رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحرب النفسية والدعائية لها تأثير عميق في عقول البشر منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا؛ وان اختلفت الطرق والأساليب المستخدمة، فهناك من يعتقد، أنه من ينتصر فيها فقد كسب الحرب وسيطر على الاحداث بلا منازع. فتعد الشائعات من اخطر الأسلحة النفسية فتكا بالجماهير وأكثرها خطورة. فكان قيام إسرائيل من البداية قائما على التضليل والخداع، فقد اقنعت الصهيونية العالمية وسائل الإعلام في الدول الاستعمارية، بأن فلسطين دولة بلا شعب، لشعب بلا دولة والمقصود هنا جمع اليهود المتفرقين في العالم إلى أرض الميعاد المزعوم. فيمكنك خداع الناس بعض الوقت، ولكن لا يمكنك أن تستمر في الخداع إلى ما لا نهاية فقد تظهر الحقيقة يوما ما؛ فهذا ما حصل في الفترة الاخيرة!. فقد تغيرت الأمور بمرور الزمن، وتعددت المصادر في زمن ما يعرف بالسماوات المفتوحة؛ فمكنت التكنولوجيا وخاصة أجهزة الهواتف الذكية الإنسان من رصد ونشر المشاهد التي تحوز على قناعته وتعبر عنه بسهولة ويسر. وقد بث المجاهدون عبر العالم كيف انهارت إسرائيل من الداخل، إذ يتم سحب الجنود من دباباتهم بدون مقاومة بينما يهرب المستوطنون نحو تل ابيب.
فتلك المشاهد المذلة صدمت زعماء الدول الاستعمارية التي زرعت إسرائيل في بلاد العرب؛ بداية من لندن التي منحت أرضا لا تملكها لمن لا يستحقها مرورا بواشنطن التي أرسلت اساطيلها لحماية ناتنياهو ووصولا إلى باريس التي منعت المتظاهرين ضد قتل الأطفال؛ فهؤلاء الطغاة الامبرياليون في هذه الايام يشعرون بالعار لنجاح المقاومة الإسلامية (حماس) من اختراق التحصينات الاسرائيلية وانظمتها الأمنية المتطورة خلال ساعات ووصولها إلى العمق الإسرائيلي وسيطرتها الكاملة لعدة ايام على مفاصل الدولة الصهيونية وقواعدها العسكرية من عسقلان إلى غلاف غزة وسط انهيار كامل للقيادتين العسكرية والأمنية والسياسية في تل ابيب، وانكشفت لأول مرة اسطورة الجيش الذي لا يقهر الذي كان يرهب الأنظمة العربية، وذلك فجر السبت الموافق 7 أكتوبر، هذا التاريخ الذي سوف يكتب بماء الذهب وينقش في ذاكرة الأجيال العربية من المحيط إلى الخليج عبر الأزمان، بل الأمة الإسلامية قاطبة، لما له من رمزية عظيمة نحو تحرير المقدسات ودحر الصهاينة في الأراضي التي احتلت عام 1948 من أرض فلسطين التاريخية المباركة. فكان لابد لوسائل الإعلام والدعاية الغربية التي تقف خلفها اللوبيات الامبريالية؛ أن تقلل من هذا النصر المبين الذي يحدث لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي الذي يمتد إلى سبعين سنة من الجهاد لتحقيق حلم الشعب الفلسطيني لإقامة دولته المستقلة كاملة من البحر إلى النهر. فكانت بداية هذه الأكاذيب الرخيصة في مقابلة أجرتها مراسلة صحفية (The Independent ) البريطانية في الأراضي المحتلة مع أحد جنود الاحتياط في جيش الاحتلال يدعى (ديفد بن صهيون) المتطرف الذي نسج خيوط هذا التضليل من خياله، وروج لقصة كاذبة بدون دليل بأن كتائب الشهيد عز الدين القسام قد ارتكبت مجزرة تتمثل بقطع رؤوس أربعين طفلا إسرائيليا في مستوطنة (كيبتوس كفار عزة) أمام اعين والديهم في أرض المعركة، كما تزامنت هذه الفبركة الدعائية ضد المقاومة الإسلامية بهدف تجييش العالم وتشجيعه على التنديد بطوفان الاقصى مع ما كررته صحفية إسرائيلية تدعى (نيكول زيديك) والتي تعمل في قناة (آي 24) من دعاية سوداء كاذبة حول إعادة تلك الرواية التي تتنافى مع اخلاق وقيم وتعاليم الدين الإسلامي لتلك المذبحة المزعومة.
والهدف الأساسي من هذه القصص الإخبارية التي تفتقد إلى دليل ومحاولة نشرها على نطاق واسع عبر القنوات الإخبارية والمواقع الإلكترونية؛ وخاصة الناطقة باللغة الإنجليزية وكذلك الصحافة العالمية، بهدف تشويه صورة الإسلام والمسلمين، وتبرير قتل الأطفال في غزة بالطيران الإسرائيلي الذي اباد أحياء سكنية كاملة وشطب عشرات الأسر الفلسطينية من السجل المدني، وقتل حتى كتابة هذه السطور اكثر من 700 طفل وجرح 1500 منهم في الأسبوع الأول من المذابح الجماعية. كما قام الاحتلال البربري الإسرائيلي بقطع المياه والطعام والكهرباء عن القطاع بالكامل بهدف تجويع الناس وقتل من نجا منهم من القصف الذي طال حتى الان الاف الشهداء من النساء والشيوخ.
وبالفعل أثارت تلك المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة التي انتشرت على نطاق واسع في أرجاء العالم، ردود أفعال غير مسبوقة، فهذا الرئيس الأمريكي الذي سبق له القول بأنه صهيوني أكثر من الصهاينة انفسهم بادعائه زورا وبهتانا بأنه شاهد بنفسه قطع رؤؤس الأطفال، ثم يتراجع البيت الابيض عن ذلك لعدم وجود دليل.
وهكذا دفع الإنسان العربي لفترة طويلة- وما زال- أثمانًا باهظة، بسبب التضليل الإعلامي الذي يسود الخطاب الإعلامي الغربي بمختلف وسائله، فالوكالات الدولية الغربية والصحف الكبرى ذات الطابع الدولي التي تصدر في عواصم صنع القرار والشبكات التلفزيونية العابرة للقارات؛ تملك جيوشًا من المراسلين ينتشرون في كل ركن من أركان الكرة الأرضية؛ مما جعلها تسيطر على أكثر من 90% من مصادر الأخبار المتداولة في العالم، ونتيجة لهذا التفوق المعلوماتي تقوم هذه الوسائل بممارسة الإرهاب الإعلامي، وذلك من خلال استخدام المصطلحات المضللة، وغرس المفاهيم الخاطئة التي يحرص الإعلام الدولي الموجه على غرسها في عقول وأذهان الملايين من البشر، خاصة في أوروبا وأمريكا؛ فالإرهاب أصبح مرادفا للإنسان المسلم، فالمدافع عن حقوقه وأرضه المغتصبة يطلق عليه «متطرف وأصولي». وقد ساعد الغياب الكلي للعرب من الفضاء العالمي (باستثناء قناة الجزيرة الناطقة باللغة الإنجليزية) على وجود خطاب إعلامي أحادي الجانب، ينظر للقضايا العربية بعيون المنظمات الصهيونية التي تعمل على تزييف الحقائق وتلوينها منذ عقود طويلة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3936
| 22 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2187
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1821
| 24 مارس 2026