخلاقيًا في وجه آلة الموت. دينيًا، ما يحدث في غزة امتحان للضمير الإنساني قبل أن يكون ابتلاءً لأهلها. فالقتل بغير حق من أعظم الجرائم، والسكوت عنه مشاركة فيه. يقول الله تعالى: «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا». وغزة اليوم تُقتل ألف مرة، لا بيد الجاني وحده، بل بأيدي من يبرّر، ومن يصمت، ومن يساوي بين الضحية والجلاد. ولأن الصمت لا يبقى محايدًا طويلًا، ولأن التواطؤ لا يتوقف عند لحظة الجريمة، يخطئ من يظنّ أن هذا الموت سيظلّ محصورًا في غزة، أو أن نيرانه ستنطفئ عند أسوارها.. فالتاريخ علّمنا أن الظلم لا يتوقف عند حدوده الأولى، وأن الدم إذا استُبيح في مكان، تجرّأ في أماكن أخرى. الموت الذي أصاب الفلسطينيين لن يستثني أحدًا من المتواطئين، بما في ذلك الجاني نفسه. فالأيام، كما شهدتها دول من قبل، لا تنسى، ولا تُهمل الحساب. غزة اليوم ليست فقط مأساة شعب، بل مرآة عالم. فيها يُختبر معنى العدالة، وصدق القيم، وحدود الإنسانية. ومن خذلها الآن، سيجد نفسه يومًا واقفًا أمام السؤال ذاته: أين كنتَ حين كان الموت يُصنَّف، والضحايا يُنتقون، والحق يُدفن تحت الأنقاض؟ غزة، في جوهرها، ليست استثناءً في التاريخ، بل نتيجته حين يُترك الظلم بلا كلفة، ويُعاد تعريف الإنسانية وفق موازين القوة. ما يجري فيها اليوم يختصر مسار عالمٍ اختار أن يرى، ثم أن يتجاهل، ثم أن يبرّر. لكنها، رغم كل ذلك، ترفض أن تكون خاتمة القصة. ففي هذا الركام، حيث تتآكل الأجساد وتُحاصر الأرواح، يتشبث الفلسطيني بالحياة لا بوصفها غريزة فقط، بل موقفًا أخلاقيًا في وجه عالم قرر التخلي عن معاييره. غزة لم تترك وحدها ؛ جهود قطر، سواء بالمساعدات الإنسانية أو الدبلوماسية، تجسد مثالًا حيًا على أن التضامن مع المستضعفين يحتاج أكثر من المال، يحتاج شجاعة وصدق التزام، حتى لو اختلط دم المُخلصين بدم الضحايا. ومن هنا، فإن السؤال لم يعد ماذا يحدث لغزة، بل ماذا يبقى من عالم يتجاهل أو يؤخر فعل العدالة؟!
