رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مختار عبد العزيز محمد الكنتي

مساحة إعلانية

مقالات

264

مختار عبد العزيز محمد الكنتي

يرحل العظماء وتبقى سيرتهم خالدة

18 يوليو 2026 , 11:17م

هناك رجالٌ إذا رحلوا لم يكن رحيلهم غياب شخص، بل غياب مرحلة كاملة من التاريخ، ورحيل مدرسة في القيادة والإنسانية والعطاء. هكذا كان وقع خبر وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، على أبناء قطر وكل من عرفه أو عرف مآثره. ففي صباح ذلك اليوم، استفاق الجميع على خبرٍ صاعق، وخيّم الحزن على الوطن بأسره، وشعر الجميع أنهم فقدوا أبًا وقائدًا وإنسانًا استثنائيًا.

على الصعيد الشخصي بعد أن بدأت أستوعب هول الفاجعة، كان أول ما تبادر إلى ذهني هو التوجه للصلاة عليه رحمه الله. كانت الرحلة إلى جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب مختلفة عن أي مناسبة أخرى، فلم تكن هناك مظاهر رسمية أو بروتوكولات متكلفة، بل كان كل شيء بسيطًا يليق برجلٍ عاش قريبًا من الناس.

وقد قامت وزارة الداخلية، مشكورة، بتنظيم الطرق والمسارات المؤدية إلى المسجد، فكان الوصول ميسرًا رغم الأعداد الهائلة. كما كانت مبادرتها بمنع إدخال الهواتف المحمولة إلى المسجد بادرة طيبة ومؤثرة؛ إذ أعادت الجميع إلى لحظة الصفاء والخشوع، بعيدًا عن ضجيج التصوير ووسائل التواصل. كان المشهد كله مهيبًا؛ فمن المصلين من انكبّ على تلاوة القرآن، وآخرون يناجون الله بالدعاء، بينما كان كثيرون يحاولون إخفاء دموعهم التي خانتهم أمام هول الفقد.

ازدحمت الصفوف بالمواطنين والمقيمين، بالكبير والصغير.

كانت الوجوه يكسوها الحزن، وكل من تلتفت إليه يقول لك: "عظم الله أجرنا وأجركم."

ومع أذان المغرب، استوت الصفوف، وبدأت الصلاة. وما إن تلا الإمام قول الله تعالى:(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)

حتى سكنت القلوب، وكأن هذه الآيات جاءت رسالة طمأنينة لكل حاضر، تذكّر الجميع بأن الغاية الحقيقية من هذه الحياة هي أن تعود النفس إلى بارئها راضية مرضية.

ثم دخل نعش الأمير الوالد محمولًا على أكتاف أبنائه، يتقدمهم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في مشهدٍ مهيب. لم يكن يُسمع في المسجد في تمتمات المصلين بين بعضهم البعض إلا ذكر: "لا إله إلا الله... اللهم اغفر له وارحمه."

وعند الخروج من المسجد، كانت الحشود الخارجة من كل اتجاه؛ رجالًا ونساءً وأطفالًا. لحظتها تذكرت قول النبي عليه الصلاة والسلام: "أنتم شهداء الله في الأرض." كما تذكرت الحديث الآخر: "إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحبه..." حتى يوضع له القبول في الأرض. ولعل ما شهدناه من محبة الناس داخل قطر وخارجها، ومن صلاة الغائب التي أقيمت له في بقاع كثيرة من العالم، كان شاهدًا حيًا على هذا القبول الذي لا يُشترى ولا يُصنع، وإنما هو هبة من الله لعباده.

بعد ذلك، أخذت أتساءل بيني وبين نفسي: ماذا يمكن أن يُقال عن رجلٍ امتدت أياديه البيضاء إلى الداخل والخارج؟ وكيف يمكن أن تختصر سيرة قائدٍ جمع بين الحزم في القيادة والرحمة في التعامل، وبين بناء الدولة وبناء الإنسان؟

لقد كان الأمير الوالد قائدًا استثنائيًا، لكنه قبل ذلك كان إنسانًا قريبًا من الناس، يدخل مجالسهم بلا تكلف، ويشاركهم أحاديثهم، ويستمع إليهم بمحبة صادقة. كان يؤمن بأن نهضة الوطن تبدأ بالإنسان، ولذلك جعل التعليم والعلم وبناء الكفاءات الوطنية أولوية كبرى، وغرس في أبناء وطنه روح الطموح والثقة بالمستقبل.

ومن أجمل المواقف التي يتداولها الناس وتجسد تواضعه، ما حدث أثناء توجهه لافتتاح مستشفى في دخان، حين لمح مجموعة من طلاب المدرسة يلوحون بالأعلام وينادونه باسمه. لم يكتفِ بالتحية، بل أوقف السيارة، وترجل بنفسه، وصافحهم وتبادل معهم الحديث. لم تكن تلك لقطة بروتوكولية، بل كانت تصرفًا عفويًا خرج من قلب قائدٍ يرى أبناء وطنه أسرته الكبيرة.

ولعل خير من وصف مدرسته القيادية هو سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني حين قال: "تعلمنا في مجلسه أن القيادة مسؤولية وأمانة وأن كرامة الأوطان تبنى بالإخلاص والتضحية وتصان بالثبات على المبادئ. ولم تكن تربيته لنا تخلو من الحزم الأبوي عند عثراتنا ليقوّم مسارنا ويعلمنا الصواب ويصنع منا رجالا قادرين على مواجهة الحياة وحمل الأمانة".

هذه الكلمات لا تصف أبًا لأبنائه فحسب، بل تلخص فلسفة قائدٍ كان يرى أن القيادة تكليف لا تشريف.

لقد كان الأمير الوالد، رحمه الله، رجل دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكنه في الوقت ذاته ظل يحمل قلب الإنسان الذي لا تغلبه المناصب ولا تغيره السلطة. لذلك لم تكن محبة الناس له وليدة خطاب أو إعلام، وإنما كانت ثمرة مواقف صادقة عاشها الناس معه، وشهدوا عليها بأنفسهم.

رحل الأمير الوالد، لكنه لم يرحل من ذاكرة الوطن. رحل، وبقيت بصماته في كل طريق، وكل مدرسة، وكل مستشفى، وكل مؤسسة نهضت في عهده، وبقيت سيرته في قلوب الملايين الذين أحبوه ودعوا له.

لكن عزاء أهل قطر أنهم وجدوا في صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني خير خلفٍ لخير سلف، يحمل الأمانة ويواصل المسيرة.

نسأل الله تعالى أن يتغمد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمه لوطنه وأمته في ميزان حسناته، وأن يجزيه عن قطر وأهلها وعن المستضعفين في أنحاء العالم خير الجزاء، وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

مساحة إعلانية