رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دعوة المرشد العام لحركة الإخوان المسلمين محمد بديع إلى الجهاد في فلسطين من خلال الرسالة الأسبوعية (الجمعة 12/10/2012) التي وجهها لأعضاء الحزب وللمسلمين جميعاً،هي مسألة إيجابية وتستحق الاحترام، لكنها لا تكفي إذا لم تتحول إلى صيغة فعلية يجري تطبيقها على الأرض. من ناحية ثانية فإن الحزب الذي يتسلم السلطة في مصر كان قد أعلن بمنتهى الصراحة والوضوح عن تمسكه والتزامه بمعاهدة كمب ديفيد الموقعة بين مصر وإسرائيل، جاء ذلك في مناسبات متعددة وأثناء لقاء جرى بين مندوبي الإخوان المسلمين في خمس دول عربية ومسؤولين أمريكيين في معهد كارينجي للسلام، ومباحثات للحزب مع مسؤولين أمريكيين أيضاً، كما أن هذا الموقف تبناه الرئيس المصري محمد مرسي في أكثر من خطاب له.
على صعيد آخر، ففي ندوة "الإسلاميون والثورات العربية" التي عقدت في الدوحة في سبتمبر الماضي لوحظ أن ممثلي التيارات الإسلامية في الدول العربية بشكل عام بدأوا يتحدثون عن إسرائيل بصيغة مختلفة عن الماضي حول إسرائيل مثلما كان سابقا: من نمط:" أولاد القردة والخنازير" و "الصراع مع إسرائيل هو صراع وجود لا صراع حدود". كذلك "أرض فلسطين يجب تحريرها من البحر إلى النهر" و "لا بد من إلغاء اتفاقية كمب ديفيد واتفاقيات العار الأخرى بين الدول العربية وإسرائيل" و "طرد السفراء الإسرائيليين من العواصم العربية" و "وجود السفراء الإسرائيليين في العواصم العربية تدنيس لها..". إلى آخر ذلك من عبارات.
الآن بدأنا نسمع نفساً جديداً فمثلاً جاء في خطاب الشيخ عزام التميمي في الندوة المذكورة في محاضرة له بعنوان:"الإسلاميون والعلاقات الخارجية" أنه: "على العرب الدخول في سلسلة تفاهمات جديدة تحل محل السابقة بعد صعود الإسلاميين إلى الحكم". أما الأستاذ صدر الدين البيانوني المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا فقد قال: "إن أمام الإسلاميين تحديات كبيرة عندما يحين وقت إسقاط المبادئ والنظريات على أرض الواقع". أما الأستاذ رحيل غرايبة القيادي الإسلامي الأردني فقد دعا إلى"إعادة النظر في اتفاقيات السلام بين بعض الدول العربية وإسرائيل وفقاً للقواعد الدولية وللمصالح العربية بعد ثورات الربيع العربي". من جهته شدد أمين عام الجماعة الإسلامية في لبنان إبراهيم المصري على "وجوب احترام المعاهدات السابقة والتعامل معها بوعي وعقلانية".
زعيم حزب الأمة الإسلامي السوداني الأستاذ حسن الترابي ومستشهدا بآية من القرآن الكريم" أتموا إليهم عهدهم إلى مدته" قال:"لا يليق بالمسلم أن يكون خائناً وغادراً بالعهد،لكن في الوقت نفسه يجب أن نسارع بذكاء وبلطافة في التخلص من ذلك(...) ولا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها".
من الواضح أن النقلة النوعية في موقف إسلاميي الربيع العربي من رؤية إسرائيل تخضع إلى عملية الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع تسلم السلطة. هذا ما عبّرت عنه حركة حماس في نقلتها من المعارضة إلى السلطة، فبعد تسلمها لها في قطاع غزة. أبرمت من خلال وسطاء هدنة غير معلنة مع إسرائيل وبموجبها أخذت تلاحق كل من يقاوم إسرائيل من حدود القطاع. بالتالي نحن أمام تحول يتجاوز حدود التكتيك السياسي إلى المس بالأسس الاستراتيجية في النظرة إلى إسرائيل. النقلة ما كانت لتتم لولا وجود استعداد نظري فكري قبلاً للمواقف الجديدة. ينسب موقع إسلام أون لاين-وهو موضع ثقة- إلى القيادي الإخواني في مصر د.عصام العريان أقوالاً نشرت(يوم 5/10/1428هــ و17/10/2007م) يتناول فيها الاعتراف بإسرائيل ويقول(حزب الإخوان المسلمين سيتعامل مع إسرائيل عبر واقعية سياسية تتفق مع الواقع القائم،الذي يرى أن إسرائيل دولة قائمة ولها وجود على أرض الواقع،وبالتالي سيتعامل مع الواقع السياسي في هذه الظروف).أما بالنسبة لمسألة" المعاهدة المصرية الإسرائيلية في عهد السادات" فينفي العريان أن ينقض الحزب اتفاقية كمب ديفيد من خلال القول(لن يحدث ذلك بل سيحترم الحزب كافة المعاهدات والاتفاقيات الدولية بما فيها كمب ديفيد).بالفعل هذا ما حرص الرئيس مرسي على قوله خلال خطابات عديدة له بعد تسلمه لمنصب الرئاسة، لكن ذلك يتناقض مع ما دعا إليه المرشد العام محمد بديع في رسالته الأسبوعية إلى الجهاد في فلسطين، ولا بد من تحديد المواقف بوضوح. معروف أن المجلس الوطني الانتقالي الليبي(ذا الاتجاه الإسلامي) ومن خلال وساطات ونقل رسائل قام بها الفيسلوف الصهيوني الفرنسي برنارد هنري ليفي خاض نقاشات عديدة مع الجانب الإسرائيلي عنوانها: تطمينات ليبية إلى إسرائيل. والوعود بإقامة علاقات جيدة بين البلدين. يلفت النظر إليه تصريح هيلاري كلينتون بعد حادثة الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي ومقتل السفير الأمريكي وثلاثة من الدبلوماسيين الأمريكيين، والذي استغربت فيه الإقدام على الهجوم"في بلد نحن حررناه"!بالطبع لولا وعود ليبية بنسج أفضل العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الغربية(وتبقى إسرائيل هي البوابة التي تعبر منها الدول إلى أمريكا والغرب) لما قامت قوات الناتو بضرب المواقع العسكرية التابعة للعقيد القذافي،الأمر الذي حسم تسلم المعارضة للحكم في لبيبا.
