رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خان الحرير.. الطريق الذي بدأ من فلسطين

بعض الأعمال الفنية لا تنتهي حين تنتهي شارتها الأخيرة. تبقى في الذاكرة مثل مدينة غادرناها ولم تغادرنا، أو مثل صديق رحل وظل صوته جالساً إلى جوارنا، أو مثل مساء قديم لا نعرف، ونحن نعيشه، أنه سيصبح بعد سنوات جزءاً من ذاكرتنا عن زمن كامل. هكذا بقي مسلسل "خان الحرير"، من إخراج هيثم حقي، في ذاكرتي. في عام 1996، كنت أتابع الجزء الأول من المسلسل في دمشق، وكان إلى جانبي صديقي الإعلامي السوري الراحل ثائر سلوم، ابن حمص؛ المدينة التي يرقد فيها خالد بن الوليد، ذلك الاسم الذي يختصر في الذاكرة العربية معنى الطريق المفتوح على التاريخ. كان "خان الحرير" يعيدنا إلى حلب في خمسينيات القرن الماضي، إلى عالم التجار والأسواق والعائلات والتحولات السياسية والاجتماعية. كانت أمل عرفة تؤدي شخصية "فضة"، فيما يؤدي فراس إبراهيم دور "محسن". لكن دمشق التي كنا نشاهد فيها المسلسل لم تكن مجرد مدينة تتفرج على حكاية من الماضي. كانت هي الأخرى تعيش لحظة تاريخية ساخنة. كان عام 1996 واقعاً في قلب مرحلة دبلوماسية عربية شديدة التعقيد، وكانت محاولات دفع سوريا نحو مسار أوسلو جزءاً من معركة أكبر على شكل المنطقة ومستقبلها. وفي دمشق يومها كان اسم علي عقلة عرسان حاضراً بقوة؛ رئيس اتحاد الكتاب العرب، والمثقف الذي لم يكن موقفه من أوسلو والاحتلال مجرد موقف سياسي، بل جزءاً من رؤية ثقافية أوسع، ترفض أن تتحول الهزيمة إلى ثقافة، أو أن يُعاد تقديم التبعية باعتبارها حداثة، أو أن يُستبدل الانتماء الحضاري بخطاب تغريبي حداثوي زائف. وكان عرسان يومها رئيساً للاتحاد في دورته التي بدأت عام 1995 واستمرت حتى 2000. وبينما كنا نتابع قصة فضة ومحسن، كانت المنطقة كلها تبحث عن طريق. ولعل عنوان المسلسل نفسه كان يحمل شيئاً من سر الحكاية. فـ "خان الحرير" ليس مجرد سوق من أسواق حلب، بل يستدعي في العمق ذاكرة طريق الحرير؛ ذلك الطريق القديم الذي لم يكن مجرد مسار تجاري تعبره القوافل المحملة بالحرير والتوابل والأقمشة، بل كان شبكة هائلة تصل الشرق بالغرب، وتحمل البضائع والأفكار والأديان واللغات والثقافات، وتفتح المدن بعضها على بعض. كان الخان مكاناً للعبور واللقاء. وكان الطريق، في جوهره، أكثر من طريق. كان تاريخاً يتحرك. ولذلك يبدو لي اليوم أن المنطقة العربية كلها أصبحت مثل "خان حرير" واسع؛ تتقاطع فيه الطرق والمصالح والنفوذ، وتعبره القوى الكبرى، بينما يدفع الناس العاديون أثماناً لا يقررونها. وفي قلب هذا الخان كانت فلسطين. لقد ظن العالم طويلاً أن بالإمكان إبقاء فلسطين في غرفة جانبية من التاريخ؛ أن تتحول إلى ملف تفاوضي، أو قضية إنسانية، أو مجموعة من القرارات الدولية المؤجلة. لكن غزة جاءت لتسقط هذا الوهم. جاءت بأصوات النساء والأطفال والشيوخ. بأم تنادي طفلها من تحت الركام، وطفل لا يفهم لماذا أصبحت السماء التي كان ينتظر منها المطر مصدراً للنار، وشيخ يستغيث بعالم يعرف كل شيء عن أرقام الضحايا ولا يريد أن يعرف شيئاً عن أصحابها. كانت غزة تقول، ببساطة موجعة: لا تتركونا وحدنا. لكن العالم تركها طويلاً. والمنطقة، بدرجات مختلفة، دفعت ثمن ذلك الخذلان. ليس معنى هذا أن كل ما يحدث في لبنان أو إيران أو اليمن أو شمال أفريقيا سببه فلسطين. ذلك تبسيط للتاريخ، وفي كل بلد أزماته الداخلية ومسؤولياته الخاصة. لكن فلسطين بقيت الجرح الذي لم يُغلق، ولذلك ظل قادراً على إعادة إنتاج التوتر حوله. في لبنان، حيث تتداخل الحدود والجبهات والذاكرة، لا يمكن فصل تداعيات الحرب على غزة عن المشهد الإقليمي. وفي اليمن، تحولت تداعيات الحرب إلى البحر الأحمر، وارتبطت الملاحة الدولية بأمن السعودية والخليج وبحسابات القوى الإقليمية والدولية. وفي إيران، تداخلت فلسطين مع صراع النفوذ والأمن والتحالفات، حتى أصبح ما يحدث في غزة جزءاً من لعبة إقليمية أكبر من حدود القطاع. ثم تأتي شمال أفريقيا، البعيدة جغرافياً عن خطوط النار، لكنها ليست بعيدة عن أثمان عالم مضطرب: حرائق، وجفاف، وغلاء، وضيق في العيش، واقتصادات تبحث عن مخارج، وشعوب تشعر بأن الطريق إلى الغد صار أطول مما ينبغي. لا تستطيع فلسطين أن تفسر كل هذه الأزمات. لكن تجاهل فلسطين ساهم في صناعة المنطقة التي نعيشها اليوم. فحين يعجز العالم عن حل القضية المركزية، تصبح القضية نفسها وقوداً دائماً لصراعات أخرى. وهنا تعود إليّ صورة فضة ومحسن في مسلسل "خان الحرير" لهيثم حقي، كان بينهما حب حقيقي، لكنه اصطدم بعالم يريد أن يقرر عنهما. كانا يريدان أن يختارا، فيما كانت قوى أكبر منهما تحاول أن تختار لهما. وهذه، في جوهرها، هي مأساة فلسطين. الفلسطيني لا يطلب من العالم أن يكتب له تاريخه. إنه يريد فقط أن يكتبه بنفسه. أن يكون وطناً لا قضية. وشعباً لا رقماً. وبيتاً لا مخيماً. ومستقبلاً لا يتوقف على إرادة القوة الغالبة. لهذا تبدو لي معركة "خان الحرير" اليوم أكبر من مسلسل شاهدته في دمشق قبل ثلاثين عاماً. لقد كان المسلسل يحكي عن مدينة تتغير، وعن مجتمع يتصارع بين القديم والجديد، وعن حب يحاول أن يجد له مكاناً وسط المصالح والقيود. أما المنطقة اليوم فتحاول أن تجد لنفسها مكاناً في عالم يتغير بسرعة، فيما لا تزال تحمل معها جرحاً قديماً اسمه فلسطين. كان أوسلو يومها يوحي بأن المنطقة مقبلة على سلام جديد. لكن السلام الذي لا يحمل العدالة في داخله لا ينهي الصراع؛ يؤجله. وهذا ما فعلته السنوات. تغيرت الخرائط، وسقطت أنظمة، وصعدت قوى، وانكسرت أخرى، لكن السؤال الفلسطيني بقي واقفاً في المكان نفسه. بل أصبح أكثر إلحاحاً. حين أتذكر دمشق في ذلك الزمن، أتذكر ثائر سلوم إلى جواري، وأتذكر حمص التي يرقد فيها خالد بن الوليد، وأتذكر علي عقلة عرسان ومشهد الثقافة العربية وهي تخوض معركة على معنى فلسطين ومعنى الحداثة ومعنى الانتماء. ثم أفكر في غزة، وأفهم أن المسألة ليست فقط أرضاً محتلة، وإنما إنسان حُرم طويلاً من حقه في أن يختار مصيره. ومن هنا، فإن معركة "خان الحرير" بدأت من فلسطين، لكنها لن تنتهي عند فلسطين. تحرير فلسطين، في المعنى الأوسع، ليس نهاية الطريق، بل بداية طريق آخر: طريق تحرير المنطقة من الاحتلال، ومن الاستبداد، ومن التهميش، ومن الفقر، ومن تحويل الشعوب إلى وقود لصراعات لا تملك قرارها. كان طريق الحرير القديم يصل المدن بعضها ببعض. أما الطريق الذي تحتاجه المنطقة اليوم، فيجب أن يصل الإنسان بالإنسان. لكن غزة، في هذه اللحظة، تكتب فصلاً آخر من الحكاية. حين سقطت عمارة السعادة على متساكنيها، لم يسقط معها بيت وحسب، وإنما سقط جزء من حياة كاملة: غرف كانت تحفظ صور أصحابها، ومطابخ كانت تفوح منها رائحة الخبز، وأبواب كان خلفها أطفال ينامون على أحلام صغيرة. صار البيت، في غزة، شيئاً يمكن أن يتحول في لحظة إلى ركام، وصار الركام نفسه شاهداً على أن الفلسطيني لا يموت فقط حين يُقتل، بل يُطلب منه أحياناً أن يموت مرتين: مرة تحت القصف، ومرة حين يُقتلع من المكان الذي ولد فيه. ولهذا يتمسك أهل غزة ببيوتهم، حتى حين لا يبقى من البيت إلا جدار، وبأرضهم حتى حين تتحول الأرض إلى مقبرة. إنهم يقولون، بطرق مختلفة، إن الموت في الوطن أهون من حياة تُفرض عليهم في المنفى، وإن البيت ليس حجارة يمكن نقلها، وإن الأرض ليست مساحة على الخريطة يمكن استبدالها بمساحة أخرى. ومن المفارقة هنا أن يصبح الموت نفسه آخر أشكال التشبث بالحياة؛ حياة الإنسان في المكان الذي اختاره لنفسه، وفي الأرض التي يريد أن يبقى فيها، وفي الذاكرة التي لا يريد لأحد أن ينتزعها منه. ولعل أصدق ما يمكن أن نختم به، ونحن نرى غزة تتشبث بأرضها وسط الركام، هو ذلك المعنى القديم الذي حفظه أبو البقاء الرندي في رثائه للأندلس: موتُ الكرامِ حياةٌ في مواطنِهمُ فإنْ همُ اغتربوا ماتوا وما ماتوا ليس البيت دعوة إلى الموت، وإنما تعبير عن معنى أعمق: أن الإنسان قد يفقد حياته، لكنه لا يريد أن يفقد وطنه؛ وأن الغربة القسرية ليست مجرد انتقال من مكان إلى مكان، وإنما قد تكون اقتلاعاً للذاكرة والهوية والحق في أن تكون لك أرض تقول: هنا بيتي. من هنا أفهم غزة أكثر. أفهم لماذا يبقى الفلسطيني في بيته حتى حين يصبح البيت ركاما، ولماذا يعود إلى المكان الذي قُصف، ولماذا يصر على أن يدفن موتاه في الأرض نفسها التي ولدوا فيها. إنه لا يدافع عن حجر فقط، وإنما عن حق الإنسان في أن تكون له بداية ونهاية في المكان ذاته. وهكذا يعود "خان الحرير" إلى نقطة البداية: إلى فلسطين. فطريق الحرير القديم كان طريقاً للقوافل التي تعبر البلدان، أما الطريق الذي تبحث عنه المنطقة اليوم فهو طريق الإنسان إلى وطنه، وإلى حريته، وإلى حقه في أن يعيش من دون أن يُقتلع من مكانه. وربما لن تنتهي حكاية الخان إلا عندما يصبح الوطن مكاناً آمناً لأهله، لا ممراً إلى المنفى؛ وعندما لا يعود الفلسطيني مضطراً إلى الاختيار بين بيت مهدّم واغتراب مفروض؛ وعندما تستطيع شعوب هذه المنطقة كلها أن تفعل الشيء البسيط الذي أرادته فضة ومحسن منذ البداية: أن تختار حياتها بنفسها. عندها فقط، يمكن أن نقول إن الطريق الذي بدأ من فلسطين وجد أخيراً طريقه إلى السلام.

135

| 18 سبتمبر 2026

بريطانيا تعاقب المستوطنات.. التاريخ يحاسب نفسه!

