رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بغداد من المدن التي تسكن ذاكرتي زرتها مرتين خلال فترة الحصار الدولي في تسعينيات القرن المنصرم وبالرغم من تداعياته التي فرضت سطوتها القاسية على عاصمة الرشيد إلا أنها كانت مسكونة دوما بتوهج أزمنتها القديمة والحديثة تعانقك فور الوصول إليها تصب فيك أشهى ما فيها فتبادلها بعشق لها يتمدد فيك أبداً.
وبحول الله سبحانه وتعالى سأعيد كتابة عشقي على صدر بغداد خلال الأسبوع المقبل ,إن طال العمر ,خلال مشاركتي مع المئات من صحفيي العرب والعالم في متابعة وقائع القمة العربية التي ستحتضنها بعد عشرة أيام والتي انتظرها العراقيون طويلا سعيا إلى استعادة دفء الحضن العربي وفق تعبير الدكتور قيس العزاوي الباحث والمفكر العراقي والذي يعمل حاليا مندوبا دائما لبلاده لدى الجامعة العربية مانحا المنصب الكثير من العمق المغزول جعلته واحدا من المندوبين المميزين في القاهرة.
ولا أخفي أنني عبرت عن ارتياحي لتأجيل استضافة بغداد للقمة خلال العام المنصرم نتيجة ثورات الربيع العربي التي اشتعلت قبل موعد القمة بأيام قليلة , فلم أكن مؤيدا لفكرة اجتماع قادة العرب وجند الاحتلال الأمريكي قريبون من مقار إقامتهم ومسؤولون عن تأمينهم وحمايتهم بفعل قبضهم على مفاصل العملية الأمنية ولكن هذا العام اختلف الأمر بعد أن انسحب هؤلاء الجند إلا قليلا وبات أمر التأمين والحماية للمشاركين في القمة من نصيب جند العراق.
وليس ثمة شك في أن استعادة العراق لعافيته القومية- جنبا إلى جنب عافيته الوطنية - من شأنها أن تصب في تمتين النظام الإقليمي العربي الذي يتعرض لاختلالات عدة سواء من الخارج أو بفعل عوامل داخلية ومن ثم فإن التئام القمة العربية في بلاد الرافدين خاصة بعد غياب طال عامين سيدفع إلى ضخ دماء جديدة في هيكل هذا النظام لتمكنه من إعادة إنتاج حيويته الحضارية خاصة بعد أن تحققت تحولات نوعية على صعيد التخلص من السمة الاستبدادية التي ظلت خلال العقود الأخيرة تهيمن على وحداته وهو ما أسهم- إلى جانب عوامل أخرى- في بروز حالة التردي التي تمددت في أكثر من منحى في الواقع العربي بتجلياته المختلفة.
ولاشك أن ذلك يستوجب من القادة العرب بداية الحرص على المشاركة الفاعلة في قمة بغداد وعدم الارتكان إلى أي مبررات للغياب حتى ولو استندت إلى الأبعاد الأمنية وبهذه المناسبة ما زالت تصيبني الدهشة من إصرار البعض من قادتنا على التعالي عن مؤسسة القمة بينما يركضون باتجاه أي لقاء مع مسؤولين من دول الغرب وبالذات إذا كانوا من الولايات المتحدة وليس شرطا أن يكونوا على نفس المستوى وكان على رأس هؤلاء الرئيس المصري السابق حسني مبارك فكثيرا ما غيب نفسه أو غيب عن قمم عربية عديدة وهو ما أسهم بدون شك في تقليص فعالية الدور المركزي للدولة المصرية في محيطها العربي والإقليمي غير أن ثمة نفرا من القادة العرب غير مبارك ما زالوا يتعمدون النهج نفسه.
