رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعاد الإعلام العربي نشر تصريحات "هنري كيسنجر" مستشار اﻷمن اﻷمريكي، ووزير الخارجية السابق في عهد ريتشارد نيكسون، أطلقها منذ عدة أشهر وأنهاها قائلا: "إن طبول الحرب تدق ومن ﻻ يسمعها فهو مصاب بالصمم".أيا كانت أسباب استعادة التصريحات، غير أنه ليس من الحكمة تركها تمر دون محاولة إدراك أبعاد ما يمكن أن تعنيه، خاصة أن حالة الفوضى، وتهديدات الحرب وحركة الأساطيل لم تنقطع عن المنطقة العربية منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، والحديث عن النظام العالمي الجديد، والذي كان يومها أيقونة الحديث السياسي.
ولنر ماذا قال كيسنجر، ثم كيف نضعه في سياق الخيارات الأمريكية الغربية، فمما نقل من تصريحاته: "أن ما يجري حاليا هو تمهيد للحرب العالمية الثالثة التي سيكون طرفاها هما روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى ". وقال كيسنجر "إن الدوائر السياسية والإستراتيجية اﻷمريكية طلبت من العسكريين احتلال سبع دول شرق أوسطية من أجل استغلال مواردها الطبيعية خصوصا النفط والغاز مؤكداً أن السيطرة على البترول هي الطريق للسيطرة على الدول أما السيطرة على الغذاء فهي السبيل للسيطرة على الشعوب".
وأكد "أن العسكريين اﻷمريكيين حققوا هذا الهدف تقريبا أو هم في سبيلهم إلى تحقيقه استجابة لطلباتنا، وبقي حجر واحد علينا إسقاطه من أجل إحداث التوازن وهو المتمثل في إيران".
وأوضح كيسنجر "أنه يدرك أن كلا من الدب الروسي والتنين الصيني لن يقفا موقف المتفرج ونحن نمهد الطريق أمامنا خصوصا بعد أن تشن إسرائيل حربا جديدة بكل ما أوتيت من قوة لقتل أكبر قدر من العرب.وهنا سيستيقظ الدب الروسي والتنين الصيني. وقتها سيكون نصف الشرق اﻷوسط على اﻷقل قد أصبح إسرائيليا". هكذا حرب عالمية ثالثة، أسلحة جديدة لم تكشفها أمريكا، احتلال لسبع دول نفطية لأن البترول وسيلة الاستيلاء على الدول، وإسرائيل تحتل نصف الدول العربية، وحجر العثرة هي إيران، أي أنها مجرد خطوة على الطريق؟!
ليس من السهل القول إن كيسنجر قد بلغ من العمر ما ينفي عن كلماته العقلانية، فهو لا يتحدث من بنات أفكاره، ولكنها نتائج مراكز البحث والتفكير ورسم السياسات والإستراتيجيات في أمريكا، وحكم الكوربوقراط كما ذكر بيركنز ونقلنا عنه في مقالنا السابق، والذي يعلن عنه كيسنجر باسم الحكومة العالمية ذات القوة الأمريكية المطلقة. فهل هي الإستراتيجية الجديدة، الحرب العالمية بكل ما تحمله من صور الدمار، أم هي المزج بين الاقتصاد والحرب، والشرق العربي الإسلامي حطبها؟
من المؤكد أن هناك صراعا اقتصاديا مكتوما بين الصين وأمريكا، وخرج إلى العلن في أزمة الرهن العقاري، واتضح أن للصين يدا عليا، ومن المؤكد أن هناك محاولات روسية للعودة إلى دائرة الضوء الدولية، ومن المؤكد أيضا أن حربا عالمية بين الأطراف الرئيسية تعني فناءهم جميعا، ولكن من المؤكد أيضا أن ساحة الصراع هي نحن "النفط والموقع وإسرائيل"، فهل ندرك هذا؟
التطور لا يمس الرؤية في ضرورة تحقيق سيادة الإمبراطورية الأمريكية أو الكوربوقراطية، ولكن التطور يمس "كيف؟".
من بعد الحرب العالمية انتقلنا إلى كيرميت روزفلت في إيران وإسقاط مصدق.
ومن ثم إلى قراصنة الاقتصاد، ومعركة الإغراق بالديون، للسيطرة الكاملة، وقراصنة الاقتصاد لا يتجاوزون مرحلة إن لم تحقق هدفها، وإلا فيعقبها مرحلة الثعالب من رجال العمليات القذرة بالاغتيالات، وإن لم تنجز هدفها بالسيطرة على الدول جاء دور الجيوش.
وتخلل ذلك أسلمة الحرب في أفغانستان، عندما أعلنت السي أي إيه الجهاد بالمسلمين في مواجهة الاتحاد السوفييتي الملحد، وليخرج بعد ذلك ما أسماهم العالم بالمجاهدين الأفغان، وأغلبهم من العرب، ولكن الأخطر من حمل السلاح وفكرة الجهاد، فالسؤال كان جهادا ضد من؟، وكان الأقرب والأيسر هو الجهاد ضد المجتمعات التي خرجوا منها، ليصبح ميدان عملهم "عقيدة وفعلا" هي الأرض العربية، والأقطار العربية، والتي كانت معاناتها من أنظمة الاستبداد تفتح الباب على مصراعيه لبيئة عمل مواتية لهم.