أحياناً لا يصنع التاريخ مفارقاته الكبرى في ساحات المعارك، بل في جملة قصيرة تصدر من عاصمة كانت، قبل أكثر من قرن، قد كتبت جملة أخرى غيّرت وجه المنطقة. في لندن، التي خرج منها وعد بلفور عام 1917، جاء القرار البريطاني بمنع استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية، وفرض عقوبات على جهات وأفراد مرتبطين بتوسيعها، ليبدو كأنه واحدة من تلك المفارقات التي يحب التاريخ الاحتفاظ بها. فبريطانيا التي أسهمت، بوعدها وسياساتها خلال فترة الانتداب، في توفير الإطار السياسي الذي مهّد لقيام إسرائيل، تجد نفسها اليوم تفرض ثمناً اقتصادياً وسياسياً على أحد أكثر المشاريع التصاقاً بسياسة الاحتلال: مشروع الاستيطان. وليس في الأمر، بطبيعة الحال، أن بريطانيا "تعاقب إسرائيل" بالمعنى الشامل، ولا أن لندن انقلبت على إسرائيل أو تخلت عن أمنها. فالقرار يستهدف المستوطنات وأنشطتها، ويأتي في إطار محاولة الدفاع عن حل الدولتين، كما قالت الحكومة البريطانية. لكن رمزية الخطوة تتجاوز حجمها التجاري؛ إذ إن الرسالة الأهم ليست قيمة السلع التي ستُمنع من دخول السوق البريطانية، وإنما أن الاحتلال والاستيطان لم يعودا، في نظر واحدة من أهم الدول الغربية، مجرد قضية خلافية يمكن إدارتها بالبيانات والقلق الدبلوماسي. وهنا تحديداً تكمن أهمية القرار. فالمستوطنات ليست مجرد بيوت متناثرة فوق تلال الضفة الغربية. إنها، في الوعي الفلسطيني، عنوان لمشروع اقتلاع طويل، وفي الحساب السياسي الإسرائيلي أداة لإعادة رسم الجغرافيا قبل أن تُرسم حدود أي تسوية. ولذلك فإن وقف التجارة مع المستوطنات يحمل اعترافاً ضمنياً بأن الاحتلال لا يمكن أن يستمر بلا تكلفة، وأن من يريد السلام لا يستطيع أن يمول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، المشروع الذي يلتهم الأرض التي يفترض أن يقوم عليها ذلك السلام. لكن المفارقة البريطانية أعمق من السياسة الراهنة. ففي الثاني من نوفمبر عام 1917، كتب وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد معلناً تأييد حكومته إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين، مع وعد بحماية الحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود. كان ذلك الوعد أحد أهم المفاتيح السياسية التي أعادت تشكيل تاريخ فلسطين والمنطقة. بعد أكثر من مائة عام، تعود بريطانيا إلى الملف نفسه، ولكن من الباب الآخر: لا بوعد جديد، وإنما بعقوبة. وهذه المفارقة تستحق التأمل. فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، لكنه أحياناً يضع أبناءه أمام نتائج ما فعلوا. ولعل القرار البريطاني يحمل، من هذه الزاوية، شيئاً من مراجعة متأخرة لمسار طويل لم تكن نتائجه كما تخيلها الذين رسموا خرائط الشرق الأوسط في بدايات القرن العشرين. والأهم أن القرار لا يمكن فصله عن الزلزال الأخلاقي والسياسي الذي أحدثته حرب غزة. فبعد ما شهده القطاع من قتل ودمار ونزوح وانهيار هائل في البنية المدنية، وبعد صور الأطفال تحت الأنقاض والمستشفيات المدمرة والبيوت التي تحولت إلى ركام، لم يعد الرأي العام العالمي يرى الصراع بالطريقة التي كان يراه بها قبل السابع من أكتوبر. لقد تبدلت الصور، وتبدلت معها اللغة. وفي الغرب تحديداً، لم تعد الرواية الإسرائيلية قادرة على احتكار المشهد الأخلاقي والسياسي كما كانت تفعل لعقود. ومن شوارع لندن إلى جامعاتها، ومن العواصم الأوروبية إلى ساحات الجامعات الأمريكية، تحولت فلسطين من قضية جيوسياسية بعيدة إلى قضية جيل كامل. ولم تعد صور غزة مجرد مادة إخبارية عابرة، بل أصبحت جزءاً من الوعي السياسي والأخلاقي لشريحة واسعة من الشباب الغربي. ولذلك فإن العقوبات البريطانية على المستوطنات ليست مجرد قرار تجاري. إنها علامة على أن شيئاً عميقاً يتغير في العلاقة بين إسرائيل والغرب، وأن مساحة التسامح مع الاحتلال والاستيطان تضيق تدريجياً. وقد جاءت الخطوة البريطانية بالتنسيق مع فرنسا وكندا، فيما أبدت دول أخرى دعماً للمسار، في تحول يعكس اتساع الفجوة بين مواقف بعض الحكومات الغربية وبين الموقف التقليدي الذي كان يمنح إسرائيل هامشاً واسعاً من الحماية السياسية. ومع ذلك، فإن قيمة القرار الحقيقية ستتوقف على ما إذا كان بداية طريق أم نهايته. فالمطلوب ليس فقط منع منتجات المستوطنات من دخول المتاجر البريطانية، وإنما الانتقال من إدانة الاستيطان إلى محاسبة منظومة الاحتلال التي تحميه. لقد قالت بريطانيا، ولو متأخرة، إن للاحتلال ثمناً. وهي رسالة ذات دلالة خاصة، لأنها تأتي من الدولة التي كان لها ذات يوم دور حاسم في صياغة الصفحة الأولى من قصة فلسطين الحديثة. ربما لا يستطيع القرار البريطاني أن يمحو وعد بلفور، ولا أن يعيد الفلسطينيين إلى بيوتهم، ولا أن يعيد لغزة أطفالها الذين فقدتهم. لكنه يستطيع أن يقول شيئاً مهماً: إن التاريخ ليس قدراً أبدياً، وإن الدول التي صنعت جزءاً من المشكلة تستطيع، ولو بعد قرن، أن تبدأ في الاعتراف بمسؤوليتها الأخلاقية عن تصحيح بعض آثارها. وفي نهاية المطاف، قد يكون التحول الأكبر الذي أحدثته حرب غزة أنها أعادت فلسطين من ملف دبلوماسي إلى سؤال أخلاقي عالمي. وحين تتحول العدالة من مطلب فلسطيني إلى سؤال يؤرق ضمير العالم، فإن الاحتلال، مهما طال عمره، يبدأ في فقدان أهم أسلحته: الاعتياد عليه.

261

| 11 سبتمبر 2026

الكبار.. كنز في كل دار

لفتني حديث للدكتور إدريس الأزمي الإدريسي، نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي، خلال مروره ضيفا على إحدى القنوات التلفزيونية المغربية هذا الأسبوع استحضاره للحملة التي أطلقها حزبه عام 2013 تحت شعار "الكبار كنز في كل دار"، وتأكيده أن كبار السن أو كبار القدر ليسوا عبئاً، وإنما شركاء يمكن أن يساهموا بخبراتهم وتجاربهم في تربية الأجيال. توقفت طويلاً عند هذه العبارة. ليس لأنها شعار جميل فحسب، وإنما لأنها تضع إصبعها على جرح اجتماعي عميق: كيف ننظر إلى الإنسان عندما يتقدم به العمر؟ هل نراه وقد انتهى دوره، وأصبح بحاجة إلى الآخرين؟ أم نراه وقد أصبح أكثر غنى بالتجربة، وأقرب إلى الحكمة، وأقدر على أن يمنح الأجيال الجديدة شيئاً لا يمكن أن تمنحه التكنولوجيا ولا الجامعات ولا الكتب؟ إن الفرق بين النظرتين هو الفرق بين مجتمع يرى الإنسان في قيمته، ومجتمع يراه في قدرته على الإنتاج. ولعل المقارنة بين عالمنا العربي والإسلامي وبعض المجتمعات الغربية تكشف مفارقة تستحق التأمل. في الغرب، استطاعت دول كثيرة أن تبني خلال عقود أنظمة أكثر انتظاماً لرعاية كبار القدر، من معاشات التقاعد والتغطية الصحية إلى دور الرعاية والخدمات المنزلية ومراكز الرعاية النهارية. وأصبحت الشيخوخة، في عدد من هذه الدول، ملفاً واضحاً في سياسات الدولة، لا شأناً عائلياً متروكاً للظروف. هناك مؤسسات متخصصة، وقوانين، وخدمات اجتماعية، وموظفون مدربون، وآليات لمتابعة احتياجات المسنين. لكن الغرب، في المقابل، يدفع ثمناً اجتماعياً آخر. فالفردانية التي تمنح الإنسان مساحة واسعة من الاستقلال قد تترك بعض كبار السن أمام عزلة قاسية. قد يعيش الإنسان في بيت مجهز، ويحصل على معاش وعلاج وخدمات محترمة، لكنه لا يجد ابناً يجلس إلى جواره، ولا حفيداً يطرق بابه، ولا أسرة كبيرة تحيط به في أيام المرض والوحدة. وهنا لا ينبغي أن نقع في وهم المقارنة السطحية. فليست كل المجتمعات الغربية نموذجاً واحداً، وليست كل مجتمعاتنا العربية والإسلامية عالماً من الدفء العائلي. لدينا أيضاً كبار سن يعيشون الوحدة، وأسر تعجز عن رعاية والديها، ومؤسسات تحتاج إلى التطوير، وسياسات اجتماعية لا تزال في بعض البلدان أقل من حجم التحولات الديموغرافية والاجتماعية. لكن المفارقة الأجمل والأكثر إيلاماً أن عالمنا العربي والإسلامي يملك في تراثه وقيمه، أساساً أخلاقياً بالغ القوة لرعاية كبار السن. نحن أبناء ثقافة لم تكن ترى الأب والأم في الكبر عبئاً ينبغي التخلص منه، بل كان الكبر، في الوعي الديني والاجتماعي، مرحلة تستدعي مزيداً من الرحمة والبر. يكفي أن نتأمل قوله تعالى: "إمّا يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً". ما أعمق هذه الآية. فهي لا تكتفي بالأمر بالرعاية، وإنما تتوقف عند الكلمة. لا تقل لهما "أف"، لا تنهرهما، وقل لهما قولاً كريماً. كأن القرآن يريد أن يقول لنا إن الإنسان عندما يصل إلى مرحلة الضعف يصبح أكثر حاجة إلى الكرامة، لا أقل. واللافت أن الآية لم تقل: عندما يحتاج الوالدان إلى المال، بل قالت: عندما يبلغ أحدهما أو كلاهما الكبر. أي إن مجرد الوصول إلى هذه المرحلة من العمر يفتح باباً خاصاً من أبواب المسؤولية الأخلاقية. وفي الثقافة العربية القديمة، كان الكبير صاحب مجلس ومشورة، وكانت السن الطويلة تمنح صاحبها مكانة اجتماعية. لم تكن التجربة عيباً، ولم تكن التجاعيد علامة على انتهاء الصلاحية. كان الكبير هو الذي يرجع إليه الناس عندما تختلط الأمور، وكانت الذاكرة البشرية أهم من الأرشيف. لكن أين نحن اليوم من ذلك كله؟ هنا تكمن المفارقة. لدينا نصوص عظيمة، وتراث غني، ومفردات جميلة عن البر والرحمة وصلة الرحم، لكن الواقع الاجتماعي لا ينجح دائماً في ترجمة هذه القيم إلى سياسات ومؤسسات. ومن هنا تصبح مسؤولية الحكومات في العالم العربي والإسلامي مضاعفة. لأن الدولة ليست مطالبة فقط بتقديم الخدمات لكبار السن، بل بتحويل قيم المجتمع إلى سياسة اجتماعية مستدامة. نحتاج إلى معاشات تضمن حياة كريمة، ورعاية صحية متخصصة، ورعاية منزلية لمن يحتاج إليها، ومراكز اجتماعية وثقافية، ومؤسسات رعاية محترمة، وبرامج لمواجهة الوحدة والعزلة، وحماية قانونية لمن يتعرضون للإهمال أو الاستغلال. وإذا كانت الأسرة هي الحاضن الأول، فلا ينبغي أن تتركها الدولة وحدها أمام أعباء الشيخوخة. فالابن الذي يريد رعاية أمه أو أبيه قد يكون موظفاً يعمل ساعات طويلة، وقد يعيش في مدينة أخرى، وقد يواجه أعباء مالية لا تسمح له بتوفير الرعاية التي يحتاج إليها والداه. لذلك فإن مساعدة الأسرة على رعاية كبيرها ليست تدخلاً في شؤونها؛ إنها حماية للأسرة نفسها. وهنا يمكن أن تتحول مؤسسات رعاية المسنين ومؤسسات التعاون الوطني إلى جزء من شبكة اجتماعية متكاملة، لا إلى أماكن لإيداع من لم يعد أحد قادراً على رعايته. إن الفرق كبير بين مؤسسة تقول للمسن: "نحن نعتني بك لأنك عاجز"، ومؤسسة تقول له: "أنت ما زلت جزءاً من المجتمع، ونحن نساعدك على أن تظل كذلك". وهذه هي الفكرة التي تستحق أن نبني عليها. كبار السن لا ينبغي أن يكونوا مجرد متلقين للخدمة. يمكن أن يكونوا شركاء. المعلم المتقاعد يمكن أن يعود إلى المدرسة لساعات محدودة ليحكي للتلاميذ عن تجربته. الطبيب المتقاعد يمكن أن يشارك في تدريب الأطباء الشباب. الحرفي القديم يمكن أن ينقل مهنته إلى جيل جديد. ورجل الإدارة يمكن أن يحكي للشباب كيف كانت المؤسسات تعمل قبل أن تتحول الحياة كلها إلى شاشات وأنظمة رقمية. والجد والجدة يمكن أن يكونا جسراً تربوياً بين الطفل وتاريخ عائلته وبلده. إننا بحاجة إلى الانتقال من مفهوم "رعاية المسنين" إلى مفهوم أوسع هو "تمكين كبار السن". وهنا ربما نستطيع أن نتعلم شيئاً من الغرب في بناء المؤسسات، وأن نعيد نحن اكتشاف شيء من تراثنا في بناء العلاقات. ليس المطلوب أن نختار بين الدولة والأسرة، ولا بين المؤسسة والعائلة، ولا بين الحداثة والتراث. المطلوب أن نجمع أفضل ما في الاثنين: مؤسسات قوية لا تقتل دفء الأسرة، وأسرة متماسكة لا تُعفى الدولة بسببها من مسؤوليتها. فالرعاية الحقيقية تبدأ عندما يتكامل الاثنان. والأجمل أن قضية كبار السن لا تخص كبار السن وحدهم. إنها تخص أبناءهم وأحفادهم، وتخص الشباب الذين يعتقدون أن الشيخوخة بعيدة، وتخص الدولة التي ينبغي أن تعرف أن مواطنيها لا يفقدون حقوقهم عندما تتقدم بهم السنون. بل ربما تصبح الدولة أكثر امتحاناً في عدالتها عندما يتراجع صوت الإنسان. لا نحتاج إلى كثير من الكلام لندرك مكانة الكبير في وجداننا العربي والإسلامي. يكفي أن نستعيد الصور التي بقيت عالقة من مونديال قطر 2022. كان العالم يتابع لاعبي المنتخب المغربي وهم يصنعون واحدة من أجمل حكايات كرة القدم، لكن أجمل ما في الحكاية لم يكن دائماً في الملعب، بل في المدرجات؛ حيث رأينا أشرف حكيمي يحتضن والدته ويقبّلها، ووليد الركراكي يهرع إلى أمه ويقبّل يدها. لم تكن الكاميرات توثق فرحة عائلية عابرة، بل كانت تلتقط معنى عميقاً: أن تظل قوياً أمام العالم، لكنك تعرف أمام من ينبغي أن تنحني. كان أولئك الرجال في ذروة القوة والشهرة والنجاح، لكنهم حين رأوا أمهاتهم عادوا أبناءً. فهؤلاء الذين نريد أن نرعاهم اليوم هم الذين رعونا أولاً؛ خلفهم سنوات من التعب والسهر والخوف والدعاء، ووراء كل لاعب أم آمنت به قبل أن يعرفه أحد. لذلك لم تكن قبلة حكيمي لأمه مجرد قبلة ابن لأمه، بل قبلة جيل كامل على رأس الجيل الذي سبقه، وكأن الرسالة تقول لنا جميعاً: لا تنسوا من أوصلكم إلى هنا. رعاية كبار السن لا تعني توفير معاش أو علاج أو دار للرعاية فحسب، على أهمية ذلك، بل تعني أيضاً حفظ مكانتهم في قلوبنا ومجتمعنا، ومنحهم الوقت، والإصغاء إلى حكاياتهم، وطلب مشورتهم، وأخذ أيديهم حين تثقل الخطوات، حتى تكون الشيخوخة مرحلة من الحياة لا غرفة انتظار للموت. لقد عرف الغرب كيف يبني مؤسسات متخصصة للرعاية والضمانات الاجتماعية، ونحن بحاجة إلى الاستفادة من خبرته في التنظيم والتخصص. لكننا نملك رصيداً أخلاقياً ودينياً عظيماً يؤكد أن الكبير ليس رقماً في نظام التقاعد، وأن الأم حين يشتد بها العمر لا تفقد قيمتها، وأن الأب حين تضعف يداه لا يسقط حقه في البر والكرامة. المطلوب ليس الاختيار بين الأسرة والدولة، بل تكاملهما: توفر الدولة ما تعجز الأسرة عن توفيره، وتحافظ الأسرة على ما لا تستطيع المؤسسة منحه، من دفء وانتماء وشعور بأن الإنسان ما زال محبوباً ومهماً. ولعل أجمل ما تعلمنا إياه تلك الصور المغربية أن القوة الحقيقية ليست في الانتصار على الآخرين، بل في معرفة من نعود إليه بعد انتصارنا. فاللاعب الذي هتف له الملايين عاد يبحث عن أمه، والرجل الذي وقف أمام العالم انحنى أمام يد امرأة حملته يوماً وهو لا يستطيع المشي. وحين نقول إن "الكبار كنز في كل دار"، فنحن لا نردد شعاراً جميلاً، بل نستحضر حقيقة تمس جوهر إنسانيتنا. الذين نجلس اليوم إلى جوارهم وقد ابيضّت شعورهم، كانوا بالأمس يحملوننا على أكتافهم، والذين نمد إليهم أيدينا الآن كانوا أول من مدّ يده إلينا عندما كنا نسقط. وربما كانت أجمل صورة للوفاء أن نعود، مهما كبرنا ونجحنا، لنقبّل رأس أم أو يد أب، ونقول لهما بصمت: لولاكما، لما كنا هنا. فالشيخوخة ليست نهاية الطريق، بل لحظة يعود فيها الأبناء إلى أصل الحكاية. وكل أم مسنة هي بداية بطل، وكل أب أنهكته السنوات صفحة من تاريخ أسرة، وكل كبير نتركه وحيداً جزء من ذاكرتنا التي نسمح لها بأن تموت معنا. لذلك لا تجعلوا كبار السن يسألون: هل ما زلنا مهمين؟ أجيبوا قبل أن يسألوا: نعم، أنتم الذين جعلتمونا ما نحن عليه.

