رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
“ما خف وزنه وغلا ثمنه” عبارة ربما عمل بها الدبلوماسيون العاملون في صنعاء يستوي في ذلك بعثات الدول العظمى والصغرى ومن كانت لها مصالح كبيرة وتلك الموجودة لمجرد تعزيز العلاقات، ليفتح هذا الهروب غير المسبوق في تاريخ أزمات اليمن وحروبها أسئلة محيرة: لماذا هذا الرحيل الجماعي وإغلاق أو تعليق عمل السفارات والقنصليات؟ هل اتخذت هذه السفارات قراراتها بناء على معلومات مؤكدة تقول إن البلاد تقترب من حرب أهلية طائفية أو مناطقية وشيكة؟ كيف سيتعامل الحوثيون مع هذه العزلة الدولية؟ ما الذي سيتخذه مجلس الأمن الدولي في حال لم ينفذ الحوثيون قراره الأخير بعد انقضاء مهلة الخمسة عشر يوما؟ إلى متى يستمر المبعوث الأممي جمال بن عمر في تضليل المجتمع الدولي وإيهامه بأن التسوية تسير على ربع قدم ونصف ساق في وقت يزيد فيه تلاشي الدولة وتقسيم معسكرات الجيش بين داعش والغبراء؟
غنم الحوثيون 25 سيارة مصفحة كانت أوصلت السفير الأميركي ماثيو تويلر وأفراد بعثته إلى مطار صنعاء بعد أن نقلتهم طائرة عمانية بينما تم إحراق الآلاف الوثائق وإتلاف المئات من قطع السلاح حتى لا تقع تحت سيطرة الحوثيين.
هذا الهروب اللافت لم تقم به أي سفارة أمريكية في أي بلد، بل عادة ما تكون سفاراتها ملاذا لرعايا وحتى رؤساء، ومنها تدار مفاوضات حل أزمات الصراع السياسي، المفارقة الغريبة في سلوك واشنطن أنها لم تصف ما جرى في اليمن بأنه انقلاب بل تقول إن الحرب على تنظيم القاعدة لم يتأثر بما جرى وأن قنوات تنسيق وتواصل لا تزال مفتوحة مع جماعة “ أنصار الله “ وفي المقابل تغلق سفارتها وتتبعها سفارات الدول الراعية للمبادرة الخليجية وبعثة الاتحاد الأوروبي ليترك اليمن وحيدا يواجه مصيره.
إغلاق السفارات علقت عليه الخارجية الإيرانية بأنه إجراء متسرع وذو مغزى بينما أكد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني أن ما جرى ثورة حقيقية وأن الثوار الحوثيين هم الوحيدون الذين سيهزمون تنظيم الدولة الإسلامية هناك ليكون نصر الله أول من تنبأ بوجود تنظيم الدولة في اليمن. أما جماعة “أنصار الله” فكان تعليقها على قرار مجلس الأمن الأخير بأنها لا تعترف به ولا يعنيها كما أنه لا تعنيها التهديدات الخارجية أيا كان شكلها ولونها لأنها جاءت كما تقول لإخراج البلاد من الارتهان للتبعية الخارجية مهما كان الثمن، وهذا يعني أن الحوثيين لا يتراجعون عن أفعالهم مهما كانت عواقبها.
