رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعض الأعمال الفنية لا تنتهي حين تنتهي شارتها الأخيرة. تبقى في الذاكرة مثل مدينة غادرناها ولم تغادرنا، أو مثل صديق رحل وظل صوته جالساً إلى جوارنا، أو مثل مساء قديم لا نعرف، ونحن نعيشه، أنه سيصبح بعد سنوات جزءاً من ذاكرتنا عن زمن كامل.
هكذا بقي مسلسل "خان الحرير"، من إخراج هيثم حقي، في ذاكرتي. في عام 1996، كنت أتابع الجزء الأول من المسلسل في دمشق، وكان إلى جانبي صديقي الإعلامي السوري الراحل ثائر سلوم، ابن حمص؛ المدينة التي يرقد فيها خالد بن الوليد، ذلك الاسم الذي يختصر في الذاكرة العربية معنى الطريق المفتوح على التاريخ.
كان "خان الحرير" يعيدنا إلى حلب في خمسينيات القرن الماضي، إلى عالم التجار والأسواق والعائلات والتحولات السياسية والاجتماعية. كانت أمل عرفة تؤدي شخصية "فضة"، فيما يؤدي فراس إبراهيم دور "محسن".
لكن دمشق التي كنا نشاهد فيها المسلسل لم تكن مجرد مدينة تتفرج على حكاية من الماضي. كانت هي الأخرى تعيش لحظة تاريخية ساخنة.
كان عام 1996 واقعاً في قلب مرحلة دبلوماسية عربية شديدة التعقيد، وكانت محاولات دفع سوريا نحو مسار أوسلو جزءاً من معركة أكبر على شكل المنطقة ومستقبلها.
وفي دمشق يومها كان اسم علي عقلة عرسان حاضراً بقوة؛ رئيس اتحاد الكتاب العرب، والمثقف الذي لم يكن موقفه من أوسلو والاحتلال مجرد موقف سياسي، بل جزءاً من رؤية ثقافية أوسع، ترفض أن تتحول الهزيمة إلى ثقافة، أو أن يُعاد تقديم التبعية باعتبارها حداثة، أو أن يُستبدل الانتماء الحضاري بخطاب تغريبي حداثوي زائف. وكان عرسان يومها رئيساً للاتحاد في دورته التي بدأت عام 1995 واستمرت حتى 2000.
وبينما كنا نتابع قصة فضة ومحسن، كانت المنطقة كلها تبحث عن طريق. ولعل عنوان المسلسل نفسه كان يحمل شيئاً من سر الحكاية.
فـ "خان الحرير" ليس مجرد سوق من أسواق حلب، بل يستدعي في العمق ذاكرة طريق الحرير؛ ذلك الطريق القديم الذي لم يكن مجرد مسار تجاري تعبره القوافل المحملة بالحرير والتوابل والأقمشة، بل كان شبكة هائلة تصل الشرق بالغرب، وتحمل البضائع والأفكار والأديان واللغات والثقافات، وتفتح المدن بعضها على بعض.
كان الخان مكاناً للعبور واللقاء. وكان الطريق، في جوهره، أكثر من طريق. كان تاريخاً يتحرك.
ولذلك يبدو لي اليوم أن المنطقة العربية كلها أصبحت مثل "خان حرير" واسع؛ تتقاطع فيه الطرق والمصالح والنفوذ، وتعبره القوى الكبرى، بينما يدفع الناس العاديون أثماناً لا يقررونها.
وفي قلب هذا الخان كانت فلسطين. لقد ظن العالم طويلاً أن بالإمكان إبقاء فلسطين في غرفة جانبية من التاريخ؛ أن تتحول إلى ملف تفاوضي، أو قضية إنسانية، أو مجموعة من القرارات الدولية المؤجلة. لكن غزة جاءت لتسقط هذا الوهم.
جاءت بأصوات النساء والأطفال والشيوخ. بأم تنادي طفلها من تحت الركام، وطفل لا يفهم لماذا أصبحت السماء التي كان ينتظر منها المطر مصدراً للنار، وشيخ يستغيث بعالم يعرف كل شيء عن أرقام الضحايا ولا يريد أن يعرف شيئاً عن أصحابها.
كانت غزة تقول، ببساطة موجعة: لا تتركونا وحدنا. لكن العالم تركها طويلاً. والمنطقة، بدرجات مختلفة، دفعت ثمن ذلك الخذلان.