171

| 04 سبتمبر 2026

من شتات الفلسطينيين إلى خيمة الغرباء

لليُتم الفلسطيني وجوه كثيرة، وربما كان أقساها أن يهرب الإنسان من الموت في وطنه، فلا يجد في الغربة خلاصاً كاملاً من الفقد. هناك، في الداخل الفلسطيني، يموت الناس تحت نيران الاحتلال، في البيوت والشوارع والمخيمات، بينما يقف العالم متفرجاً على المأساة، عاجزاً أو متواطئاً أو صامتاً. وهنا، في بلاد الشتات، يحمل الناجون من الموت جراحهم وذكرياتهم، ويبحثون عن حياة جديدة، فإذا بالغربة نفسها تفتح أبواباً أخرى للفقد. ولعل رحيل عائلة الخواص في بريطانيا يختصر جانباً موجعاً من هذه الحكاية. حسام الخواص، وزوجته زينة عليان، وابنتاهما سارة وسجى الخواص، لم يموتوا في فلسطين تحت القصف، بل في بريطانيا، في البلد الذي لجأت إليه العائلة بحثاً عن الأمان. خرجوا من صخب لندن وحرّها وضغطها، وقصدوا أحد الشواطئ الهادئة، ربما بحثاً عن ساعات قليلة من الراحة، عن نسمة بحر تزيح عن الروح شيئاً من ثقل المدينة والغربة. لم يذهبوا بحثاً عن الخطر؛ ذهبوا بحثاً عن الهدوء. لكن البحر الذي قصده الأربعة طلباً للسكينة، أخذهم دفعة واحدة، وطواهم في لحظة لا تترك وراءها إلا الأسئلة. ما أقسى أن يهرب الإنسان من نارٍ بعيدة، ثم يكتشف أن الموت يمكن أن ينتظره في مكان ظنه آمناً. وما أشد وطأة أن تكون الغربة نفسها مسرحاً للفاجعة، وأن يموت أفراد عائلة بأكملها بعيداً عن الأرض التي حملوا منها أسماءهم وذكرياتهم. قرأت خبر عائلة الخواص بوجع شخصي. فأنا تونسي ألفت الغربة منذ نحو أربعة عقود، وطوحت بي الحياة خلال هذه الرحلة في بلدان عربية وإسلامية وغربية كثيرة، قبل أن يستقر بي المقام في لندن. ولعل كثرة الترحال تجعل الإنسان أكثر حساسية تجاه أخبار الموت في المنافي؛ إذ لا يعود الخبر بعيداً تماماً، بل يوقظ فيك شيئاً من تجاربك القديمة، ومن وجوه تركتها وراءك، ومن إحساس لا يفارق المغترب بأن حياته موزعة بين أمكنة كثيرة. بعد كل هذه السنوات، أدركت أن الغربة ليست مجرد انتقال من بلد إلى بلد. إنها إعادة ترتيب للعلاقة مع المكان والناس والذاكرة. تتعلم أن تعيش في مدينة ليست مدينتك، وأن تفرح بعيداً عن البيت الأول، وأن تواسي ميتاً لا تستطيع أسرته أن تكون قريبة منه كما كانت تتمنى. ومع الزمن، يصبح المرء جزءاً من عالم واسع من المهاجرين؛ لا تجمعهم دائماً اللغة أو الجنسية أو الدين، وإنما تجمعهم تلك المعرفة الصامتة بمعنى أن تكون بعيداً. لهذا لا أرى موت عائلة الخواص باعتباره مأساة فلسطينية فحسب. إنه مأساة الغريب في كل مكان. في بريطانيا، يعيش أناس جاؤوا من أوطان شتى. بعضهم جاء طلباً للعلم والعمل، وبعضهم هرب من الحرب، وبعضهم فر من الاستبداد، وبعضهم حملته ظروف الحياة بعيداً عن المكان الذي ولد فيه. تختلف البدايات، لكن النهاية واحدة حين يحضر الموت: يصبح الوطن الذي تركناه وراءنا حاضراً في كل جنازة، وتصبح المسافة بيننا وبين أهلنا جزءاً من ألم الفقد. ولعل الموت، على قسوته، يفعل شيئاً تعجز عنه الحياة أحياناً: يزيل الحدود بين الغرباء. في لحظة العزاء لا تعود الجنسية هي السؤال الأول، ولا المذهب، ولا المدينة التي جئت منها. يبقى الإنسان أمام إنسان آخر فقد عزيزاً. وربما لهذا تكتسب الأماكن التي تجمع المهاجرين أهمية تتجاوز وظيفتها الأولى. من هنا أفهم الدور الذي أصبح يؤديه المنتدى الفلسطيني في لندن. لقد جاء المنتدى في الأصل ليجمع شتات الفلسطينيين، ويحفظ لهم شيئاً من حضور الوطن في بلاد الغربة. لكن الحياة أوسع من الخطط التي يضعها الناس. شيئاً فشيئاً، تحولت هذه المساحة الفلسطينية إلى خيمة تتسع للعرب والمسلمين، بل لكل من وجد فيها مكاناً يشبه البيت. نلتقي فيها في رمضان، في صلاة التراويح، وعلى موائد الإفطار، ونعود إليها في الأعياد، وفيها نقيم أفراحنا أيضا، لكننا نعود إليها أيضاً في الوجه الآخر للحياة: حين يموت أحدنا. هناك تقام بيوت العزاء، وتُقرأ الفاتحة، وتُرفع الأيدي بالدعاء، ويجلس أناس لا تجمعهم قرابة الدم حول أهل الفقيد ليقولوا لهم، بالفعل قبل القول: أنتم لستم وحدكم. وهذه، في رأيي، إحدى أجمل الوظائف التي يمكن أن تؤديها مؤسسة في مجتمع المهاجرين. أن تبدأ من قضية وطن، ثم تكتشف أن الدفاع عن الوطن لا يعني الانغلاق على أهله، وأن الذاكرة الفلسطينية يمكن أن تصبح مساحة للتضامن مع كل من ذاق مرارة الاقتلاع. فالفلسطيني يعرف معنى اللجوء، لكن ذلك لا يجعله وحده في هذا الألم. في خيمة الغربة تلتقي مآسٍ كثيرة: فلسطيني اقتلع من أرضه، وسوري أخرجته الحرب من بيته، وعراقي حملته الاضطرابات إلى المنفى، وتونسي اختار أو اضطر إلى أن يبني حياته بعيداً عن بلده، وغيرهم ممن دفعتهم ظروفهم إلى الضفة الأخرى من العالم. قد لا تكون قصصنا واحدة، لكننا نعرف شيئاً مشتركاً: معنى أن تفتقد مكاناً لا تستطيع الوصول إليه كلما اشتقت إليه. وأنا، بعد أربعة عقود من التنقل، أعرف أن الإنسان لا يختار دائماً أين تكون غربته، لكنه يستطيع أن يختار كيف يعيشها. يمكن أن تتحول الغربة إلى عزلة، ويمكن أن تتحول إلى معرفة بالآخر. يمكن أن تجعلنا أكثر انغلاقاً، ويمكن أن تجعلنا أكثر رحمة. ولعل خيمة المنتدى اختارت الطريق الثاني. فهي لا تلغي الغربة، ولا تعيد لنا أوطاننا، ولا تستطيع أن توقف الموت. لكنها تفعل شيئاً أكثر تواضعاً، وربما أكثر ضرورة: تجعل وقع الغربة أقل قسوة، وتجعل الحزن قابلاً لأن يُحتمل حين يتقاسمه الآخرون. رحم الله حسام الخواص وزينة عليان وسارة الخواص، ورحم كل من مات بعيداً عن وطنه وأهله، وحفظ من بقي لأحبته. وأمام موت عائلة كاملة في شاطئ بريطاني هادئ، لا أجد ما أقوله سوى أن الإنسان، مهما ابتعد، يبقى محتاجاً إلى يد تمتد إليه حين ينكسر. وربما لهذا تبقى الخيام، منذ أقدم أزمنة الترحال، رمزاً للنجاة والجوار والضيافة: قطعة قماش بسيطة في مواجهة اتساع العالم. لقد ضاقت بنا الأوطان أحياناً، وطالت بنا المنافي، وتفرقت بنا الطرق. لكن لعل خلاصنا الصغير يكمن في أن نصنع، حيثما حللنا، مساحة يتسع فيها القلب للآخر. خيمة لا تسأل الغريب من أين جاء، بل تفسح له مكاناً. خيمة نجتمع فيها حين نفرح، ونلتقي فيها حين نحزن، ونجد فيها، ولو للحظات، ما يشبه الوطن. رحم الله الراحلين، وألهم أهلهم الصبر والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

