رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالرحمن الشمري

مساحة إعلانية

مقالات

486

عبدالرحمن الشمري

المعسكر الداخلي

18 فبراير 2026 , 02:08ص

رمضان ليس مجرد شهرٍ في التقويم، بل هو أشبه بمعسكرٍ داخليٍّ هادئ، تُطفأ فيه ضوضاء الحياة قليلًا، ويُفسَح المجال لصوت النفس كي يُسمَع بوضوح. في هذا المعسكر لا يحمل الإنسان حقيبة سفر، بل يحمل نواياه، ولا يواجه عدوًا خارجيًا، بل يواجه عاداته التي التصقت به طوال العام، تلك العادات التي قد تقوده أحيانًا من غير وعي إلى التقصير أو الغفلة. لذلك يأتي رمضان كفرصةٍ سنويةٍ فريدة، يتوقف فيها الإنسان مع نفسه وقفة مراجعة، ويعيد النظر في طريقه، وكأنه يعيد ضبط البوصلة قبل مواصلة الرحلة.

في الأيام العادية، تتسلل العادات السيئة إلى حياتنا كما يتسلل الغبار إلى الأثاث، ببطءٍ ومن دون أن نلاحظ. لكن رمضان يأتي كفترة تنظيفٍ شاملة، يعيد فيها الإنسان ترتيب أولوياته، فيتوقف عن بعض المباحات أصلًا، مثل الطعام والشراب في أوقاتٍ محددة، ليتدرّب على القدرة الأهم، وهي التحكم في النفس. ومن ينجح في ترك المباح المؤقت، يصبح أقدر على ترك الخطأ الدائم، لأن القضية في جوهرها ليست الامتناع عن الطعام، بل اكتساب قوة الإرادة والانضباط الداخلي.

ومن أجمل ما في هذا المعسكر أنه لا يكتفي بتعطيل العادات السيئة، بل يزرع بدلًا منها عاداتٍ حسنة. فالصلاة في وقتها تتحول إلى عادةٍ يومية، وقراءة القرآن تصبح رفيقًا ثابتًا، والصدقة تتكرر حتى تألفها اليد، واللسان يعتاد الذكر بدل الشكوى أو الغيبة. ومع مرور الأيام، يكتشف الإنسان أن الخير ليس ثقيلًا كما كان يظن، بل يحتاج فقط إلى بدايةٍ صادقة واستمرارٍ قصير، ثم يتكفّل التكرار بتحويله إلى طبعٍ دائم يستمر حتى بعد انتهاء الشهر.

كما أن رمضان يدرّب الإنسان على الصبر، وهو مهارة أساسية في كل نجاح في الحياة. الصبر على الجوع، الصبر على التعب، الصبر على ضبط الانفعال، والصبر على الطاعة والاستمرار فيها. وكأن هذا الشهر يقول لنا إن من استطاع أن يصبر ثلاثين يومًا، يستطيع أن يصبر بقية العام، لأن النفس التي تعودت على الانضباط مرة، يمكنها أن تعود إليه مرات أخرى متى أرادت.

ولكن قد يطرح البعض سؤالًا مهمًا: ما هو الجديد؟ كل سنة يأتي رمضان، فما الفرق؟ والحقيقة أن الفرق ليس في رمضان نفسه، بل في الإنسان. فالشهر هو ذاته، لكن القلوب تتغير، والظروف تختلف، والتجارب تتراكم. قد يدخل الإنسان رمضان هذا العام وهو أكثر نضجًا، أو أكثر حاجةً إلى التغيير، أو أكثر وعيًا بأخطائه من السنوات السابقة. الجديد هو الفرصة المتجددة، والبداية التي يمنحها الله للإنسان مرةً أخرى، وكأنها رسالة رحمة متكررة تقول إن باب التغيير ما زال مفتوحًا مهما تأخر الإنسان.

إن نجاح هذا المعسكر لا يُقاس بعدد الأيام التي صامها الإنسان فقط، بل بما يبقى معه بعد انتهائه. فإذا خرج من رمضان وهو يحتفظ ببعض العادات الحسنة التي اكتسبها، ويستمر في مقاومة بعض العادات السيئة التي عطّلها، فقد حقق الهدف الحقيقي من الصيام. لأن رمضان لم يُشرع ليكون محطة مؤقتة من الطاعة، بل نقطة انطلاق لحياةٍ أفضل وأكثر توازنًا.

وفي النهاية، يمكن القول إن رمضان فرصة سنوية لإعادة برمجة النفس، وصناعة نسخةٍ أقوى وأهدأ من الإنسان. ومن يفهمه على أنه معسكر تدريبٍ روحي، سيدرك أن الثلاثين يومًا ليست غاية بحد ذاتها، بل بداية طريقٍ جديد يمكن أن يمتد أثره طوال العمر.

مساحة إعلانية