رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان لا يزال منجذبا إلى أضواء الثورة السورية التي اعتبرها مباركة وذات أبعاد مشرقة تأتي كل يوم بمنافع لم يكن يحلم بشيء منها قبلها حيث الظلام الدامس والقهر المجنون والاستبداد والاستعباد من فرعون وهامان وجنودهما الخاطئين، وكان رغم المبشرات المتتابعة لا يستطيع أن يهدأ أو يغط في نوم مريح، فجيش الأفكار والخواطر والتقلبات التي تمكر بالثورة ليل نهار يجعله نهبا لشيء من القلق والحيرة حتى إنه يمسك قلبه الخفاق كلما حانت ساعة نشرة الأخبار إشفاقا أن تأتي بما لا يسر من المآسي الجسام التي عصفت ومازالت بالشعب السوري الصابر المصابر المصطبر بلا حدود وإذ هو في هذه الحالة المضطربة رغم بعض الانتصارات الفعلية التي تزيح الكثير من الهموم والغموم، فكر ماذا عليه أن يفعل إنه يريد أن يقف على الحقيقة أكثر وأكثر ليستجلي المشهد وأنى له ذلك وهو بعيد وغير متكئ إلا على الأنباء الفضائية أو الإعلام المقروء أو السماع من زيد وعمرو وبكر نقلا أو تحليلا، ولأن الشك فيه عذاب واليقين هو الروح والريحان فقد قرر اليوم أن يدخل بنفس حلبة الميدان ويرى ويسمع ويحلل ويمدح ويقدح وينتقد بإخلاص طلبا للحق، ويكون أمينا مع نفسه وضميره عساه ينشرح ويزيل شبح التردد القاتل عنه.
كان انطلاقه مع إخوة صادقين بعد أن تمكن من زيارة أحد المخيمات الحدودية مع تركيا وقد سر أيما سرور حين شعر وهو يرى ويسمع أحوال المهجرين بارتفاع المعنويات التي تسابق الريح عند الكثيرين رغم العناء والتشرد فالنغمة التي يضرب هؤلاء على وترها إنما تركز على استعلاء الإيمان ومعاني الكرامة والعدالة والحرية والتي تهزأ بالصعاب غير المحتملة في سبيل تلك المعاني التي عدمت واضمحلت جدا منذ عهد الديكتاتور حافظ الأسد ثم عهد الديكتاتور الصغير بشار المستبد الذي حاز كأبيه أعلى درجة اليوم في القتل والإجرام دون رادع من دين أو ضمير أو خلق سوي، لقد وصلت المركبة الحدود التركية وختمت الجوازات ثم وقفت عند الحدود السورية فإذا به ينزل منها ويخر ساجدا لله تعالى شكرا على ما أولى وأنعم ولم يرفع جبهته وهو مستغرق في الخشوع وعشق الوطن الذي لم يمس ترابه منذ أربعة وثلاثين عاما إلا بعد وقت طويل، يا لها من لحظات تعدل كل ما لديه في الدنيا حيث يدور شريط الذكريات في السجود عند الحدود هل هو في حلم أم حقيقة، هل يمكن أن يعتبر هذا اليوم عيدا جديدا في حياته إذ كان يشعر كما الملايين الآخرين بأنه كان قشة تذروها الرياح، كيف أحس أنه كالجبل في مكانه وأن شانئه ليس إلا كالعنكبوت، يا لها من فرصة ونشيد قلبي يحن للنور بعد نير الديجور أين الجبروت والتماثيل واللافتات التي كان يكتب عليها: الأسد إلى الأبد لقد خر الباطل وتهاوى بعد أن فتك بأهل العلم والفكر واعتدى على ربات الخدود وجعل الناس عبيدا أمام توحشه السادي، وحين يبغي على الأحرار والحرائر والضعاف ذوو الطغيان يصبح العيش مستحيل الوجود.