ثم كانت رؤية كونديليزا رايس في الفوضى الخلاقة، وكان مشروع الشرق الأوسط الجديد.
لم تكن المجتمعات العربية مجرد أرض جرداء من الإرادة، واقعة تحت الفساد والاستبداد والتخلف في الداخل، وتتعرض لاغتيال التاريخ والانتقال من دعوة التحرر الوطني والقومي والتقدم، إلى الانقسام الطائفي والمذهبي، ويتفشى الفساد ليطال النخب السياسية والفكرية التي استطابت مجرد الكلام دون محاولة العمل والاجتهاد والبناء، ففقدت المجتمعات طليعتها الفاعلة، ولكن كانت هناك إضاءات، تمثل واحد منها في حرب 2006 بجنوب لبنان عندما كشف صمود المقاومة اللبنانية إمكانية كسر إرادة العدو العسكرية والسياسية، ولكن لم يكد يمضي 50 يوما حتى كانت الضربة الإسرائيلية لشمال سوريا في 6 سبتمبر 2006، لم تتحرك سوريا للرد على تلك الضربة، وتكفلت الطيور المهاجرة القادمة من الشمال عبر إسرائيل بإثارة الرعب بأجهزة الإنذار الإسرائيلية، ومضت إسرائيل لتصنع منظومة القبة الحديدية لمواجهة صواريخ الكاتيوشا وما دون الصواريخ الباليستية.
وتتجسد هزيمة عربية جديدة في انفصال الجنوب السوداني عن السودان، وتشتعل حروب الانفصال في السودان، ومازال مرشحا لمزيد من الانقسام.
وتتجمد المقاومة الفلسطينية على يد فتح وحماس، ويتحول الصراع مع إسرائيل إلى اقتتال بارد بين طرفي وأد القضية في فتح وحماس، ويدفع الشعب الفلسطيني الثمن من حياته ومن أرضه التي تضيع بهدوء وكأن الغد ملك للغافلين عن أمرهم اليوم، وليثبت أن مشروع المقاومة الإسلامية لا يحمل ما يؤهله لمواجهة حقيقة الوجود الصهيوني فوق أرض فلسطين.
وتتجسد الإضاءة الثانية في الثورات العربية في تونس ومصر في مواجهة أنظمة الفساد، ويخرج الملايين إلى الشوارع، في ظاهرة فاجأت العالم وفاجأت الشعوب ذاتها أنها تستطيع ويمكنها، وتنتقل حركة الشعوب إلى ليبيا واليمن، ويطلق الغرب عليها الربيع العربي، ويقول أحد الأصدقاء إن الربيع الغربي تسقط فيه الثلوج عن الأشجار لتنكشف عن جذوع سوداء، وكأن الغرب عبر عن مكنون ذاته أنه الربيع الأسود على العرب، هذا ما أرادوه ويسعون إليه.
ويكشف الربيع العربي حقيقة التردي والاهتراء الذي أصاب الحياة السياسية العربية ومدى التصحر الذي أصابها، فالملايين التي خرجت دون قيادة أو تنظيم، عندما عادت إلى بيوتها، وجدت نفسها عرضة لقراصنة الاستيلاء على إرادتها، ووجدت ذاتها تحت سيطرة لخداع تحت عباءة الدين المطلق الراسخ في وجدانها وثقافتها، ولكنه خداع لا يحمل مشروعا سياسيا يحفظ لها هويتها وأمنها ويبني لها نظاما يتيح لها التقدم والتحرر وإزالة الفساد والاستبداد.
وكأننا خلال الأسبوع الماضي أمام بداية لطور جديد مما أطلقوا عليه الربيع العربي.
عرض فيلم أساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقلت أجزاء منه إحدى الفضائيات الدينية في مصر، فكأنه زناد جرى الضغط عليه لينفجر حجم السخط العربي والكراهية المتراكمة ضد أمريكا، ويبزغ نجم العنف مسلحا كان أو عاصفا بالحناجر ضد أمريكا، في ذات يوم ذكرى 11 سبتمبر 2011.
وإذا جاز للأمريكيين أن يسألوا ببراءة منهم، أو بخبث، لماذا تكرهوننا؟، فالأخطر أن يتساءل أحد منا لماذا هذا العنف؟، وكأن العرب قطعان من الثيران البرية دخلت ساحة الكريستال النقي الأمريكي الثمين، وأن كل هذا العنف ليس صناعة أمريكية، سواء بمواقفها المعادية لأي حق عربي، أو بما زرعته من مناهج وأساليب وتدريبات للعنف قامت بها أجهزتها السرية، وبما مارسته من ترتيبات مع تنظيمات الإسلام السياسي التي اعتلت السلطة في الأقطار العربية، تلك التنظيمات التي بدأت التحريض والتظاهر، لتنسحب من بعد تاركة الفعل لما يعتري البشر من انفعال.