ليس معنى هذا أن كل ما يحدث في لبنان أو إيران أو اليمن أو شمال أفريقيا سببه فلسطين. ذلك تبسيط للتاريخ، وفي كل بلد أزماته الداخلية ومسؤولياته الخاصة. لكن فلسطين بقيت الجرح الذي لم يُغلق، ولذلك ظل قادراً على إعادة إنتاج التوتر حوله.
في لبنان، حيث تتداخل الحدود والجبهات والذاكرة، لا يمكن فصل تداعيات الحرب على غزة عن المشهد الإقليمي.
وفي اليمن، تحولت تداعيات الحرب إلى البحر الأحمر، وارتبطت الملاحة الدولية بأمن السعودية والخليج وبحسابات القوى الإقليمية والدولية.
وفي إيران، تداخلت فلسطين مع صراع النفوذ والأمن والتحالفات، حتى أصبح ما يحدث في غزة جزءاً من لعبة إقليمية أكبر من حدود القطاع.
ثم تأتي شمال أفريقيا، البعيدة جغرافياً عن خطوط النار، لكنها ليست بعيدة عن أثمان عالم مضطرب: حرائق، وجفاف، وغلاء، وضيق في العيش، واقتصادات تبحث عن مخارج، وشعوب تشعر بأن الطريق إلى الغد صار أطول مما ينبغي.
لا تستطيع فلسطين أن تفسر كل هذه الأزمات. لكن تجاهل فلسطين ساهم في صناعة المنطقة التي نعيشها اليوم. فحين يعجز العالم عن حل القضية المركزية، تصبح القضية نفسها وقوداً دائماً لصراعات أخرى.
وهنا تعود إليّ صورة فضة ومحسن في مسلسل "خان الحرير" لهيثم حقي، كان بينهما حب حقيقي، لكنه اصطدم بعالم يريد أن يقرر عنهما. كانا يريدان أن يختارا، فيما كانت قوى أكبر منهما تحاول أن تختار لهما.
وهذه، في جوهرها، هي مأساة فلسطين. الفلسطيني لا يطلب من العالم أن يكتب له تاريخه. إنه يريد فقط أن يكتبه بنفسه. أن يكون وطناً لا قضية. وشعباً لا رقماً. وبيتاً لا مخيماً. ومستقبلاً لا يتوقف على إرادة القوة الغالبة.
لهذا تبدو لي معركة "خان الحرير" اليوم أكبر من مسلسل شاهدته في دمشق قبل ثلاثين عاماً.
لقد كان المسلسل يحكي عن مدينة تتغير، وعن مجتمع يتصارع بين القديم والجديد، وعن حب يحاول أن يجد له مكاناً وسط المصالح والقيود. أما المنطقة اليوم فتحاول أن تجد لنفسها مكاناً في عالم يتغير بسرعة، فيما لا تزال تحمل معها جرحاً قديماً اسمه فلسطين.
كان أوسلو يومها يوحي بأن المنطقة مقبلة على سلام جديد. لكن السلام الذي لا يحمل العدالة في داخله لا ينهي الصراع؛ يؤجله.
وهذا ما فعلته السنوات. تغيرت الخرائط، وسقطت أنظمة، وصعدت قوى، وانكسرت أخرى، لكن السؤال الفلسطيني بقي واقفاً في المكان نفسه. بل أصبح أكثر إلحاحاً.
حين أتذكر دمشق في ذلك الزمن، أتذكر ثائر سلوم إلى جواري، وأتذكر حمص التي يرقد فيها خالد بن الوليد، وأتذكر علي عقلة عرسان ومشهد الثقافة العربية وهي تخوض معركة على معنى فلسطين ومعنى الحداثة ومعنى الانتماء.
ثم أفكر في غزة، وأفهم أن المسألة ليست فقط أرضاً محتلة، وإنما إنسان حُرم طويلاً من حقه في أن يختار مصيره.
ومن هنا، فإن معركة "خان الحرير" بدأت من فلسطين، لكنها لن تنتهي عند فلسطين. تحرير فلسطين، في المعنى الأوسع، ليس نهاية الطريق، بل بداية طريق آخر: طريق تحرير المنطقة من الاحتلال، ومن الاستبداد، ومن التهميش، ومن الفقر، ومن تحويل الشعوب إلى وقود لصراعات لا تملك قرارها.
كان طريق الحرير القديم يصل المدن بعضها ببعض. أما الطريق الذي تحتاجه المنطقة اليوم، فيجب أن يصل الإنسان بالإنسان.