351
| 21 يناير 2026
لم تكن جزيرة غرينلاند، لعقود طويلة، أكثر من هامش جغرافي في خرائط القوة العالمية؛ وأرض متجمدة، قليلة السكان، تتبع التاج الدنماركي، ولا تحضر في النقاشات الدولية إلا بوصفها امتداداً صامتاً للقطب الشمالي. غير أن التاريخ، كما علّمنا، لا يعترف بالهامش طويلاً. فحين تتغير موازين القوة، تتحول الأطراف المنسية إلى مراكز جذب، وتصبح الجغرافيا نفسها أداة صراع. اليوم، تقف غرينلاند في قلب جدل أمريكي ـ أوروبي غير مسبوق، لا بسبب سكانها ولا نظامها السياسي، بل لأنها تختصر تحولات أعمق في مفهوم السيادة، والتحالف، والدور الأوروبي في عالم يعاد تشكيله بقوة الأمر الواقع. ذوبان الجليد في القطب الشمالي لم يكن مجرد ظاهرة بيئية، بل حدث جيواستراتيجي بامتياز. فالممرات البحرية الجديدة، والمعادن النادرة، ومواقع الإنذار المبكر، جعلت من غرينلاند قطعة شطرنج ثمينة في صراع القوى الكبرى. هنا، لم تعد الجزيرة مجرد إقليم تابع، بل تحولت إلى أصل استراتيجي يسيل له لعاب الولايات المتحدة وروسيا والصين على حد سواء. غير أن المفارقة أن الصراع لم يبدأ بين خصوم تقليديين، بل داخل المعسكر الغربي نفسه. حين عاد الحديث الأمريكي ـ لا سيما في عهد دونالد ترامب ـ عن إمكانية «ضم» غرينلاند، بدا الأمر للوهلة الأولى استفزازاً أو مزحة سياسية. لكن القراءة المتأنية تكشف أنه تعبير صريح عن تحوّل أعمق في الذهنية الأمريكية: الحلفاء لم يعودوا شركاء متساوين، بل أطراف في معادلة قوة، يمكن الضغط عليهم، أو تجاوزهم، أو حتى التعامل معهم بمنطق الصفقة. في هذا السياق، لم تعد السيادة قيمة مقدسة داخل التحالفات، بل متغير خاضع لموازين القوة. وهنا تحديداً يظهر التناقض: كيف يمكن لحلفٍ قام، نظرياً، على الدفاع الجماعي واحترام حدود الدول الأعضاء، أن يجد نفسه أمام تهديد صادر من القوة التي تقوده؟ التحذير الدنماركي من أن أي اعتداء أمريكي على غرينلاند قد يعني نهاية حلف الناتو لم يكن انفعالاً سياسياً، بل إشارة خطيرة إلى فراغ بنيوي داخل الحلف. فالناتو صُمم لردع الخصوم الخارجيين، لا لضبط سلوك الدولة الأقوى داخله. المادة الخامسة، التي تشكل جوهر الحلف، تفترض تهديداً من الخارج. لكنها تصمت تماماً عندما يأتي الضغط من الداخل. وهنا، تنكشف هشاشة مفهوم «التحالف» حين يغيب التوازن، وتتحول القيادة إلى هيمنة. أوروبا من لاعب إلى شاهد الموقف الأوروبي الموحّد الذي أكد أن غرينلاند ملك لشعبها، وأن القرار يخص كوبنهاغن ونوك وحدهما، بدا أخلاقياً وقانونياً، لكنه في جوهره دفاعي. أوروبا لم تتحدث من موقع القوة، بل من موقع القلق: القلق من سابقة خطيرة، ومن تآكل ما تبقى من استقلال القرار الأوروبي. وهذا القلق لا ينفصل عن مشهد أوسع لتراجع الدور الأوروبي عالمياً. فالقارة التي كانت يوماً مركز النظام الدولي، باتت اليوم رقماً على الهامش، تُستدعى عند الحاجة، وتُهمَّش عند اتخاذ القرار. ليس صدفة أن يتقاطع الجدل حول غرينلاند مع مؤتمر «تحالف الراغبين» الذي استضافته باريس لدعم أوكرانيا. فالمشهد كان كاشفاً: أوروبا تحاول إظهار وحدة سياسية، بينما الولايات المتحدة ترسل مبعوثيها من الصف الثاني ـ ويتكوف وكوشنر ـ بدل وزير الخارجية. الرسالة كانت واضحة: القرار ليس في باريس، ولا في برلين، بل في واشنطن. وأوروبا، مهما عقدت من قمم، تبقى في موقع المتلقي لا المبادر. ما الذي تكشفه غرينلاند حقاً؟ غرينلاند ليست سوى مرآة. مرآة تعكس: تراجع الدور الأوروبي من شريك إلى تابع، تحوّل مفهوم التحالف من التزام متبادل إلى علاقة قوة، عجز الناتو عن حماية أعضائه من ضغوط قائده، عالم يُعاد ترتيبه لا بالقانون، بل بالقدرة على فرض الأمر الواقع.في هذا العالم، لم تعد الجغرافيا صامتة، ولم تعد التحالفات ضمانة، ولم يعد التاريخ يكتب في العواصم الأوروبية كما كان. غرينلاند، بجليدها الذائب، كشفت ما هو أعمق من صراع على جزيرة. كشفت أن زمن التحالفات المتكافئة يذوب هو الآخر، وأن من لا يملك القوة، سيُطلب منه دائماً أن يكتفي بالبيانات بينما تُكتب الخرائط في مكان آخر. غير أن الصورة الأكثر عمقاً لا تكمن في جزيرة تتنازعها المصالح، بل في المعايير التي تُدار بها هذه المصالح. فغرينلاند، في جوهرها، ليست سوى اختبار جديد لانتقائية النظام الغربي في الدفاع عن السيادة والقانون. هذه الانتقائية نفسها ظهرت بوضوح حين انتقلت القوة الأمريكية من موقع الحليف إلى موقع المقرِّر، دون أن تجد اعتراضاً أوروبياً يُذكر في ساحات أشد دموية وأوضح انتهاكاً للقانون الدولي. فعندما كانت الولايات المتحدة تزوّد الاحتلال الإسرائيلي بأعتى الأسلحة وأكثرها فتكاً، وتُستخدم تلك الترسانات في قتل الفلسطينيين في غزة، لم نسمع موقفاً أوروبياً بحجم الفاجعة، ولم نرَ قلقاً على القانون الدولي ولا على سيادة القيم التي طالما بشّرت بها أوروبا. وحدها المؤسسات القضائية الدولية تجرأت على تسمية الجريمة باسمها، فيما فضّلت العواصم الأوروبية الصمت، أو الاختباء خلف لغة «القلق» و»الدعوات إلى ضبط النفس». وهنا، يصبح الصراع على غرينلاند مفهوماً في سياقه الأوسع: أوروبا التي قبلت أن تكون شاهدة على جريمة موثّقة، لا يمكنها أن تتوقع أن تُعامَل شريكاً متكافئاً حين تمسّ الهيمنة الأمريكية مصالحها المباشرة. فالتاريخ علّمنا أن الظلم، حين يُعلَن ويُبرَّر، لا يبقى بلا ثمن، وأن من يُطلق يد القوة خارج أي قيد قانوني أو أخلاقي، سرعان ما يجد تلك القوة نفسها وقد ارتدّت عليه، أو على أقرب حلفائه. بهذا المعنى، ليست غرينلاند سوى حلقة في سلسلة واحدة: عالم يُدار بمنطق القوة العارية، حيث يُغضّ الطرف عن الجرائم حين تخدم الحليف الأقوى، ثم يُستغرب لاحقاً أن تمتد اليد نفسها لتعيد رسم الخرائط، وتعيد تعريف التحالفات، بلا اعتبار لقانون أو شراكة أو تاريخ.
429
| 14 يناير 2026
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها...
5913
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور...
3633
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن...
2349
| 01 أغسطس 2026
تجاوز السيجار في المجتمعات الخليجية حدود كونه مجرد...
966
| 02 أغسطس 2026
لو أن أحدنا عاد بالزمن ألف عام إلى...
804
| 05 أغسطس 2026
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل...
795
| 31 يوليو 2026
في الإدارة، كما في الزراعة، ليس كل من...
726
| 05 أغسطس 2026
رحلة القطار.. حين تمضي الحياة وتدعونا إلى الأمل...
636
| 04 أغسطس 2026
ليست كل البطولات تُحسم بالمهارة، وليست كل القيادات...
594
| 04 أغسطس 2026
لا يستطيع منصف إنكار حقيقة أن الحضارة الغربية...
588
| 01 أغسطس 2026
من أعظم أسباب اضطراب القلب أن الإنسان يريد...
582
| 02 أغسطس 2026
بعض الموظفين يحاولون جاهدين الوصول لمناصب أعلى مما...
543
| 03 أغسطس 2026
مساحة إعلانية