183

| 26 أغسطس 2026

الحوار الأمريكي مع حماس.. حين يصبح المستحيل بابًا للسياسة

ليست كل الأبواب التي تُفتح في السياسة تعلن عن نفسها بصوت مرتفع. بعضها يبدأ باجتماع مغلق، أو اتصال بعيد عن الكاميرات، أو مبعوث يجلس إلى طاولة مع خصم ظلّ لسنوات في خانة "الممنوع". ولهذا فإن الحديث عن اجتماع مسؤول أمريكي مع حركة حماس لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه تفصيلاً بروتوكولياً في مسار تفاوضي طويل، بل باعتباره إشارة سياسية ذات دلالات أعمق: واشنطن، أو جزء من مؤسستها السياسية على الأقل، بدأت تتعامل مع واقع لا يمكن إدارته من خلف الجدران، ولا اختزاله في البيانات والشعارات. فالسياسة، في جوهرها، ليست فن اختيار الأصدقاء، بل فن التعامل مع الخصوم حين تصبح كلفة تجاهلهم أكبر من كلفة محاورتهم. والتاريخ مليء بأمثلة تؤكد أن الدول لا تتفاوض عادة مع من تتفق معهم، وإنما مع من تملك معهم خلافات عميقة ومصالح متشابكة ومخاطر مشتركة. من هنا، فإن الحوار الأمريكي ـ الحمساوي، إذا تطور من اتصال محدود إلى مسار سياسي واضح، قد يمثل تحوّلاً في قواعد اللعبة أكثر مما يمثل تحولاً في المواقف المعلنة. المفارقة أن هذا الحوار يأتي في لحظة تبدو فيها غزة أبعد ما تكون عن الاستقرار. فوقف إطلاق النار يتعرض للاهتزاز، والاتهامات المتبادلة بخرقه لا تتوقف، فيما تستمر الغارات وسقوط الضحايا في قطاع أنهكته الحرب والنزوح والدمار. وفي مثل هذه البيئة، تصبح المفاوضات أشبه بالسير فوق أرض ملغمة: اتفاق هش من جهة، وميدان قابل للانفجار من جهة أخرى، وإسرائيل وحماس تدركان أن أي خطأ في الحساب قد يعيد المنطقة إلى نقطة الصفر. لكن أهمية الخطوة الأمريكية تكمن تحديداً هنا. فالمفاوضات لا تبدأ عندما يسود الهدوء؛ أحياناً تبدأ لأن الهدوء أصبح ضرورة مستحيلة من دون تفاوض. وإذا كانت المحادثات تتركز على تنفيذ خارطة طريق من 15 بنداً، فإن المعركة الحقيقية لن تكون حول صياغة البنود فقط، بل حول القدرة على إلزام الأطراف بتنفيذها. فالورق السياسي لا يوقف الحرب وحده، ولا يعيد النازحين، ولا يفتح المعابر، ولا يعيد بناء مدينة مدمرة. الذي يفعل ذلك هو توازن القوة، وضمانات التنفيذ، والضغط السياسي، ووجود طرف قادر على مخاطبة جميع اللاعبين المؤثرين. وهنا تظهر المعضلة الأمريكية التاريخية. واشنطن اعتادت أن تكون وسيطاً وهي في الوقت نفسه الحليف الأهم لإسرائيل. وهذه المعادلة تمنحها نفوذاً هائلاً، لكنها تفرض عليها أيضاً اختباراً صعباً لمصداقيتها. فإذا أرادت الإدارة الأمريكية أن تتحول من راعٍ للمفاوضات إلى ضامن فعلي لها، فعليها أن تثبت أن الحوار مع حماس ليس مجرد قناة استخباراتية أو تكتيك مؤقت لتمرير أزمة، وإنما جزء من تصور سياسي أوسع لمستقبل غزة والقضية الفلسطينية. أما بالنسبة إلى حماس، فإن قبول الحوار المباشر أو غير المباشر مع واشنطن يمثل بدوره تحولاً استراتيجياً. فالحركة التي بنت جزءاً كبيراً من خطابها على مقاومة السياسة الأمريكية في المنطقة تجد نفسها أمام حقيقة مختلفة: من يريد التأثير في شكل اليوم التالي للحرب لا يستطيع الاكتفاء بالبندقية، كما أن من يريد فرض شروطه على الطاولة يحتاج إلى شبكة علاقات سياسية تتجاوز الحلفاء التقليديين. الحوار لا يعني بالضرورة التنازل، كما أن الجلوس إلى الخصم لا يعني المصالحة معه. إنه، ببساطة، اعتراف بأن السياسة تبدأ حين تصبح القوة وحدها عاجزة عن إنتاج النهاية. والأخطر أن استمرار الغارات، حتى أثناء الهدنة، يهدد بتحويل أي مسار تفاوضي إلى عملية لإدارة الانهيار بدلاً من صناعة السلام. فالهدنة التي لا تُترجم إلى واقع آمن ستظل هدنة مؤقتة، والاتفاق الذي لا يحظى بآليات تنفيذ واضحة سيظل نصاً قابلاً للانهيار عند أول أزمة. لذلك، فإن قيمة الحوار الأمريكي مع حماس لن تُقاس بصورة الاجتماع ولا بعنوانه، بل بما سيأتي بعده. هل تستطيع واشنطن استخدام نفوذها لمنع العودة إلى الحرب؟ هل يمكن تحويل خارطة الطريق إلى التزامات قابلة للقياس والتنفيذ؟ وهل يصبح اليوم التالي في غزة مشروعاً سياسياً يعالج أصل الصراع، لا مجرد ترتيب أمني مؤقت؟ في النهاية، قد لا يكون الحوار بداية سلام، لكنه قد يكون بداية اعتراف بالحقيقة. والحقيقة التي حاولت السياسة الدولية طويلاً تأجيلها هي أن غزة ليست ملفاً أمنياً فقط، وحماس ليست رقماً يمكن شطبه من المعادلة بقرار، وإسرائيل لا تستطيع أن تصنع استقراراً دائماً فوق أرض تنزف. أما واشنطن، إن أرادت أن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة في الشرق الأوسط، فعليها أولاً أن تتعلم الإصغاء إلى كل من يملك، بشكل مباشر أو غير مباشر، القدرة على تغيير مسار التاريخ. لقد دفع الفلسطينيون، في غزة كما في سائر أرض فلسطين، ثمناً يتجاوز لغة الأرقام والإحصاءات. دفعوا من بيوتهم وأعمارهم وذكرياتهم، ومن أجساد أطفالهم وأحلام أجيالهم، ومن شوارع كانت تحمل أسماء العائلة والحي والقرية. وفي غزة، تحولت المأساة إلى مشهد يومي من الركام والفقد والنزوح، فيما بقي الإنسان الفلسطيني متمسكاً بما لا تستطيع الحرب اقتلاعه: حقه في أن يعيش حراً على أرضه، وأن تكون له دولة وسماء آمنة وبيت لا يخشى أن يتحول في لحظة إلى ذكرى. وفي الضفة الغربية والقدس وسائر فلسطين، تراكمت على مدى عقود طبقات من الألم والاقتلاع والتهجير والاستيطان، حتى باتت القضية الفلسطينية واحدة من أطول المآسي السياسية والإنسانية التي عرفها التاريخ الحديث. ومع ذلك، بقيت فلسطين حاضرة؛ لأن الشعوب قد تُهزم في معركة، لكنها لا تُهزم حين تحتفظ بذاكرتها وبإيمانها بحقها. ولعل العالم، بما فيه الولايات المتحدة، يعرف أكثر مما يقول في العلن أن أصل المأساة لا يمكن أن يُختزل في جولة حرب أو هدنة أو صفقة مؤقتة. هناك شعب له حقوق سياسية ووطنية وإنسانية، وهذه الحقوق لا تسقط بالتقادم ولا تمحوها موازين القوة. وقد علّمنا التاريخ، في فلسطين وفي غيرها، أن الاحتلال مهما طال زمنه ليس قدراً أبدياً، وأن الجدران مهما ارتفعت لا تستطيع أن توقف حركة التاريخ. الإمبراطوريات تبدلت، والحدود تغيرت، والجيوش التي بدت ذات يوم عصية على الهزيمة رحلت، وبقيت الشعوب والأرض والذاكرة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاحتلال سيزول، وإنما متى وكيف، وبأي ثمن إضافي سيدفعه الفلسطيني والإسرائيلي معاً قبل أن تصل السياسة إلى الحقيقة التي كان ينبغي أن تصل إليها منذ زمن: لا أمن دائماً فوق غياب العدالة، ولا سلام حقيقياً من دون حرية، ولا مستقبل يمكن أن يُبنى على إنكار حقوق شعب بأكمله.