لكن غزة، في هذه اللحظة، تكتب فصلاً آخر من الحكاية. حين سقطت عمارة السعادة على متساكنيها، لم يسقط معها بيت وحسب، وإنما سقط جزء من حياة كاملة: غرف كانت تحفظ صور أصحابها، ومطابخ كانت تفوح منها رائحة الخبز، وأبواب كان خلفها أطفال ينامون على أحلام صغيرة.
صار البيت، في غزة، شيئاً يمكن أن يتحول في لحظة إلى ركام، وصار الركام نفسه شاهداً على أن الفلسطيني لا يموت فقط حين يُقتل، بل يُطلب منه أحياناً أن يموت مرتين: مرة تحت القصف، ومرة حين يُقتلع من المكان الذي ولد فيه.
ولهذا يتمسك أهل غزة ببيوتهم، حتى حين لا يبقى من البيت إلا جدار، وبأرضهم حتى حين تتحول الأرض إلى مقبرة. إنهم يقولون، بطرق مختلفة، إن الموت في الوطن أهون من حياة تُفرض عليهم في المنفى، وإن البيت ليس حجارة يمكن نقلها، وإن الأرض ليست مساحة على الخريطة يمكن استبدالها بمساحة أخرى.
ومن المفارقة هنا أن يصبح الموت نفسه آخر أشكال التشبث بالحياة؛ حياة الإنسان في المكان الذي اختاره لنفسه، وفي الأرض التي يريد أن يبقى فيها، وفي الذاكرة التي لا يريد لأحد أن ينتزعها منه.
ولعل أصدق ما يمكن أن نختم به، ونحن نرى غزة تتشبث بأرضها وسط الركام، هو ذلك المعنى القديم الذي حفظه أبو البقاء الرندي في رثائه للأندلس:
موتُ الكرامِ حياةٌ في مواطنِهمُ
فإنْ همُ اغتربوا ماتوا وما ماتوا
ليس البيت دعوة إلى الموت، وإنما تعبير عن معنى أعمق: أن الإنسان قد يفقد حياته، لكنه لا يريد أن يفقد وطنه؛ وأن الغربة القسرية ليست مجرد انتقال من مكان إلى مكان، وإنما قد تكون اقتلاعاً للذاكرة والهوية والحق في أن تكون لك أرض تقول: هنا بيتي.
من هنا أفهم غزة أكثر. أفهم لماذا يبقى الفلسطيني في بيته حتى حين يصبح البيت ركاما، ولماذا يعود إلى المكان الذي قُصف، ولماذا يصر على أن يدفن موتاه في الأرض نفسها التي ولدوا فيها. إنه لا يدافع عن حجر فقط، وإنما عن حق الإنسان في أن تكون له بداية ونهاية في المكان ذاته.
وهكذا يعود "خان الحرير" إلى نقطة البداية: إلى فلسطين. فطريق الحرير القديم كان طريقاً للقوافل التي تعبر البلدان، أما الطريق الذي تبحث عنه المنطقة اليوم فهو طريق الإنسان إلى وطنه، وإلى حريته، وإلى حقه في أن يعيش من دون أن يُقتلع من مكانه.
وربما لن تنتهي حكاية الخان إلا عندما يصبح الوطن مكاناً آمناً لأهله، لا ممراً إلى المنفى؛ وعندما لا يعود الفلسطيني مضطراً إلى الاختيار بين بيت مهدّم واغتراب مفروض؛ وعندما تستطيع شعوب هذه المنطقة كلها أن تفعل الشيء البسيط الذي أرادته فضة ومحسن منذ البداية: أن تختار حياتها بنفسها.
عندها فقط، يمكن أن نقول إن الطريق الذي بدأ من فلسطين وجد أخيراً طريقه إلى السلام.
الحوار الأمريكي مع حماس.. حين يصبح المستحيل بابًا للسياسة
ليست كل الأبواب التي تُفتح في السياسة تعلن عن نفسها بصوت مرتفع. بعضها يبدأ باجتماع مغلق، أو اتصال... اقرأ المزيد
210
| 18 أغسطس 2026
حين يصبح البحر أقل قسوة من اليابسة
قبل أن تُغرق أمواج البحر أجسادهم، كانت قد أغرقت أرواحهم سنوات طويلة من الانتظار. آلاف الذين تدفقوا نحو... اقرأ المزيد
249
| 10 أغسطس 2026
هل دخلت العدالة الدولية قفص الاتهام؟
لم يكن كريم خان مجرد موظف دولي يشغل منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، بل أصبح، شاء أم... اقرأ المزيد
516
| 26 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4818
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3441
| 23 سبتمبر 2026