مجلس الأمن أرغى وأزبد بعد سيطرة الحوثيين على القصر الرئاسي واعتقال الرئيس عبدربه منصور هادي ووضعه ورئيس حكومته تحت الإقامة الجبرية، وبعد كل المداولات تم تجاوز الصياغة الخليجية التي تقدمت بها قطر وتنص على تبني إجراءات البند السابع الذي يتضمن استخدام القوة وعقوبات اقتصادية، ووافق الأعضاء بالإجماع على مشروع قرار صاغته الأردن وبريطانيا يطالب الحوثيين بإنهاء الإجراءات الأحادية والإفراج عن جميع الأفراد تحت الإقامة الجبرية والعودة إلى المفاوضات للوصول إلى حل سياسي توافقي، بما يعني العودة إلى البند السادس وإجراءاته المطاطة ومنح الحوثيين غطاء سياسيا وشرعية من خلال حوار “ الأطراف “ وحسن النوايا وذلك ربما يمكنهم من مفاوضات النفس الطويل وشراء الوقت. هناك من يأمل أن يتخذ مجلس الأمن إجراءات صارمة بعد انتهاء مهلة الخمسة عشر يوما لكني لا أرى على المدى القصير أو المتوسط أي خطوات عقابية صارمة إذا ربما يلجأ المجلس إلى فرض عقوبات اقتصادية وحظر السفر تشمل قيادات الصف الأول لجماعة الحوثي وعلى رأسهم عبدالملك الحوثي لكن ذلك لن يكون له أثر يذكر خاصة أن العقوبات التي فرضها القرار 2140 على عبدالخالق الحوثي وأبو علي الحاكم والرئيس المخلوع لم تكن رادعة بل فاقمت الأزمة وآلت الأوضاع إلى الأسوأ.
وإذا كان هناك من يعتقد أن مجلس الأمن سيلجأ إلى التدخل العسكري ليعيد الشرعية ويحفظ البلد من التفكك أو على الأقل لحفظ ماء وجهه، فإني أقول إن التدخل العسكري الأممي أو الإقليمي مستبعد إلى حد كبير وذلك للأسباب التالية:
- سيؤدي التدخل العسكري إلى تعقيد مشهد لا ينقصه التعقيد.
- ما يحدث ليس صراعا بين عدوين بل هو بين قوى سياسية والحل لا يكون إلا سياسيا وهو الأقل كلفة.
لكن ماهي السيناريوهات المحتملة في حال فشلت المساعي الدبلوماسية والسياسية لحل الأزمة وإقناع الحوثيين بضرورة التخلي عن مكاسبهم التي تحققت بقوة السلاح.. يمكن القول إن اليمن تنتظر سيناريوهات أربعة:
- أن يتخلى الحوثيون عن إجراءاتهم الأحادية بسبب الضغوط الشعبية والمدى الجماهيري العارم المناهض لسلوكهم السياسي يرافقه ضغط دولي حقيقي.
- أن تلجأ دول إقليمية بغطاء دولي للتنسيق مع الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح ليستخدم قوات الحرس الجمهوري وحلفاءه في التصدي للحوثيين مقابل مكاسب سياسية واقتصادية.
- أن تلجأ دول إقليمية للتنسيق مع حزب التجمع اليمني للإصلاح أكثر الأحزاب تنظيما وتمتعا بعلاقات قوية مع أهم القبائل ودعمه بالمال والسلاح بغية التصدي للحوثيين ومشروعهم.
- أن تتحول اليمن إلى دولة فاشلة منهارة وجماعات متناحرة متصارعة حيث تسيطر القاعدة وحواضنها الاجتماعية في المحافظات الجنوبية والشرقية بينما يخوض الحوثيون حروبا مدمرة مع عدد من القبائل في الوسط وحتى في صنعاء وتهامة ليتكرر مشهد الحرب الأهلية في عام 1967 حيث كانت مصر تدعم الجمهوريين بينما السعودية تدعم الملكيين ولكن هذه المرة ستدعم السعودية رجال القبائل وجماعات أخرى بينما تدعم إيران الحوثيين، وقد بدأ الدعم الإيراني المؤثر بوصول باخرة أوكرانية إلى ميناء الحديدة محملة بأسلحة نوعية.
لا يزال الكثير من اليمنيين ومحبي اليمن يأملون في أن تسمع جماعة أنصار الله لصوت الحكمة وأن تعود إلى شرعية الشراكة والتوافق بدل الاستئثار بالسلطة لأن الاستمرار في النهج الحالي معناه تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وربما تُحوّر مقولة: لابد من صنعاء وإن طال السفر.. إلى: لا بد من الهروب من صنعاء!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4599
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3198
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1245
| 28 سبتمبر 2026