210

| 18 أغسطس 2026

حين يصبح البحر أقل قسوة من اليابسة

قبل أن تُغرق أمواج البحر أجسادهم، كانت قد أغرقت أرواحهم سنوات طويلة من الانتظار. آلاف الذين تدفقوا نحو سبتة المحتلة لم يكونوا مجرد مهاجرين يبحثون عن فرصة عمل، ولا مجرد شبان يطاردون الحلم الأوروبي، بل كانوا صورة مكثفة لمأساة الإنسان في العالم الثالث، حين يصبح اجتياز الحدود أكثر من مجرد انتقال جغرافي، بل احتجاجا صامتا على حياة لم تعد تُطاق. كان المشهد صادما في تفاصيله. رجال ونساء، أطفال وشيوخ، شباب في مقتبل العمر، بل وحتى عائلات كاملة، بعضهم سبح في البحر، وبعضهم اجتاز الأسلاك والحواجز، وكأن الجميع اتخذ القرار نفسه في اللحظة نفسها: لا شيء في الضفة التي نقف عليها يستحق البقاء. وهنا تكمن الدلالة الكبرى. فحين يهاجر الشباب يمكن تفسير الأمر بالبطالة أو الرغبة في تحسين الدخل، أما حين تهاجر النساء والأطفال وكبار السن، فإن القضية تصبح أعمق من الاقتصاد، وتتحول إلى أزمة ثقة في المستقبل نفسه. إنها لحظة يعلن فيها المجتمع، دون بيان سياسي، أن الأفق قد أُغلق. ولعل المفارقة الأكثر إيلاما أن الوجهة لم تكن دولة أوروبية بعيدة، بل مدينة مغربية ما تزال تحت الاحتلال الإسباني منذ أكثر من خمسة قرون. سبتة ليست مجرد نقطة حدودية، وإنما جرح مفتوح في الذاكرة المغربية. احتلتها البرتغال عام 1415 قبل أن تنتقل إلى التاج الإسباني، وظلت منذ ذلك الوقت رمزا لتعقيدات التاريخ والجغرافيا والسيادة. كانت المدينة يوما بوابة المغرب على المتوسط، فإذا بها تتحول إلى بوابة للهرب. غير أن اختزال ما جرى في خلاف سياسي بين الرباط ومدريد سيكون تبسيطا مخلا بالواقع. فما حدث يتجاوز العلاقات الثنائية، ليعكس مأزقا عالميا تعيشه مجتمعات الجنوب. فالعالم الثالث، رغم ما يملكه من ثروات بشرية وطبيعية، ما يزال عاجزا عن إنتاج الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة لملايين البشر. ولذلك أصبحت الحدود الشمالية للمتوسط أشبه بخط تماس بين عالمين: عالم يفيض بالفرص، وآخر يفيض بالإحباط. إن الإنسان لا يخاطر بحياته في البحر لأنه يحب المغامرة، وإنما لأنه فقد الخوف من الموت. فالذي يضع طفله في قارب مطاطي أو يقفز إلى الماء وهو لا يعرف السباحة، لا يكون قد انتصر على شجاعته، بل هزمته ظروفه. وحين يصبح البحر أقل رعبا من اليابسة، فإن المشكلة ليست في البحر، وإنما في اليابسة التي دفعت إليه. نحن أمام فصل من رواية طويلة تمتد من شواطئ السنغال إلى سواحل ليبيا، ومن أحياء القاهرة إلى ضواحي تونس والجزائر. إنها الحكاية نفسها التي تتكرر بلغات ولهجات مختلفة: شباب متعلم بلا فرصة، وأسر تكافح من أجل البقاء، ومدن تكبر فيها الأحلام أسرع من الاقتصاد، ودول تجد نفسها بين ضغوط التنمية ومطالب العدالة الاجتماعية. ولعل الدرس الأهم أن الأمن وحده لا يستطيع وقف الهجرة، كما أن الأسلاك الشائكة لا تستطيع إقناع الإنسان بالبقاء. فالحدود تُحمى بالتنمية أكثر مما تُحمى بالحواجز، والأوطان تستبقي أبناءها بالأمل قبل القوانين. وعندما يشعر المواطن بأن مستقبله ممكن داخل وطنه، يصبح البحر مجرد منظر طبيعي، لا طريقا للخلاص. في النهاية، لم يكن الذين اندفعوا نحو سبتة يبحثون عن أوروبا وحدها، بل كانوا يبحثون عن الكرامة. فالإنسان، في جوهره، لا يهاجر طلبا للترف، وإنما هربا من الإحساس بأن عمره يمضي بلا معنى. ولهذا ستظل صور الرجال والنساء والأطفال وهم يعبرون نحو سبتة أكبر من خبر عابر؛ إنها مرآة تعكس سؤالا موجعا أمام دول الجنوب كلها: لماذا أصبح الحد الأدنى من العيش الكريم حلما يستحق أن يُغامر الإنسان بحياته من أجله؟ ومن دون إجابة صادقة عن هذا السؤال، ستبقى البحار مزدحمة بالقوارب، وستظل الحدود تستقبل كل يوم أفواجا جديدة من الباحثين عن وطن يمنحهم ما عجزت أوطانهم عن منحه: فرصة حياة تليق بإنسانيتهم.

249

| 10 أغسطس 2026

هل دخلت العدالة الدولية قفص الاتهام؟

لم يكن كريم خان مجرد موظف دولي يشغل منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، بل أصبح، شاء أم أبى، وجهاً لصراع أكبر من شخصه، وأوسع من المؤسسة التي يمثلها. فمنذ أن طرق باب المساءلة في ملف غزة، بدا وكأن العدالة الدولية نفسها دخلت منطقة محظورة، حيث تتداخل السياسة بالقانون، وتتصارع المبادئ مع المصالح، وتصبح الحقيقة رهينة موازين القوة. قد تثبت الاتهامات الموجهة إلى خان، وقد تسقط أمام القضاء، فالأصل أن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته. لكن ما يثير الريبة ليس الاتهامات في حد ذاتها، وإنما السياق الذي وُلدت فيه، والتوقيت الذي تضخمت فيه، والنتيجة التي انتهت إليها. ففي عالم السياسة، لا تُقرأ الوقائع منفصلة عن سياقاتها، لأن الزمن نفسه قد يكون شاهداً، وقد يكون دليلاً. منذ أن أصدر كريم خان مذكرتي التوقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، دخلت المحكمة الجنائية الدولية في مواجهة غير مسبوقة مع قوى دولية نافذة. لم تعد القضية تتعلق فقط بتفسير مواد نظام روما، بل أصبحت تمس توازنات النظام الدولي، وحدود ما يسمح به الأقوياء من عدالة، وما يرفضونه إذا اقتربت من حلفائهم. لم يكن سراً أن الولايات المتحدة رفضت اختصاص المحكمة في هذه القضية، وذهبت إلى فرض عقوبات على مسؤولين فيها، كما لم يكن خافياً ما كشفته لاحقاً تقارير وتصريحات عن ضغوط مورست على المحكمة وعلى المدعي العام. وعندما تتراكم هذه الوقائع، يصبح من الطبيعي أن يتساءل الرأي العام: هل نحن أمام مساءلة قانونية خالصة، أم أمام معركة سياسية تستخدم فيها الأدوات القانونية؟ لقد ولدت المحكمة الجنائية الدولية على أنقاض قرن امتلأ بالمجازر، وكانت الفكرة بسيطة وعظيمة في آن واحد: ألا يكون هناك مجرم حرب فوق القانون. غير أن الطريق من الفكرة إلى التطبيق كان دائماً محفوفاً بالعوائق. فالمحكمة التي حاكمت قادة من دول ضعيفة، وجدت نفسها كلما اقتربت من القوى الكبرى أو حلفائها، تواجه حصاراً سياسياً وإعلامياً ومالياً، وكأن العدالة مسموح لها أن تعمل، شرط ألا تمس أصحاب النفوذ. وهنا تكمن المعضلة الأخلاقية قبل أن تكون القانونية. فالعالم لا يقيس استقلال القضاء بما يقوله القضاة عن أنفسهم، وإنما بقدرتهم على مقاومة الضغوط عندما تكون كلفة الاستقلال باهظة. وإذا ترسخ الانطباع بأن المدعي العام الذي يقترب من ملفات حساسة ينتهي معزولاً أو محاصراً، فإن الرسالة التي تصل إلى كل مسؤول دولي ستكون واضحة: حدود العدالة ترسمها السياسة. ولعل ما يزيد من قتامة المشهد أن هذه التطورات تأتي بينما لا تزال غزة تنزف، ولا تزال صور الأطفال تحت الركام تلاحق ضمير الإنسانية. ملايين البشر لم يكونوا يتابعون تفاصيل الإجراءات القانونية، بقدر ما كانوا يبحثون عن إشارة واحدة تؤكد أن العالم لم يفقد بوصلته الأخلاقية، وأن القانون ما زال قادراً على حماية الضعفاء، ولو رمزياً. لكن ما جرى أعاد إنتاج السؤال القديم: هل العدالة الدولية ميزان واحد، أم موازين متعددة تختلف باختلاف هوية الضحية وهوية المتهم؟ إن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات تستطيع أن تؤجل العدالة، لكنها لا تستطيع أن تلغيها. فكم من قوة ظنت أن نفوذها أبدي، ثم تحولت إلى فصل في كتب التاريخ، بينما بقيت ذاكرة الضحايا حية. العدالة قد تتعثر، وقد تُحاصر، وقد تُستغل أحياناً، لكنها تظل فكرة عصية على الموت، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلاً وهو يؤمن بأن القوة وحدها هي التي تصنع الحق. إن القضية اليوم ليست قضية كريم خان، بل قضية المحكمة الجنائية الدولية نفسها، بل قضية النظام الدولي الذي يرفع راية القانون ثم يتردد في الدفاع عنها عندما تتعارض مع مصالح الكبار. فإذا فقدت المحكمة ثقة الشعوب، فلن يكون ذلك بسبب شخص غادر منصبه، وإنما لأن الناس سيقتنعون بأن القانون لم يعد سيداً، بل تابعاً. وحين تصل البشرية إلى هذه القناعة، فإن الخسارة لن تكون خسارة مؤسسة أو مسؤول، بل خسارة آخر الأوهام الجميلة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية؛ الوهم الذي قال إن الإنسانية تعلمت من مآسيها، وإن الدم البشري أصبح متساوياً في ميزان العدالة. ويبقى السؤال معلقاً، لا أمام المحكمة وحدها، بل أمام العالم كله: من يحاكم الذين يحاكمون العدالة؟ ومن يعيد الثقة إلى قانون دولي يفقد، يوماً بعد يوم، هيبته الأخلاقية قبل سلطته القانونية؟

504

| 26 يوليو 2026

حين فرحت غزة بانتصار إسبانيا

لم تكن ليلة تتويج إسبانيا بكأس العالم مجرد لحظة رياضية عابرة بالنسبة لكثير من الفلسطينيين والعرب، ولا مجرد نتيجة على لوحة ملعب انتهت بصافرة حكم. ففي الوقت الذي كانت فيه القنابل تسقط على غزة، وكانت أصوات الطائرات الحربية تختلط بأصوات النازحين والثكالى، وجد آلاف الفلسطينيين في انتصار المنتخب الإسباني مساحة نادرة للفرح، ورسالة رمزية تتجاوز حدود كرة القدم إلى معاني العدالة والتضامن والإنسانية. قد يبدو غريباً أن يبحث شعب يعيش تحت القصف عن لحظة ابتهاج في مباراة كرة قدم، لكن التاريخ الفلسطيني لطالما كان شاهداً على أن الإنسان لا يتخلى عن حقه في الفرح حتى في أحلك الظروف. فالفرح في زمن المأساة ليس ترفاً، بل فعل مقاومة للحصار النفسي ومحاولة للتمسك بالحياة في مواجهة محاولات تحويل الإنسان إلى مجرد رقم في نشرات الأخبار. لم يكن انحياز الفلسطينيين لإسبانيا وليد تسعين دقيقة في ملعب، بل جاء امتداداً لصورة سياسية وإنسانية تشكلت خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتبط اسم إسبانيا، في الوعي الفلسطيني والعربي، بمواقف سياسية أكثر قرباً من خطاب العدالة الدولية، وبأصوات داخل المجتمع الإسباني رفعت شعارات التضامن مع فلسطين، وخرجت في مظاهرات واسعة تندد بالحرب على غزة وتطالب بوقف قتل المدنيين. وفي خضم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون، تحولت رايات إسبانيا التي رفعت في شوارع غزة والضفة ومخيمات اللجوء إلى أكثر من احتفاء رياضي؛ فقد حملت معنى رمزياً يتعلق بالبحث عن صوت آخر في عالم بدا لكثيرين عاجزاً عن وقف نزيف الدم الفلسطيني. كانت لحظة شعر فيها البعض بأن هناك شعوباً ما زالت ترى الإنسان قبل الحسابات السياسية، وترى في معاناة المدنيين قضية أخلاقية لا مجرد ملف دبلوماسي. ولم تكن المفارقة غائبة عن المشهد. ففي المدينة التي أنجبت الشاعر الفلسطيني معين بسيسو، الذي حمل غزة إلى القصيدة وجعل من معاناة شعبه جزءاً من الذاكرة الإنسانية، كانت أصوات الاحتفال تتحدى واقعاً قاسياً من الدمار والخوف. غزة التي عرفت كيف تحول الألم إلى شعر، وكيف تجعل من الصمود لغة يومية، وجدت في انتصار رياضي عابر لحظة لاستعادة شيء من الحياة التي تحاول الحرب انتزاعها. لقد كان التعاطف مع المنتخب الإسباني أيضاً تعبيراً عن صورة أوسع في العالم العربي، حيث وجد كثيرون في إسبانيا نموذجاً لدولة أوروبية اختارت، في لحظات عديدة، اتخاذ مواقف أكثر استقلالية عن المزاج السياسي الغربي التقليدي تجاه القضية الفلسطينية. وقد تعزز هذا الشعور مع مواقف الحكومة الإسبانية التي دعت إلى الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، وانتقدت سياسات الاحتلال، وطالبت بحماية المدنيين. لكن المسألة لا تتعلق بإسبانيا وحدها، ولا بالسياسة الرسمية فقط. فالرياضة كثيراً ما تتحول إلى مرآة تعكس الصراعات والقيم التي تعيشها المجتمعات. وكما حمل لاعبون فلسطينيون وعرب في مناسبات رياضية سابقة أعلام فلسطين إلى منصات عالمية، وكما رفع لاعبو المنتخب المغربي العلم الفلسطيني خلال مونديال قطر، فإن الملعب لم يعد مجرد مساحة للتنافس، بل أصبح أيضاً مساحة للتعبير عن الهوية والذاكرة والمواقف الإنسانية. في المقابل، فإن انحياز الفلسطينيين لإسبانيا لا يعني بالضرورة خصومة مع الشعب الأرجنتيني أو إنكاراً لمكانة الكرة الأرجنتينية وتاريخها الكبير. فالجماهير لا تختار دائماً منطقياً أو وفق حسابات رياضية بحتة؛ أحياناً تختار وفق الرموز والمعاني التي تراها في اللحظة التاريخية. وفي زمن الحرب، تصبح الإشارات الصغيرة ذات أثر كبير، وتتحول التفاصيل إلى رسائل. لقد أثبتت هذه اللحظة مرة أخرى أن كرة القدم أكبر من كونها لعبة. فهي قد تصبح لغة مشتركة بين شعوب بعيدة، ومنصة تعبر من خلالها المجتمعات عن أحلامها وغضبها وآمالها. وقد تكون أحياناً الملاذ الأخير لشعب محاصر يبحث عن نافذة يرى منها العالم بصورة مختلفة. فرحة الفلسطينيين بانتصار إسبانيا لم تكن هروباً من واقعهم، بل كانت عودة مؤقتة إلى إنسانيتهم التي تحاول الحرب سحقها. ففي وسط الركام، أرادوا أن يقولوا إنهم ما زالوا قادرين على الفرح، وأن الإنسان الذي يفقد بيته أو أحباءه لا يفقد بالضرورة حقه في لحظة ابتسام. وربما تكون الرسالة الأعمق في تلك الليلة أن الشعوب لا تُقاس فقط بما تحمله من آلام، بل أيضاً بقدرتها على الاحتفاظ بالأمل. فحتى تحت القصف، يمكن لكرة تتدحرج في ملعب بعيد أن تصل إلى قلب مدينة محاصرة، وتحمل معها لحظة فرح صغيرة تقول إن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت تقاوم.

