رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ربما ليس ثمة ثابت في التاريخ سوى حركته غير الثابتة دوماً. من حقبة لحقبة ومن طور لآخر يستمزج السخرية من المتصدين للتنبوء بمساراته. تتلاحق أحداثه في مسار يبدو وكأنه مُعلم بالمستقبل. فيتسرع كثيرون بإطلاق تقديرات وتنبوءات بما سوف يكون عليه المستقبل. ثم يصدمهم التاريخ وحركاته المفاجئة بانعطافات هنا ونتوءات هناك. أو بانحراف على يمين المسار وشماله. أو حتى الخروج منه تماما واستحداث آخر جديد.
لنتأمل مثلا النبوءة العارمة بحتمية وحصرية اندراج البشرية ودولها وشعوبها في مسار الديمقراطية الليبرالية وبكونه المسار الإنساني الأخير والوحيد الذي آل إليه العالم بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الكتلة الاشتراكية ومشروعها الأيديولوجي. في تلك اللحظة التاريخية. في أوائل تسعينيتات القرن الماضي. والتي اتسمت بكثافة الحدث وحدته وضخامته. المتجسد في انهيار المثال الأبرز والأقوى للنظرية شبه الوحيدة التي تحدت فكرة الرأسمال وإنتاجاته وصياغاته لحياة المجتمعات واقتصاداتهم وثقافاتهم. فداجة وفجائية وضخامة الانهيار تلك للإمبرطورية والأيديولوجية التي سيطرت على ثلث العالم تقريبا خلال سبعة عقود أو أقل تفسر جزئيا هوس التنظير الظافري. الذي مثل فرانسيس فوكوياما. ذروته الأيديولوجية بالاستعجال بالتبشير بأبدية و"سرمدية" نموذج الديمقراطية الليبرالية.
فوكوياما. وآخرون لا حصر لهم. أطلقوا العنان لتفاؤل جامح يقول بأن شعوب العالم ومجتمعاته تتجه. وإن بسرعات متفاوتة. نحو تبني نموذج الديمقراطية الليبرالية. لأنه النموذج الأكثر استجابة لتطلعات حرية الإنسان بالدرجة الأولى. وإطلاق طاقاته. صحيح أن عماده الاقتصادي القائم على رأس المال يخلق تفاوتا هائلا وكبيرا بين البشر ويهدد تحقيق العدالة الاجتماعية. الأمر الذي تفوق فيه النموذج الاشتراكي المُنقضي. لكن مآلات ذلك التفاوت ستنتظم في في آليات ضابطة تقلل من منعكاستها. وتقلص فجواتها. ارتكز ذلك التفاؤل الكبير على هبات ديمقراطية في هذه المنطقة او تلك من العالم. أهمها التحولات الديمقراطية الكبرى في أوروبا الشرقية. وبعض جمهوريات آسيا الوسطى التي قد خضعت طويلا لحكم السوفييت. ثم في أمريكا اللاتنيية وبعض مناطق آسيا وإفريقيا.
إذن سقطت الأيديولوجية الأكثر تهديدا لليبرالية الديمقراطية. وحق لهذه الأخيرة أن تنتشي ولو ظرفيا. الايديولوجيات الأخرى لم تكن تشكل تهديدات حقيقية لليبرالية. وظلت ثانوية أو مكملة لواحدة من ايديولوجيتي الصراع الكبرى. احتلت الحركات الدينية مواقع متفاوتة في خارطة الصراع الايديولوجي والسياسي العريض بين الليبرالية والماركسية. لكنها بالمجمل وقعت فريسة التوظيف من هذه أو تلك. ولم تشكل أي منها بحد ذاتها طرحا متماسكا ومتكاملا يصل إلى حد البديل العالمي. هامشية الحركات الدينية والأصولية أسس (أو رسخ) النظرة لها بكونها زائلة وبأن نهايتها هي الانقضاء الحتمي رغم استطالة عمرها هنا أو هناك. رآها مفكرون كثر على أنها مجرد طفرة على جنبات التطور الإنساني الآيل نحو سيادة العقلانية والبراغماتية على حساب الدين والغييات. وانطلاقا من هذه النظرة فإن كثيرون لم يأخذوا اطروحة صاموئيل هانتنغتون حول صراع الحضارات (... أو الاديان) وبكونه الصراع القادم الذي يحتل مواقع وميادين الصراع بين الايديولوجيات.
