رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إحسان الفقيه

إحسان الفقيه

مساحة إعلانية

مقالات

78

إحسان الفقيه

حين يفقد العلم بوصلته الأخلاقية

01 أغسطس 2026 , 11:00م

لا يستطيع منصف إنكار حقيقة أن الحضارة الغربية تمكنت من صنع واحدة من أعظم الثورات العلمية في التاريخ البشري، وفتحت آفاقًا غير مسبوقة أمام المعرفة، ودفعت الإنسان إلى اكتشافات كان يظنها من ضروب الخيال.

لكن في الوقت نفسه تصطدم هذه الثورة العلمية بسؤال ملح يفرض نفسه في خضم هذا السباق المحموم عن ذلك الإنسان، ألا يزال هو الغاية التي يدور حولها العلم، أم أنه أصبح مجرد أداة على طريق الإنجازات؟

على الرغم من الإنجازات العلمية الهائلة للغرب، إلا أنه قد انتهى به الأمر إلى تهميش الإنسان نفسه بعد أن صار للعلم منطقه الخاص، يتراكم ويتمدد بلا سقف أخلاقي ولا بوصلة قيمية تحدد غايته واتجاهاته.

المشكلة في الفلسفة التي تحكم العلم ومرجعيته التي تسيّره لا العلم نفسه، وذلك حين يحدث الفصام النكد بين العلم والأخلاق، فيفقد العلم سمة التمييز بين ما يمكن فعله وما ينبغي فعله، فيكون الإنجاز هدفًا قائمًا بذاته ولو كان على حساب الإنسان، والذي لم يوجد العلم بالأساس إلا لخدمته.

سبر الغرب أغوار الذرة وكشف كثيرًا من أسرارها، فبدلا من حصرها في خدمة الجنس البشري، أطلق سباقًا نوويًا جعل العالم على حافة الدمار وتحت تهديد دائم بالفناء، وخلّفت تجاربه نفايات إشعاعية تعاني منها الأجيال اللاحقة، فتحولت المعرفة من وسيلة لحماية الإنسان إلى مصدر تهديد وجودي له.

والثورة الصناعية في الغرب كذلك منحت البشر أدوات إنتاج هائلة، ورفعت مستويات المعيشة في كثير من المجتمعات البشرية، لكن الثمن كان باهظًا، إذ طغت شهوة الإنجاز على مصلحة الإنسان وأسهمت الإنبعاثات الناتجة عن الاستخدام المكثف للفحم والنفط والغاز في تسارع التغيرات المناخية، حتى صار الاحتباس الحراري أحد أبرز التهديدات التي تواجه الإنسانية، بينما لا تزال الدول التي تقود هذا النموذج الصناعي تتعامل مع تلك المشكلة بمنطق المصالح والتوازنات السياسية أكثر من تعاملها معها باعتبارها تهديدًا وجوديًا يمس مستقبل الجنس البشري.

تخطى هذا العبث حدود البيئة والمناخ إلى الهندسة الوراثية والتعديلات الجينية، فأصبح الإنسان حقلا للتجارب دون إدراك كاف بالعواقب، فقدمت الأرباح الاقتصادية على سلامة الإنسان، والذي فرض عليه قبول المنتجات المعدلة وراثيا على الرغم من أخطارها المحدقة بصحة البشر.

ولهذا لم يكن مستغربًا أن يصف عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران جانبًا من الحداثة بأنها دخلت طورًا جديدًا من الهمجية؛ همجية لا تحمل ملامح التخلف، بل ترتدي ثوب المختبرات والتكنولوجيا والعقلانية، فتغدو أكثر خطرًا لأنها تمتلك أدوات العلم دون أن تلتزم دائمًا بحكمته.

إن الخطأ الحقيقي يكمن في تحويل التجربة الغربية إلى نموذج مكتمل لا يقبل المراجعة، وفي استيرادها بكل تناقضاتها، كما لو أن التقدم لا يتحقق إلا عبر الطريق ذاته، بما فيه من نجاحات وإخفاقات. فالحضارات لا تُقاس بما تمتلكه من مختبرات فحسب، وإنما بما تحققه من توازن بين المعرفة والضمير، وبين القوة والمسؤولية، وبين العقل والقيمة.

ولعل أخطر ما تسلل إلى وعينا خلال العقود الأخيرة هو التسليم بأن العلم لا يزدهر إلا إذا تحرر من المرجعيات الأخلاقية، وكأن القيم تمثل عبئًا على النهضة لا ضمانة لاستمرارها. غير أن التجربة الإنسانية نفسها تكشف العكس؛ فكلما ازداد العلم قوة، ازدادت حاجة الإنسان إلى منظومة أخلاقية تضبط استخدامه، وتحول دون تحوّله إلى أداة تهدد وجوده.

إن المستقبل لن يكون لمن يمتلك مفاتيح التكنولوجيا وحدها، بل لمن ينجح في إعادة الاعتبار إلى الإنسان داخل مشروعه الحضاري، فالعلم الذي لا يحرسه الضمير قد يحقق إنجازات مبهرة، لكنه قد يقود في الوقت ذاته إلى كوارث لا تقل حجمًا عن إنجازاته.

أما الحضارة التي تجعل الإنسان غايتها الأولى، فإنها وحدها القادرة على أن تصنع تقدمًا يليق بالإنسان، ويحفظ له كرامته، ويجعل من المعرفة طريقًا للعمران لا للهدم، وللحياة لا للفناء.

كلماتي ليست نقدًا لمخرجات الحضارة الغربية بقدر ما هي صيحة تحذير لكل مفتون بالنسق الغربي دون رويّة، من الفصل بين العلم والأخلاق، واعتبار الفصام بينهما طريق الازدهار والبناء.

اقرأ المزيد

تفعيل دور الوسطاء لمنع الانزلاق للحرب بين أمريكا وإيران!! تفعيل دور الوسطاء لمنع الانزلاق للحرب بين أمريكا وإيران!!

شهد الأسبوع الماضي تطورات متسارعة في المشهد الإقليمي في تطورات مقلقة ومتسارعة- تعيد عقارب الساعة إلى التصعيد والمواجهة... اقرأ المزيد

51

| 01 أغسطس 2026

المرأة الخليجية.. من الحجاب البصري إلى الحضور عبر الحرفة المرأة الخليجية.. من الحجاب البصري إلى الحضور عبر الحرفة

خلافاً لمصر والشام وإيران حيث ازدهر تصوير المرأة في الفن الإسلامي عبر قرون طويلة، اتخذ حضور المرأة في... اقرأ المزيد

153

| 31 يوليو 2026

العلم والمعرفة أساس دعم المنظومة الأمنية العلم والمعرفة أساس دعم المنظومة الأمنية

يجسد حضور سعادة الشيخ خليفة بن حمد بن خليفة آل ثاني وزير الداخلية وقائد قوة الأمن الداخلي (لخويا)،... اقرأ المزيد

120

| 31 يوليو 2026

مساحة إعلانية