354

| 20 يوليو 2026

الأمير الذي منح الحلم العربي شاشةً وصوتاً

لم أعرف الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن قرب. لم أجلس إليه مرة، ولم أعمل في قطر، ولم أكن يومًا جزءًا من مؤسساتها الإعلامية. لكنني، مثل ملايين العرب، عشت أثر الرجل أكثر مما عرفت سيرته، وعرفت مشروعه أكثر مما عرفت شخصه. فهناك رجال لا تحتاج إلى مصافحتهم حتى تلمس بصماتهم في حياتك، لأنهم يغيرون المجال العام الذي يعيش فيه الجميع، ويصنعون مناخًا جديدًا للتفكير والأمل. أنتمي إلى جيل عربي ولد في زمن الهزائم، وكبر وهو يراقب كيف تتراجع فكرة الأمة، وكيف تتحول الدولة إلى جهاز يخشى الكلمة أكثر مما يخشى الاحتلال، وكيف يصبح الإعلام مرآة للسلطة لا نافذة على المجتمع. كان ذلك جيلاً يبحث عن أي دليل يثبت أن العرب ما زالوا قادرين على إنتاج مشروع كبير، وأنهم ليسوا مجرد مستهلكين لما يصنعه الآخرون. ثم جاءت الجزيرة. لم تكن مجرد قناة تلفزيونية. كانت حدثًا حضاريًا قبل أن تكون مؤسسة إعلامية. كانت إعلانًا بأن العقل العربي يستطيع، إذا توفرت له الإرادة السياسية، أن ينافس أكبر المؤسسات الإعلامية في العالم، وأن يصنع نموذجًا مهنيًا مختلفًا، وأن يفرض نفسه على أجندة الأخبار الدولية. ولعل أعظم ما فعله الأمير الوالد أنه لم يبنِ مبنى، بل بنى فكرة. لم يستثمر في أجهزة البث وحدها، بل استثمر في الإنسان العربي. جمع من مختلف الأقطار نخبة من ألمع الصحفيين والمفكرين والمخرجين والمراسلين والمنتجين، ممن ضاقت بهم أوطانهم أو ضاقت أوطانهم بأحلامهم، ومنحهم فرصة نادرة ليصنعوا إعلامًا يليق بأمة تبحث عن صوتها. كانت الجزيرة، بالنسبة لكثيرين منا، أول جامعة عربية مفتوحة في السياسة والفكر والإعلام. منها تعرفنا إلى مدارس صحفية متعددة، وإلى مناظرات كانت محرمة، وإلى معارضين لم يكن أحد يسمع أصواتهم، وإلى مسؤولين وجدوا أنفسهم لأول مرة أمام أسئلة حقيقية. والأهم أنها جعلت المشاهد العربي يشعر بأن رأيه له قيمة، وأن الخبر ليس ملكًا للحاكم وحده. قد يختلف الناس في تقييم الجزيرة، وقد تختلف الآراء حول بعض خياراتها أو تغطياتها، فهذا شأن كل تجربة بشرية كبرى. لكن ما يصعب إنكاره هو أنها غيرت تاريخ الإعلام العربي إلى الأبد، وأنها صنعت قبل وبعد عام 1996 خطًا فاصلًا بين زمنين. ولم يكن ذلك الإنجاز منفصلًا عن رؤية الأمير الوالد. فقد أدرك مبكرًا أن النفوذ في العصر الحديث لا يصنعه المال وحده، ولا القوة العسكرية وحدها، بل تصنعه المعرفة، والإعلام، والقدرة على مخاطبة العالم بلغته، مع الاحتفاظ بالهوية والثقة بالنفس. كان ذلك رهانًا حضاريًا أكثر منه رهانًا سياسيًا. لقد آمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأبقى. ولذلك لم تقتصر التجربة على الإعلام، بل امتدت إلى التعليم، والبحث العلمي، والدبلوماسية، والرياضة، والثقافة، لتصبح قطر، خلال سنوات قليلة، اسمًا حاضرًا في ملفات كانت حكرًا على الدول الكبرى. وبالنسبة لنا نحن الذين كنا نراقب من بعيد، لم تكن المسألة إعجابًا بدولة بقدر ما كانت إعجابًا بإمكانية عربية كانت تبدو مستحيلة. كان السؤال الذي يرافقنا دائمًا: إذا استطاعت دولة عربية أن تنجز هذا المشروع، فلماذا لا تستطيع بقية الدول أن تصنع مشاريعها الخاصة؟ ولماذا أصبح الاستثناء هو النجاح، بينما يفترض أن يكون القاعدة؟ إن إرث الأمير الوالد لا يقاس فقط بما شُيّد من مؤسسات، وإنما بما أعاد زرعه في الوعي العربي من ثقة بالقدرة على الفعل. ففي زمن كانت فيه المنطقة تتقن تبرير عجزها، جاءت تجربة قطر لتقول إن الإرادة السياسية تستطيع أن تغير موازين كثيرة، وأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. وربما لهذا السبب تجاوز تأثير الرجل حدود بلده. فقد أصبح جزءًا من ذاكرة جيل كامل من الإعلاميين والباحثين والمثقفين الذين وجدوا في تلك التجربة نافذة على عالم عربي مختلف؛ عالم يؤمن بالكفاءة أكثر من الولاء، وبالاحتراف أكثر من الدعاية، وبالطموح أكثر من الخوف. حين يرحل أصحاب المشاريع الكبرى، لا يترك رحيلهم فراغًا في المواقع، بل يترك فراغًا في الخيال. لأن المؤسسات يمكن أن تستمر، لكن الروح المؤسسة هي الأصعب في التعويض. وفي رثاء الأمير الوالد، لا أرثي رجل دولة فحسب، بل أرثي واحدًا من آخر القادة العرب الذين امتلكوا الجرأة على أن يحلموا خارج المألوف، وأن يمنحوا ذلك الحلم مؤسسات تعيش بعدهم. لقد أثبت أن المشروع العربي ليس مستحيلًا، وأن الأمة التي تنجح في صناعة منبر عالمي، تستطيع – إذا امتلكت الإرادة نفسها – أن تصنع نهضتها أيضًا. رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي لم يكتفِ بأن يكتب فصلًا في تاريخ قطر، بل ساهم في كتابة فصل مضيء من تاريخ الوعي العربي الحديث. غير أن المشاريع الكبرى لا تُقاس فقط بما ينجزه مؤسسوها، وإنما بقدرتها على الاستمرار بعدهم. وهذه ربما تكون إحدى أهم رسائل تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني؛ إذ لم يكن ما بناه مشروعًا عابرًا ارتبط بشخصه، بل رؤية وجدت من يحملها ويواصل تطويرها. لقد انتقل المشعل إلى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، واستمرت الدولة في تثبيت الخيار نفسه: الاستثمار في الإنسان، وفي المعرفة، وفي الإعلام، وفي الدبلوماسية، وفي جعل الحضور القطري قائمًا على المبادرة لا على رد الفعل. وبين كل الملفات التي خاضتها قطر، بقيت فلسطين عنوانًا أخلاقيًا وسياسيًا لهذا الحضور، وبقي أهلها في قلب هذا الالتزام، ليس بوصفهم ورقة للمزايدة، وإنما باعتبارهم قضية عدل وكرامة وحق، وبوصفها أيضًا البوابة التي تتجلى فيها المنافسة العربية الشريفة على خدمة الإنسان والدفاع عن قيم الحرية والعدالة. ولذلك، فإن رثاء الأمير الوالد ليس بكاءً على مرحلة انتهت، بقدر ما هو تأمل في تجربة أثبتت أن الأفكار العظيمة لا تموت برحيل أصحابها، وأن الدول التي تؤسس لمشاريع حضارية حقيقية تضمن لنفسها الاستمرار عبر تعاقب الأجيال. لقد غاب الرجل، لكن المشعل لم ينطفئ، وما زالت الرؤية التي آمنت بأن للعرب مكانًا تحت شمس العصر، وبأن الإنسان العربي قادر على الفعل والإبداع وصناعة التاريخ، تجد من يحملها ويواصل السير بها إلى الأمام.