نقول ما سبق في الوقت الذي تمارس فيه جماعات إسلامية أخرى. المقاومة الفعلية للعدو الصهيوني (مثلا المقاومة الوطنية اللبنانية) في ظل الوضوح الأيديولوجي النظري الفكري التام لرؤية إسرائيل في المنطقة،كدولة عدوة لليس للفلسطينيين فحسب وإنما للأمتين العربية والإسلامية اللتين يطالهما الخطر الإسرائيلي أيضاً، وأن النظرة الإستراتيجية لهذه الجماعات تتلخص في جملة قصيرة واحدة "لا بد من إزالة إسرائيل" أو: "هي زائلة لا محالة". في نفس السياق تأتي حركة الجهاد الإسلامية وهي فصيل فلسطيني مقاوم. جماعات إسلامية راديكالية أخرى(حزب التحرير مثلاً) يرى"وجوب إزالة إسرائيل" ولكن هذه القضية مؤجلة لما بعد إقامة"الخلافة الإسلامية"والسؤال هو لأصحاب هذا النهج: فيما لو لم تتم إقامة الخلافة إلا بعقد عقود زمنية أو أكثر، هل من الطبيعي أن لا يقوم العرب (والفلسطينيون تحديداً) بمقاومة إسرائيل؟ وهي التي ترتكب المذابح ضد الفلسطينيين والعرب في كل يوم! هل من الطبيعي السكوت لها بينما هي التي فرضت(وما تزال تفرض) الحروب والاستيطان ومصادرة الأراضي والاغتيالات والاعتقالات وكافة الجرائم التي ما أنزل الله بها من سلطان!هل ندير لها الخد الأيسر بعد أن تصفع الأيمن؟
الجماعات الأصولية،هي جماعات عديدة تؤمن بأهمية تحرير فلسطين،لكن مهمة تحريرها ليست آنية بالنسبة إليها. فلا جهد يبذل من قبلها على هذا الصعيد في المرحلة الحالية،الأمر الذي يُلقي مشروعية على التساؤلات الكثيرة في الأوساط الجماهيرية حول أولوية النضال ضد إسرائيل من قبل هذه الجماعات،من نمط لماذا لا تمارس هذه الجماعات النضال الفعلي ضد إسرائيل؟ لماذا تلتهي بمعارك جانبية بدلاً من المعركة التناحرية الأساسية مع إسرائيل؟ متى سيأتي دور فلسطين على جدول أعمال هذه الجماعات؟ هل تكتفي فقط بالأقوال؟
من الواضح أن الجماعات الإسلامية لا تمتلك رؤيا إستراتيجية واحدة وموحدة فيما يتعلق بإسرائيل، وبعض منها يمتلك هذه النظرة لكنه يمارس تناقضاً بين الإيمان العقيدي وبين الفعل، أو تختلف نظرته وفقاً لوجوده في المعارضة أو السلطة. أو أن الكثير منها يمارس تعارضاً جوهرياً بين الأيديولوجيا وانتهاج التكتيك السياسي. أو يمارس نهجاً سياسياً متناقضاً مع ما يؤمن فيه من رؤى، الأمر الذي أضعف من مواجهة هذه الجماعات في الفعل،أي في النضال ضد العدوان والوجود الإسرائيلي عموماً.
انعدام الرؤيا الموحدة أيضاً،ترك تأثيراً كبيراً على سهولة الإيقاع بالكثير من هذه الجماعات في مجرى التأثر السياسي السلبي بإبراز التناقضات المذهبية والطائفية فيما بينها. وبين أصحاب الديانات. والمذاهب الأخرى في المنطقة العربية، لذا اتخذت هذه التناقضات نهجاً رئيساً تناحرياً، بدلاً من المعركة الأساسية مع إسرائيل.التناقضات الدينية والمذهبية وصلت إلى مرحلة باتت تشكل فيها خطراً كبيراً على وحدة النسيج الاجتماعي في المجتمعات العربية،الأمر الذي يهدد بمزيد من التقسيم للأقطار العربية،هذا الهدف الذي تسعى إليه إسرائيل بشكل خاص والمخطط الأمريكي الغربي عموماً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3027
| 24 سبتمبر 2026