هذا أولا أما ثانيا فإنه من الضروري أن تنزع القمة هذا العام إلى بلورة قضايا وملفات محددة تركز عليها بدلا من حالة السيولة التي تحيط في العادة بجدول أعمالها مما يفقدها القدرة على تحقيق الحسم في معظم القضايا والملفات وهو ما تسبب في خلق حالة من انعدام الثقة في مؤسسة القمة وهو ما يتجلى في تساؤل الشارع عن جدواها وأهميتها ولدي ثقة في أن يتبنى الأمين العام الحالي للجامعة العربية الدكتور نبيل العربي صاحب الخبرة الدبلوماسية والقانونية الطويلة فضلا عن قامته القومية العالية رؤية مغايرة في هذا الاتجاه حتى تخرج قمة بغداد بنتائح واضحة المعالم خاصة بالنسبة للمواطن العربي العادي بحيث يشعر أن قادته يتماسون مع أشواقه الكبرى في العدالة والتنمية والتقدم عبر مشروعات محددة تطال مختلف مناحي حياته اليومية فضلا عن تعميق شعوره بالحرية واحترام حقوقه كإنسان في ظل ثورات عربية غيرت ملامح النظام الإقليمي العربي بقوة.
لا أود أن أحمل قمة بغداد بسقف طموحات قد يتجاوز الواقع العربي الراهن بكل ما ينطوي عليه من اختلالات وتحولات وتغييرات كبرى وتحديات إقليمية ما زالت تواجهه من سنوات لكنى أتطلع إلى أن تفضي جملة من القرارات التي تجسد قناعات وإيمان القادة العرب بإمكانيات شعوبهم وهو ما قدمت ثورات تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا أكبر البراهين على حيوية هذه الشعوب ومن ثم فلا ينبغي لهؤلاء القادة أن يراهنوا على صمت مؤقت لألسنة وأفئدة البشر أو على حالة تبلد قد تبدو على السطح وإنما يتعين عليهم أن يتعاملوا معهم بحسبانهم أرقاما مهمة في معادلة الحكم تقوم على ضرورة تقديم كل ما يفضي إلى حالة القبول والرضا العام بأنظمة الحكم متكئين في ذلك على قواعد باتت من ثوابت الفكر السياسي الراهن وأهمها التعددية والقبول بالآخر وتداول السلطة وتجنب الهيمنة الأبدية على مفرداتها فضلا عن الشفافية واحترام مبدأ المواطنة في ظل مناخ تنموي ينهض على العدالة الاجتماعية.
أتطلع إلى أن يتعهد القادة العرب بكتابة عقد جديد مع شعوبهم التي لم يعد بمقدور أحد أن يحكمها بالحديد والنار أو من خلال منهجية الاستبداد والقمع بل عبر آليات الاقتراع ووفق محددات النزاهة والشفافية والانحياز لمصالحها.
في ضوء ذلك فإن القادة العرب مطالبون بالمصارحة فيما بينهم على أن النظام الإقليمي العربي لم يعد نظاما للحكام ولكن يتعين بالضرورة أن يكون نظاما للشعوب التي بوسعها هي فقط أن تمنح التفويض لمن يحكمها وفقا لشروطها التي تخاصم ما جرى في العقود الأخيرة والتي خضعت فيها لأنظمة حكم تعاملت مع المواطن باعتباره عبدا للرئيس ولبطانته وأسرته فضلا المتحالفين معه من رجال الثروة.
وفي يقيني إذا نجحت قمة بغداد في بلورة هذه التصورات التي من شأنها أن تفضي إلى المصالحة بين الحكام والشعوب فستكون قد حققت اختراقا جوهريا ونوعيا نحن في أمس الحاجة إليه حتى يترسخ الربيع العربي وعندئذ فقط سنستعيد بقوة الثقة في مؤسسة القمة وهي بداية للدخول فيما بعد في مقاربات تدفع بالأمة إلى موقعها الصحيح إقليميا وعالميا.
هل أحلم؟
ربما
لكن ما الذي يمنعني من الحلم؟
السطر الأخير:
فى ملكوت عينيك
أحمل زادي طالعا من وهج النور بعناقيدهما
تهمس لي طيورهما:
بث صبابتك فيهما
لا تصالح الغياب عنهما
ارسم عشقك للمسافة بينهما
لا تستدر
اكتب قصيدتك
ارمح بخيلك
اركض
قم فانهض
احبس وجعك
اشعل نورك
سطر نارك
قبل الحنطة في الأهداب
مزق الحزن بالأحداق
ارتو من دفء صاف رقراق
تدثر بأشواقك
تخندق بأمطارك
قل: شعري لهما
افتح الأبواب
يتهيأ لك الياقوت
تتفتح الشموس
تنعقد الأسباب
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4908
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3018
| 24 سبتمبر 2026