273

| 13 يوليو 2026

ما الذي يليق بالكتاب بعد سقوط الاستبداد؟

ليست قيمة الثورات في أنها تبدّل الحكام فحسب، بل في أنها تغيّر أخلاق المجال العام. وأخطر ما يمكن أن يحدث بعد سقوط الاستبداد أن تنتقل أدواته من يد إلى أخرى، وأن يبقى المنطق نفسه، وإن تغيّرت الشعارات والأسماء. ومن هذا الباب، تبدو الطريقة التي يجري بها التعاطي مع اتحاد الكتاب العرب في سوريا، وما رافقها من منح عضوية شرف لاتحاد كتاب سوريا الأحرار، مناسبة للتأمل أكثر منها مناسبة للاصطفاف. فالقضية لا تتعلق بمؤسسة ثقافية فحسب، وإنما بالسؤال الأكبر: كيف ينبغي للدولة الجديدة أن تنظر إلى الثقافة؟ وكيف ينبغي للكتّاب أنفسهم أن يتعاملوا مع ماضيهم المختلف؟ قد يكون من الطبيعي أن يشعر كثيرون بالمرارة تجاه مؤسسة تحولت، عبر عقود، إلى أحد الأذرع الثقافية للنظام السابق، وأن يتطلعوا إلى قطيعة واضحة مع إرثها. فهذا الاتحاد، في مراحل طويلة، لم يكن مجرد بيت للأدباء، بل كان، في كثير من الأحيان، جزءاً من البنية الرمزية التي منحت الاستبداد غطاءً ثقافياً، وأقصت أصواتاً كثيرة دفعت ثمن استقلالها نفياً وسجناً ومنعاً. لكن من الطبيعي أيضاً ألا تتحول لحظة التحرر إلى لحظة تشفٍّ. فآخر ما ينبغي أن يتميز به الكاتب هو التشفي. الكاتب، بحكم مهنته الأخلاقية قبل موهبته الفنية، مطالب بأن يرى الإنسان حتى في خصمه، وأن يدافع عن العدالة لا عن الانتقام، وعن الحقيقة لا عن تصفية الحسابات. وإذا كان السياسي قد يجد في الإقصاء وسيلة لإدارة الصراع، فإن الكاتب يفقد شيئاً من جوهره كلما اقترب من هذه الغريزة. فالكتابة، في جوهرها، فعل تجاوز لا فعل ثأر. ولعل أكثر ما يميز المبدع الحقيقي هو فرادته. إنه لا يعيش داخل القطيع، حتى لو كان هذا القطيع على حق. إنه يحتفظ دائماً بمسافة نقدية بينه وبين السلطة، أي سلطة، وبين الجماعة، أي جماعة. ولذلك كانت علاقة الإبداع بالتبعية علاقة ملتبسة عبر التاريخ. فالكاتب الذي يتحول إلى موظف سياسي، مهما كانت القضية التي يدافع عنها نبيلة، يخسر جزءاً من حريته، ومع الوقت يخسر شيئاً من تأثيره أيضاً. إذ يصبح صوته متوقعاً، وموقفه معروفاً سلفاً، فتغيب عنه المفاجأة التي هي روح الأدب، ويذبل فيه السؤال الذي هو روح الفكر. ليست المشكلة أن يكون للكاتب موقف سياسي، فالأدب العظيم لم يولد في الفراغ، وإنما المشكلة أن تتحول السياسة إلى وصي على الخيال، أو أن تتحول المؤسسة الحزبية إلى مرجعية نهائية للضمير الثقافي. ولعل التجربة السورية تقدم نماذج بالغة الدلالة. فالمفكر الطيب تيزيني، الذي ظل سنوات محسوباً على الفضاء الفكري اليساري القريب من السلطة في بعض مراحله، انتهى به الأمر إلى الوقوف مع مطالب الحرية حين انفجرت الثورة، مدركاً أن الفكر إذا لم ينحز إلى الإنسان فقد قيمته كلها. وكذلك فعل صادق جلال العظم، الذي لم يكن خصماً تقليدياً للنظام في كل مراحل حياته، لكنه لم يتردد في إعلان موقف واضح إلى جانب الثورة عندما أصبحت الدماء السورية هي الحقيقة الكبرى التي لا يجوز للفيلسوف أن يتجاوزها. ولم يكن هذان النموذجان استثناءً كاملاً. فقد عرف الوسط الثقافي السوري عدداً من المثقفين والكتّاب اليساريين الذين استفادوا، بدرجات متفاوتة، من فضاء حكم البعث ومؤسساته الثقافية، لكنهم عندما تحولت البلاد إلى ساحات قتل واعتقال وتهجير، اكتشفوا أن الانتماء الأخلاقي أعلى من الانتماء الحزبي، وأن الدم يعيد ترتيب الأولويات كلها. وهنا تكمن قيمة المثقف الحقيقي. إنه لا يقاس بعدد بيانات التأييد التي كتبها، ولا بعدد المناصب الثقافية التي شغلها، بل بقدرته على مراجعة نفسه عندما تتغير الوقائع، وبشجاعته في الاعتراف بأن الإنسان أهم من الأيديولوجيا. ولهذا، فإن الدولة السورية الجديدة ستكون أمام اختبار بالغ الحساسية. هل ستبني مؤسسات ثقافية مستقلة، يتساوى فيها الجميع أمام معايير الإبداع والكفاءة؟ أم ستستبدل ولاءً بولاء، واتحاداً باتحاد، وقائمة سوداء بقائمة أخرى؟ إن منح التكريم أو عضوية الشرف لأي كيان ثقافي قد يحمل دلالة رمزية مفهومة في سياق الاعتراف بتضحيات كتّاب حُرموا طويلاً من حقهم الطبيعي في التعبير، لكن هذا الاعتراف يفقد جزءاً من معناه إذا تحول إلى إعلان انتصار فريق ثقافي على فريق آخر. فالثقافة ليست ساحة غلبة، وإنما فضاء تعدد. لقد عانت سوريا طويلاً من اتحادات تكتب وفق ما تريده السلطة، لا وفق ما يمليه الضمير. ولن يكون من الحكمة أن تنتقل من نموذج يحتكر الثقافة باسم الدولة إلى نموذج يحتكرها باسم الثورة. فالحرية لا تتجزأ. والمؤسسة الثقافية التي تولد من رحم الحرية يجب أن تتسع لكل صاحب قلم، مهما اختلفت خلفيته، ما دام لم تتلطخ يده بالتحريض على القتل أو التبرير المباشر للاستبداد. أما الاختلاف الفكري والسياسي، فهو مادة الثقافة، لا سبب إلغائها. إن الأمم التي تخرج من الحروب تحتاج إلى ذاكرة عادلة، لا إلى ذاكرة منتقمة. وتحتاج إلى كتّاب يضمدون الجراح، لا إلى كتّاب يوسعونها. فالثورات قد تنتصر بالسلاح، لكنها لا تنتصر في التاريخ إلا بالأخلاق. وأحسب أن الكاتب السوري اليوم أمام فرصة نادرة ليعيد تعريف دوره. ليس بوصفه تابعاً للسلطة الجديدة، ولا ناطقاً باسم المعارضة القديمة، وإنما بوصفه ضميراً مستقلاً للأمة، يراقب الجميع، وينتقد الجميع، وينحاز دائماً إلى الإنسان. ففي النهاية، لا يبقى من الأنظمة إلا ما تكتبه عنها الكتب، ولا يبقى من الثورات إلا ما يحفظه الأدب. أما الكاتب، فلا يخلده انتصاره على خصومه، وإنما يخلده انتصاره على نزعة التشفي داخله، وتمسكه بحريته حتى وهو يقف في صف العدالة.

321

| 09 يوليو 2026

حين عدت إلى جامعة محمد الخامس..

قبل أكثر من ثلاثة عقود، وتحديداً في صيف عام 1994، كنت أغادر الرباط باتجاه دمشق. لم تكن رحلة عادية بين مدينتين، بل انتقالاً بين مرحلتين من العمر، وبين فضاءين سيصنعان لاحقاً كثيراً من تكويني الفكري والإنساني. كنت قد أنهيت دراستي الجامعية في القسم الأدبي بجامعة محمد الخامس، وحصلت على شهادة البكالوريوس في اللغة والأدب، ثم شددت الرحال إلى عاصمة الشرق الأوسط دمشق، أحمل في حقيبتي كتباً قليلة، وفي قلبي حنيناً كبيراً إلى مدارج تلك الجامعة، وإلى زملاء وأساتذة تعلمت على أيديهم أولى أبجديات التفكير في الأدب، ثم في الفكر، ثم في السياسة. كنت أظن أن السنوات ستفعل فعلها، وأن المدن الجديدة ستطغى على المدن الأولى، لكنني اكتشفت أن الجامعات تشبه الأمهات؛ قد تغادرها، لكنها لا تغادر ذاكرتك أبداً. ولذلك، حين عدت بعد أكثر من ثلاثين عاماً إلى كلية الحقوق بجامعة محمد الخامس ـ أكدال، على مرأى حجر من مدرجات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مشاركاً في الندوة الوطنية التي نظمتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، بشراكة مع مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية والجمعية المغربية للعلوم السياسية، شعرت أنني لا أعود إلى قاعة أكاديمية فحسب، بل أعود إلى جزء من سيرتي الشخصية. كان عنوان الندوة: "في طبيعة ومعنى اللحظة الدولية الراهنة"، وهو عنوان يلامس سؤالاً يشغل العالم كله، لكنه بالنسبة إلينا نحن العرب ليس سؤالاً أكاديمياً مجرداً، بل سؤال وجود ومصير. فنحن لسنا مراقبين لما يجري في العالم، وإنما نقف في قلب الزلزال، وتدور أغلب الحروب والصراعات الكبرى فوق أرضنا، أو على حدودها، أو بأدوات من داخلها. في الورقة التي قدمتها، حاولت أن أميز بين الحدث والتحول. فليس كل حدث كبير تحولاً تاريخياً، لكن التحولات هي الاتجاهات العميقة التي تعيد تشكيل النظام الدولي والسياسات العالمية لعقود مقبلة. وانطلاقاً من هذا الفهم، رأيت أن العالم، ولا سيما المنطقة العربية، يعيش منذ نهاية القرن العشرين، وتسارعاً منذ العقد الأخير، سلسلة من التحولات البنيوية التي لا يمكن قراءتها منفصلة عن بعضها. توقفت أولاً عند تراجع القطبية الأحادية، وصعود الصين وعودة روسيا لاعباً دولياً، مع ما رافق ذلك من اهتزازات في بنية النظام الدولي، وإن ظل النفوذ الأمريكي حاسماً، خصوصاً في منطقتنا العربية. ثم ناقشت صعود الشعبوية واليمين المتطرف في الغرب، وما ترتب عنه من تصاعد العنصرية، والتضييق على الجاليات العربية والإسلامية، وإعادة تعريف المصالح الغربية على نحو أكثر أنانية وخشونة. لكن التحول الأخطر، في تقديري، كان ذلك الذي أصاب العالم العربي نفسه. فمنذ الثورات العربية عامي 2010 و2011، شهدنا اصطفافاً غربياً وإقليمياً مع قوى الثورة المضادة، تحت عناوين الاستقرار ومحاربة الإرهاب، بينما كانت النتيجة الفعلية إعادة إنتاج الاستبداد، وتوسيع دوائر الفساد، ومحاصرة التجارب الديمقراطية الوليدة، وإغلاق المجال العام أمام القوى المجتمعية. أما فلسطين، فقد كانت في قلب الورقة، لأنها في الحقيقة أصبحت في قلب التحولات الدولية نفسها. فحرب الإبادة على غزة لم تكن مجرد عدوان جديد على الفلسطينيين، وإنما كشفت انهيار كثير من المنظومات الأخلاقية والقانونية التي ادعى الغرب لعقود أنه حارسها. كما كشفت في المقابل يقظة غير مسبوقة داخل المجتمعات الغربية، حيث أخذت الجامعات، والنخب الثقافية، والحركات الشبابية، تعيد النظر في السردية الصهيونية، وتتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني ضد استعمار استيطاني وفصل عنصري. وتناولت كذلك التحولات التكنولوجية الكبرى، وعلى رأسها ثورة الذكاء الاصطناعي، باعتبارها ساحة جديدة للصراع بين الدول الكبرى، لكنها في الوقت نفسه تفرض على العرب تحديات غير مسبوقة في مجالات المعرفة والإعلام والسيادة الرقمية. وخلصت إلى أن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يحدث في العالم؟ بل: أين موقع العرب من هذه التحولات؟ وهل سيبقون مجرد ساحات للصراع بين الآخرين، أم يتحولون إلى فاعلين في صناعة مستقبلهم؟ لم تكن الندوة مجرد مناسبة للحديث، بل كانت مناسبة للإصغاء أيضاً. ففي الجلسات التي أدارها ونظمها ثلة من الأساتذة والباحثين، استمعت إلى قراءات عميقة ومتكاملة حول النظام الدولي الجديد، وموقع المغرب في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، والعلاقات المغربية الأوروبية، وتحولات السياسة الخارجية المغربية، وهو ما جعل اللقاء أقرب إلى ورشة فكرية جماعية لفهم عالم يتغير بسرعة تفوق قدرتنا على اللحاق به. وكان مما زاد هذا اللقاء قيمة أنني تشرفت بالمشاركة إلى جانب أسماء أكاديمية وفكرية وازنة، في مقدمتها الأستاذ الدكتور سعيد الصديقي، والأستاذ الدكتور إسماعيل حمودي، والأستاذ الدكتور علي كريمي، والأستاذ الدكتور عبد الحميد بن خطاب، والأستاذ الدكتور مصطفى السحيمي، والأستاذ الدكتور رضا الفيلالي حوز، والأستاذ الدكتور إسماعيل قطرب، والأستاذ الدكتور نور الدين الإدريسي، وتحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد الله ساعف، أحد أبرز أعلام الفكر السياسي المغربي والعربي. خرجت من الجامعة وأنا أشعر بأن الزمن لا يمضي دائماً إلى الأمام. أحياناً يعود بك إلى البدايات، لا لتعيشها من جديد، وإنما لتدرك أن بعض الأمكنة لا تنتهي صلاحيتها في القلب. جامعة محمد الخامس كانت بالنسبة إليّ أكثر من مؤسسة تعليمية؛ كانت أول نافذة أطللت منها على الأدب، ثم على الفكر، ثم على السياسة. وبعد أكثر من ثلاثين عاماً، أدركت أنها ما تزال تفتح النافذة نفسها، ولكن على عالم أكثر اضطراباً.. وأكثر حاجة إلى الفكر. وأنا أغادر جامعة محمد الخامس، لم يكن يغادرني إحساس آخر لا يقل أهمية عن النقاشات الفكرية التي شهدتها قاعاتها؛ وهو أن المغرب، رغم ما يحيط بالمنطقة من عواصف وحروب واستقطابات حادة، يواصل إدارة شؤونه الداخلية بكثير من الحكمة والاتزان وعمق الدولة وعراقة المجتمع. ففي الوقت الذي تتقاذف فيه المنطقة أسئلة المصير، يحتضن المغرب حوارات فكرية رصينة، ونقاشات سياسية وطنية هادئة وعقلانية، يستعد من خلالها لاستحقاقاته الديمقراطية المقبلة، وفي مقدمتها الانتخابات التشريعية، بما يعكس حيوية مؤسساته وقدرة نخبه على إدارة الاختلاف داخل إطار الاستقرار. وعلى الضفة الأخرى من الحياة، كان المغاربة، كما عهدتهم دائماً، يلتفون حول منتخبهم الوطني لكرة القدم في مشواره نحو كأس العالم، لا باعتبار كرة القدم مجرد لعبة، بل باعتبارها لحظة وطنية جامعة، يلتقي فيها الاعتزاز بالهوية مع الثقة بالنفس، ويعبّر فيها شعب عريق عن طموحه المشروع إلى مكانة تليق بتاريخ المغرب وحضارته وحضوره المتجدد بين الأمم. ولعلها واحدة من أجمل مفارقات هذا البلد؛ أن يجمع، في اللحظة نفسها، بين هدوء الفكر، وحيوية السياسة، ودفء الانتماء، فيظل قادراً على صناعة الأمل، حتى في زمن يبدو فيه العالم أقل اطمئناناً وأكثر اضطرابا.