بعد مرور ما يقارب خمسة عقود ونصف على لحظة انتصار الليبرالية الديمقراطية. والتنظير لها والاحتفاء بغلبتها. كيف يتبدى المشهد الايديوـسياسي عالمياً وإنسانياً؟ يمكن القول أولا أن الفكرة الليبرالية الديمقراطية تشهد انحساراً تدريجيا. وإن كان بطيئا. أو على الأقل فإنها بالكاد تسيطر على الفضاءات والمواقع التي تعتبر مواقع حضورها ووجودها التقليدي. بعيدا عن "الفضاء الغربي" نجد تنويعات لسياسات وأفكار مختلفة او هجينة وليس بالضرورة متبلورة على شكل ايديولوجيات منافسة. لكنها بالتأكيد تقع خارج التصنيف "الليبرالي الديمقراطي". اول "النماذج" التي يمكن ملاحظتها والتي تأكل من "الفضاءات الحيوية" لليبرالية الديمقراطية هو نموذج الليبرالية غير الديمقراطية واهم ممثيله روسيا والصين. فهنا ثمة مكونات عديدة. خاصة اقتصادية. مستوردة من. او معدلة عن. الأصل العائد للنظرية الرأسمالية في شكلها. وعضوية علاقتها. مع الليبرالية الديمقراطية. لكن هذه المكونات صارت تشتغل كوحدات مستقلة وليس كجزء من كل هو النموذج الأم. النموذج الروسي ـ الصيني الذي يقول بإمكانية تحقيق اقتصاد ناجح وفعال (... وليبرالي) من دون الضرورة لتبني سياسة ليبرالية يحقق حضورا. أو ترجمة وتقليد له. في مناطق كثيرة من العالم ومن ضمنها العالم العربي. هذا "النموذج" هو. بلغة أخرى. إعادة تأهيل للاستبدادوية والسلطوية. وحمايتها من تهديدات المكون الديمقراطي الذي يستكمل المكون الليبرالي في النموذج الأم.
ثاني النماذج المطروحة حاليا. خاصة في الشرق الأوسط. هو ما تقدمه الحركات الدينية خاصة تلك التي لا تعترف بفكرة "الدولة" وتريد أن تستجلب أشكالا فوق دولتيه (مثل الخلافة. أو المرجعية الدينية العابرة للحدود. أو سوى ذلك). ما تطرحه هذه الأصوليات لم يكن يأخذ بجدية في العقود الماضية. كما لم تأخذ الأطروحة الهنتغتونية بالجدية الموازية. لكنها اليوم أصبحت جزءا فعالا من المشهد وتقدم تهديدات حقيقية للأوضاع القائمة. من ناحية المضمون والمكون الفكري فإنها مناقضة جذريا لليبرالية وللديمقراطية وترفضهمها معاً. واللافت. والخطير معاً. في شأن الأصوليات الدينية يكمن في تجاوز تأثيراتها وانعكاساتها وما يمكن أن تحدثه في فضاءات المعسكر المنافس. فهنا تؤثر الدعاوى الاصولية المتطرفة على الفضاء الليبرالي الديمقراطي نفسه وتشكك في صحته حتى عند أهله. وتساهم بقوة في نشوء تيارات متطرفة وعنصريات رافضة لليبرالية نفسها بكونها تسمح لمن هو غير ليبرالي وغير ديمقراطي بالعمل وتعترف بوجوده.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3324
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1188
| 01 أكتوبر 2026