وأنى للوجود أن يكون وبيوت الله تدنس والمصاحف تمزق وتحرق ويبال عليها، إن الوطن جنة الدنيا مع الكرامة وهو جهنم الدنيا بلا حرية وكرامة، لا شك أنه شعر بالاكتئاب أثناء سجوده من مشهد الماضي الأليم ولكنه مسحه بالأمل والرجاء والتفاؤل حين وجد نفسه داخل وطنه الحقيقي وحياه أفراد الجيش الحر بكل ترحاب فلله درهم ما أعظمهم وما أنبلهم! إن الفرق شاسع جدا بين ما كان الناس فيه وما آلو إليه وهذا أمر الله في عباده، وحين التقى بالمجاهدين في كل ساحة وحي وزقاق وهم يتوشحون أسلحتهم ويستمعون إليه وهو أحق أن يستمع إليهم أدرك أن هذا الشعب قوي وصامد وعزيز وخالد فوهبوه بعض ما لديهم فرقى في سماء العز ونشوة النصر، إن كل حواجز النظام الأسدي في ريف حلب قد دمرت ورحلت إلى غير رجعة وهاهي المدن والمناطق والنواحي تزغرد بنشيد الدم الذي طهر الأرض من المفسدين، لقد رأى خرابا واسعا ولكنه رأى النفوس عامرة واثقة بالنصر ولما دخل حلب الشهباء ما كان يتصور أن هذه المدينة الاقتصادية الكبرى برصانتها، ورونقها ستصبح أشبه بمدينة أشباح وهكذا يفعل الحقد فعله بعدما ظن أنها تؤازر الظلم ولكنه قلب كفيه وعرف حقيقة ظنه، وفي الجانب المقابل رأى صديق المجاهدين كيف هم يعيشون وكيف غلبت لذة تحرير العديد من الأحياء على المصاب بالأرواح والممتلكات جراء قصف الطيران العشوائي، وهو لن ينسى أثره حين سلط على مشفى البيان في حي الشعار وجيء بالجرحى ذوي المشاهد المؤلمة حقا إذ سقط برميل البارود على العمارة المجاورة وكان ما كان وشاء الله أن يعين الأخ إخوانه الجرحى بالدواء المفقود وأن ينصرف ظانا أن الأمر قد انقضى فإذا بالأخبار تسرع بعد أيام إلى أن المشفى قصف وقصف بجنون حتى أصبح الذين هم فيه من أطباء وجرحى أثرا بعد عين.
إن كل جولة في أحياء حلب المحررة تزيدك إيمانا وإصرارا على الثبات لاسيما ما رآه من الآليات والدبابات والمدرعات المدمرة والأخرى التي غنمها الجيش الحر وما رأى من اندحار جنود الظلام الذين رضي بعضهم أن يكون بشار لهم ربا، ومما أكرمه الله به من المشاهد أن رأى أسرى المقاتلين والشبيحة المجرمين في سجون الجيش الحر، وأن يكون أحد العقداء منهم يتوسل بذله حتى كاد يقبل الأقدام للتوسط بإطلاق سراحه ناسيا ما فعله بالأحرار وأن يعترف الشبيحة بما جنوه من قتل وحرق واعتداء فعلي على النساء والشيوخ والأطفال، فهل ستعود حلب وريفها إلى ما نرجوه بعد الحسم والنصر على الظالمين، لا ريب أن وعد الله لن يتخلف وأن الأحرار بإيمانهم وسواعدهم سيحققون ذلك قريبا بعون الله، وماذا يقول صديق المجاهدين وقد نقلته الأقدار إلى ريف إدلب وشارك في تشييع الشهيد هناك بعد قصف قلعة حارم حيث اشتد الأمر بعد ذلك وقتل أكثر من عشرين شهيدا لقد شم رائحة المسك فقبل فرحا وقبل العديد من شباب القرية ذلك الجسد الطاهر وعاهدوا الله أن يسيروا على نهجه وعبثا يظن الظالمون أنه إذا تفاقم قمعهم فإن الثورة ستخمد ويقضى على العصابات المسلحة كما يدعون لكنهم عرفوا كم ازدادت هيجانا وتطورا بدماء الشهداء، ماذا عساه أن يقول ويكفيه أنه أيقن بعد الذي رأى بعينه وقلبه أن هذه الثورة هي من صنع الله وأنه لن يقهرها أحد لا المجرم بشار وزبانيته ولا من يدعمونه ويشتركون في قتل وتشريد أبناء شعبنا كما أنه مهما أرادت الصهيونية أن تحقق حلمها لإبقاء الجزار ونظامه فإن الحق غالب وإن جنوده المؤمنين منتصرون لقد قالها صديق الثوار بكل فخر وعز ويقين الحمد لله الذي دفعني إلى حلبة الميدان فعرفت ما لم أكن أعرف وزال القلق والاضطراب فالثورة ماضية حتى إسقاط المجرمين خصوصا بعد الانتصارات التي أحرزها المجاهدون في كلية المشاة وغيرها في حلب وكذلك الكتائب والأفواج والمطارات الأسدية حول دمشق والصراع في داخلها، فلننزل إلى الميدان قدر استطاعتنا فإنه من ذاق عرف.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
2154
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2139
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
969
| 04 فبراير 2026