450

| 29 يونيو 2026

لماذا يستحق النموذج المغربي التأمل؟

في عالم عربي تتعثر فيه السياسة بين الاستقطاب الحاد والانقسامات المزمنة، وتتحول فيه الانتخابات أحيانًا إلى مجرد طقوس شكلية أو ساحات للتنازع الذي يهدد وحدة المجتمعات، يطل المغرب كتجربة تستحق التأمل والتقدير. ليس لأنه بلغ الكمال، فالكمال ليس من صفات الدول ولا من طبائع البشر، ولكن لأنه نجح، إلى حد بعيد، في بناء نموذج سياسي قائم على التدرج والتراكم والاحتكام إلى المؤسسات، نموذج يجعل من الاختلاف مصدرًا للحيوية لا سببًا للقطيعة، ومن التنافس وسيلة لخدمة الوطن لا معبرًا لتدمير الخصوم. في المغرب لا يدخل المواطن إلى موسم الانتخابات وهو يبحث عن أسماء مجهولة أو وجوه عابرة. الأحزاب السياسية هناك ليست نباتًا موسميًا ينبت عند كل استحقاق ثم يذبل بعده، بل هي مؤسسات صنعتها عقود من العمل السياسي والتجربة الميدانية والتفاعل مع المجتمع. أحزاب من اليمين واليسار والوسط، لكل منها رموزه وقياداته وتاريخه وخطابه وجمهوره. قد يختلف المغاربة حول البرامج والتوجهات، لكنهم يدركون أن الاختلاف جزء من الحياة السياسية السليمة، وأن التنافس الحقيقي لا يكون إلا بين مشاريع معلومة وأطراف معروفة. وهذا ما يمنح المشهد السياسي المغربي خصوصيته. فالمتنافسون يتدافعون بقوة داخل الفضاء العام، لكنهم لا يتحولون إلى أعداء وجوديين. يتناظرون في البرلمان، ويتنافسون في البلديات والجهات، ويحتكمون إلى صناديق الاقتراع، ثم يجتمعون جميعًا تحت سقف الدولة والمصلحة الوطنية. إنها ثقافة سياسية نادرة في محيط إقليمي دفعت فيه بعض الدول أثمانًا باهظة بسبب غياب التقاليد الديمقراطية وضعف الثقة بين الفاعلين السياسيين. لا يعني ذلك أن التجربة المغربية خالية من العيوب أو أن مسارها الديمقراطي انتهى إلى غاياته النهائية. فما زالت هناك تحديات اقتصادية واجتماعية وتنموية، وما زالت هناك أسئلة يطرحها المواطنون والنخب حول جودة التمثيل السياسي وفاعلية المؤسسات. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن المغرب استطاع أن يراكم خبرة سياسية جعلته يقدم نموذجًا للاستقرار والإصلاح المتدرج في زمن الاضطرابات الكبرى. ولعل من أبرز ما يميز التجربة المغربية، مقارنة بكثير من التجارب العربية المعاصرة، أنها اختارت في مراحل مفصلية من تاريخها مسار الاحتواء والمصالحة بدل الإقصاء والاستئصال. ففي الوقت الذي دخلت فيه أنظمة عربية عديدة في مواجهات مفتوحة مع القوميين واليساريين والإسلاميين، انتهى بعضها بالسجون والمنافي والمقابر، سعى المغرب، عبر مسار طويل ومعقد، إلى فتح المجال أمام مختلف التيارات للمشاركة في الحياة العامة ضمن قواعد الدولة ومؤسساتها. وقد شكلت تجربة الإنصاف والمصالحة محطة فارقة في هذا المسار، ليس لأنها أغلقت كل ملفات الماضي، وإنما لأنها كرست مبدأ الاعتراف بالأخطاء والسعي إلى تجاوزها. ومن رحم هذا التطور السياسي أمكن لليسار المغربي، الذي كان في مراحل سابقة جزءًا من المعارضة التاريخية، أن يصل إلى قيادة الحكومة في شخص الراحل عبد الرحمن اليوسفي، في تجربة تداول اعتُبرت آنذاك من أبرز محطات الانفتاح السياسي في العالم العربي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل التيار الإسلامي الذي وصل إلى رئاسة الحكومة عبر صناديق الاقتراع في شخص عبد الإله بنكيران، ثم سعد الدين العثماني، في سابقة تؤكد أن الدولة المغربية اختارت إدماج الفاعلين السياسيين المختلفين بدل دفعهم إلى الهامش. وحتى الجماعات التي بقيت خارج المؤسسات الرسمية، مثل جماعة العدل والإحسان، ظلت تمارس أنشطتها السياسية والفكرية وتصدر بياناتها وتدير شؤونها في المجال العام وتحت أعين الجميع، ضمن حدود القانون وما تسمح به التوازنات السياسية، لا في السراديب المظلمة ولا في المنافي البعيدة. وربما كان هذا أحد أسرار الاستقرار المغربي؛ فالدولة التي تفسح المجال للاختلاف المنظم، مهما كانت حدته، تكون أقل حاجة إلى إدارة الصراعات بالقوة، وأكثر قدرة على تحويل التنوع السياسي إلى عنصر من عناصر التوازن الوطني. غير أن الإشادة بالتجربة المغربية لا ينبغي أن تتحول إلى تجاهل لما يعتريها من نواقص أو ما يثار حولها من ملاحظات وانتقادات. فهناك، بلا شك، أصوات حقوقية وسياسية تتحدث عن تضييقات أو انتهاكات تطول بعض أصحاب الرأي والصحفيين والنشطاء، وهي قضايا لا يصح القفز فوقها أو التقليل من أهميتها. بل إن قوة أي تجربة سياسية تقاس أيضًا بقدرتها على الإصغاء إلى النقد ومعالجة مواطن الخلل وتوسيع فضاءات الحرية. وكثير من المغاربة أنفسهم لا ينكرون وجود هذه الإشكالات، بل يعتبرون أن المحافظة على المكتسبات السياسية والمؤسساتية تستوجب مواصلة الإصلاح وتعزيز الضمانات القانونية والحقوقية، حتى يظل التطور الديمقراطي مسارًا متجددًا لا محطة مكتملة. فالاعتراف بالنقائص لا ينتقص من قيمة الإنجازات، بل يمنحها مصداقية أكبر ويجعل السعي إلى تحسينها واجبًا وطنيًا مستمرًا. ولعل ما يميز هذا البلد أكثر من غيره أن السياسة فيه ليست منفصلة عن المجتمع. فخلف الأحزاب والمؤسسات يقف شعب يمتلك رصيدًا هائلًا من التماسك والتضامن والشعور بالانتماء. وهذا ما ظهر بأجلى صورة خلال المحن والكوارث التي عرفتها المملكة خلال السنوات الأخيرة. حين ضرب زلزال الحوز مناطق واسعة من البلاد، لم يكن المشهد مجرد استجابة رسمية لكارثة طبيعية، بل كان ملحمة وطنية شارك فيها الجميع. رأى العالم قرى منكوبة، لكنه رأى أيضًا شعبًا يتحرك كجسد واحد. مئات القوافل وآلاف المتطوعين ومبادرات لا حصر لها انطلقت من مختلف المدن والجهات نحو المناطق المتضررة. لم يكن السؤال عن الهوية السياسية أو الاجتماعية للمنكوبين، بل كان السؤال الوحيد: كيف نصل إليهم؟ وكيف نخفف عنهم آلامهم؟ وتكرر المشهد ذاته مع الفيضانات والكوارث الطبيعية التي عرفتها بعض المناطق لاحقًا. ففي كل مرة كان المغاربة يقدمون صورة لافتة عن قوة المجتمع حين يتجاوز الحسابات الضيقة ويستحضر المعنى الأعمق للمواطنة. لم يكن التضامن فعلًا موسميًا ولا حملة إعلامية عابرة، بل بدا وكأنه جزء أصيل من الشخصية الوطنية المغربية. وفي زمن اعتادت فيه دول كثيرة أن تتجه فورًا إلى الخارج طلبًا للعون والإسناد، أظهر المغرب ثقة كبيرة في إمكاناته الذاتية وفي قدرته على تعبئة موارده البشرية والمؤسساتية. ولم يكن ذلك تعبيرًا عن انغلاق أو رفض للتعاون الدولي، بل كان تأكيدًا على أن الأمم القوية هي التي تبني أولًا قدرتها الداخلية على الصمود ومواجهة التحديات. إن الدرس المغربي لا يكمن فقط في نجاح الانتخابات أو في تداول المسؤوليات الحكومية بين الأحزاب، بل في الجمع بين السياسة والأخلاق. فحين تتأسس الحياة العامة على الاحترام المتبادل، وحين تصبح المؤسسات إطارًا جامعًا لا ساحةً للصراع المدمر، وحين يشعر المواطن أن له مكانًا في وطنه مهما كان موقعه أو رأيه، فإن السياسة تتحول من مصدر للأزمات إلى أداة للاستقرار والبناء. ولهذا يمكن القول، ومن دون مواربة، إن المغرب يقدم درسًا يستحق أن يُقرأ جيدًا في زمن عربي مضطرب. ليس درسًا في الكمال، وإنما في كيفية إدارة الاختلاف، وفي تحويل التنوع السياسي إلى مصدر قوة، وفي بناء الجسور بين الدولة والمجتمع بدل حفر الخنادق بينهما. وهو درس في السياسة كما هو درس في الأخلاق. ولعل سر المغرب لا يكمن فقط في مؤسساته أو في حيوية أحزابه، بل في ذلك الخيط الخفي الذي يشد أبناءه بعضهم إلى بعض كلما اشتدت المحن. هناك دائمًا من يفتح بابه للغريب، ومن يمد يده للمحتاج، ومن يرى في نجدة الآخر نجاةً لنفسه. وكأن المغاربة يدركون، بفطرتهم الجماعية، أن الأوطان لا يحرسها السلاح وحده ولا تبنيها السياسة وحدها، بل يحفظها أهل الخير حين يتقدمون الصفوف في ساعات العسر. لذلك كلما تأملت هذه التجربة، السياسية والإنسانية معًا، وجدت صداها في ذلك النداء العميق الذي يسكن الوجدان المغربي: يا ملافي يا ملافي، يا ملاذي عند الشدائد. فالأوطان تبقى قوية ما دام فيها من يهبّ لنجدة أخيه، وما دام فيها من يجعل من الاختلاف رحمة، ومن التضامن عقيدة، ومن الوطن بيتًا يتسع للجميع.

405

| 18 يونيو 2026

ضاعوا عيالنا
ضاعوا عيالنا

(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس...

43557

| 14 سبتمبر 2026

لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟
لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟

في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...

8826

| 20 سبتمبر 2026

المفاوض القطري والياباني.. دروس في بناء الثقة
المفاوض القطري والياباني.. دروس في بناء الثقة

في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي...

7185

| 15 سبتمبر 2026

حين ندفع المعلم إلى الانسحاب
حين ندفع المعلم إلى الانسحاب

بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر...

3279

| 16 سبتمبر 2026

استئذان لا وداع
استئذان لا وداع

■أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن...

3099

| 14 سبتمبر 2026

كابوس الديون يبدأ من ليلة الزفاف
كابوس الديون يبدأ من ليلة الزفاف

«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا...

2622

| 18 سبتمبر 2026

لم نعد نمر بالأحساء
لم نعد نمر بالأحساء

لم نعد نمر بالأشياء كما كنا، تلك الطرق...

2289

| 16 سبتمبر 2026

سطوة الهاتف المحمول
سطوة الهاتف المحمول

نتقلب في نعم الله تعالى المنعم ليلا ونهارا،...

1413

| 17 سبتمبر 2026

باب المندب.. خطر يحدق بالعالم
باب المندب.. خطر يحدق بالعالم

لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...

1158

| 20 سبتمبر 2026

العزوف عن الزواج.. خطر صامت يهدد النمو السكاني في قطر
العزوف عن الزواج.. خطر صامت يهدد النمو السكاني في قطر

عندما نتحدث عن التحديات التي تواجه الأسرة القطرية،...

1077

| 15 سبتمبر 2026

الحلقة الغائبة في برامج إعداد المدربين
الحلقة الغائبة في برامج إعداد المدربين

هذا هو المقال الأول من سلسلة «قراءة في...

714

| 14 سبتمبر 2026

شكراً قطر الخيرية.. أيتام الصومال على منصة التتويج
شكراً قطر الخيرية.. أيتام الصومال على منصة التتويج

بدعوة كريمة من السيد يوسف بن أحمد الكواري،...

630

| 16 سبتمبر 2026

أخبار محلية