مشهدان يوحيان بأن منعطفا يقترب من الحالة الجزائرية في المواجهات التي دارت بين الجيش والتنظيمات الإسلامية المسلحة وأودت بحياة الآلاف تكررا في بنغازي وسيناء، عنف مسلح وأسلحة تقتل وتحرق، ولا تتجاوز غير إعلان عن الذات والمنهج، وأساطيل تتحرك، وحكومات ومسؤولون أكلت القطط ألسنتهم، بل وأكلت العقول، ليس هناك من يخرج إلى شعبه بحديث سياسي.
إن أخطر ما يصم أي قيادة سياسية بالنفاق والعجز، هو أن تنافق القيادة شعبها، ولا تحادثه بالحقائق. وحملت تغريدات متبادلة بين نائب مرشد الإخوان بمصر وبين السفارة الأمريكية، رفض الأمريكيين لما كتبه لهم بالإنجليزية غير ما تحدث به بالعربية، وقالوا له إنهم يمكنهم قراءة ما يكتب بالعربية، ليسقط قناع جديد عن أن الكذب عندهم بكل اللغات ومع كل الأطراف وليس مع مجتمعهم حيث النسيان سببا لاستمرارهم السياسي.
إن ما جرى في بنغازي هو مقدمة للمستقبل الذي ينتظر ليبيا، فهل ليبيا باتساعها الجغرافي وتنوعها ذاهبة بالسلاح والأساطيل وأطماع البترول وعمقها الصحراوي إلى حالة من التقسيم؟، وليس هناك ما يحول دونها غير أن يشملها الله برحمة من عنده.
ويتزايد الخطر في وقائع ما يجري في سيناء، فلم يعد الأمر هجوما مسلحا عارضا، ولكنه عدة هجمات في توقيت واحد، وتتعدى الكمائن إلى مديرية أمن شمال سيناء ذاتها ومن محيطها السكني ولمدة تجاوزت ساعة يجري تبادل الرصاص، وموقع "الريسة" يتعرض للهجمة السادسة والثلاثين، ويجري اقتحام لمعسكر "الجورة" لقوات المراقبة الدولية وأغلبها من الأمريكيين ويصاب بها اثنان من جنود القوة.
وتتحول سيناء إلى مادة لبيانات عسكرية، ومتحدث عسكري، وهي أرض حبلى بأسباب الانفجار الذاتي، وتتداخل احتياجات المواطنين هناك، مع أسلحة الإمارة الإسلامية وأعلامها السوداء، على مرمى حجر من العدو الصهيوني، بينما يجري الحديث عن أن الأنفاق بين غزة المحاصرة وبين سيناء يجب أن تبقى، بل ما يبعث على الاستغراب رفض حكومة حماس تسليم عناصر مطلوبة لمشاركتها في هجوم رفح الذي استشهد فيه 16 جنديا وضابطا مصريا، إلا إذا سمح لمندوبي حماس بحضور التحقيقات معهم؟!
حالة الفوضى المنتشرة فوق الأرض العربية، وخلط الخطط الأمريكية بخطط التنظيمات المتأسلمة، وغياب رؤية عربية مستقلة لحقيقة ما يجري، تزيد من العبء الداخلي في الأقطار العربية، بينما تعاني تلك الأقطار من غياب توازن للقوى لصالح الثورة.
قال الأستاذ هيكل إن العراق ميدان ضرب نار، والهدف أن تصل أصوات الانفجار إلى أسماع الصين، وها هو كيسنجر يربط مباشرة ذات الهدف ولكن لا يكتفي بالعراق، بل يتجاوزه إلى سبع دول نفطية، ونصف الأرض العربية، وإيران، فهل هناك من بلغ به الرشد كي يعيد ترتيب البيت، إقليميا، ومصر هنا يجب أن تكون أولا، وعربيا، حتى نحول دون "سايكس بيكو" جديدة تقسم الأمة العربية مرة أخرى على هوى الغرب المعاصر مع غياب كامل للإرادة العربية؟.
العدالة بين سرعة الأمس وتعقيد اليوم
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف،... اقرأ المزيد
39
| 30 يوليو 2026
العودة إلى الدبلوماسية والحوار
يعكس التصعيد المتسارع في وتيرة الاعتداءات وتوسع دائرة العمليات العسكرية في المنطقة حجم التحديات التي تواجه الأمن والاستقرار... اقرأ المزيد
48
| 30 يوليو 2026
قرارات صَنعت مؤسسة
عندما تصنع قراراً ايجايباً ذا هدف وأثر لوزارة أو منظمة اعلم أنك تسير في الطريق الصحيح. ففي ظل... اقرأ المزيد
60
| 29 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
5259
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1566
| 26 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1041
| 29 يوليو 2026