رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس من السهل اختزال تجربة تناهز ربع قرن من العمل في شبكة الجزيرة في سطور أو صفحات محددة. إنها تجربة مهنية وإنسانية عميقة ومشحونة بالأحداث والمنعطفات.
ولأن من الصعب اختزال هذه التجربة الطويلة والحافلة بصور متعددة من الوجوه والأماكن والذكريات، فإني سأكتفي باستحضار بعض ملامح مرحلتها الأولى، بدايات الجزيرة، التي ما زال صداها وعبق مكانها وزمانها حاضرا بقوة في النفس والذاكرة. كيف لا وهي المرحلة التي وضعت اللبنة الأساس لصرح إعلامي عظيم شغل الناس وسطر تاريخا يحفل بالإنجازات والتحديات والتضحيات.
مر ربع قرن تقريبا ولا تزال الذاكرة حية والعاطفة قوية.
كيف كانت البداية؟
أبهرني، وأنا أتابع بث القناة في وطني المغرب، مستوى المحتوى وجرأة الطرح وتعددية الآراء والمواقف، هامش الحرية. ومثلما قال أحدهم يوما:
(وجدت في الجزيرة خبراً لا إخبارًا).
لم أتأخر في تقديم طلب الانضمام إلى القناة عبر سفارة دولة قطر في الرباط، ولم تمض سوى أيام قليلة وإذا بي أمضي على عقد العمل، لتبدأ حكايتي مع الجزيرة، وذكريات البدايات الفريدة.
في يوم السبت 10 مايو 1997 وطأت قدماي غرفة الأخبار للمرة الأولى..
لحظتها طغت عليَّ مشاعر ممزوجة بالرهبة والفرح، وكانت مساحة غرفة الأخبار أولى المفاجآت..
مكان صغير، تؤثثه طاولات دائرية الشكل ومضلعة الجوانب، عليها أجهزة الحواسيب، وحولها أشخاص منهمكون في عملهم، وفي عمق هذا الفضاء صورة لخريطة العالم على الجدار، تشكل خلفية نشرات الأخبار.
"أيعقل أن يخرج ذاك المنتج الإخباري المدهش، الذي أتابعه على الشاشة، من هذا المكان الضيق؟!" كان هذا السؤال الذي تردد بداخلي مثلما كان يتساءل كثير من زوار القناة!
وإذ كنت أتحدث إلى العم عبدالله، السائق الذي رافقني من الفندق إلى مقر القناة، مر بجانبي بعض الزملاء، تبينوا من نظراتي التائهة أني زميل جديد، بادروا بالتحية والترحيب والتعارف.
فكان لذلك أثر جميل منحني شعورا بالارتياح وبدد رهبة البدايات.
هذا زميل من تونس وذاك من الأردن وهذا من فلسطين المحتلة وتلك الزميلة عراقية والآخر من السودان يرافقه زميل من مصر، وغيرهم تعرفت إليهم لاحقا من دول عربية شتى..
هي جامعة عربية مصغرة، حدثتني نفسي.
ورغم صغر حجمها، كانت غرفة الأخبار تنبض بالنشاط والحيوية وتسكنها طاقة إيجابية.
بعد يومين من هذه الزيارة بدأت تجارب الأداء، وبعدها بأسبوع كنت أقدم نشرة الأخبار على الهواء، والفضل لله تعالى وللزملاء، الذين لم يبخلوا بالدعم والمساعدة.
بسرعة اندمجت في جو العمل، وبسرعة وقعت تحت سحر المكان، وبسرعة استوعبت سر نجاحٍ وبروزٍ سريع ولافت لقناة وليدة لم يتجاوز عمرها وقتئذ ستة أشهر، وساعاتُ بثها اليومي ست فقط.
إنه العمل الجاد والتعاون الجماعي والاحترام والتقدير المتبادل بين الجميع، والالتزام بالقواعد المهنية.
كانت غرفة الأخبار فضاء حقيقيا للمثاقفة، والتبادل المفتوح للأفكار والمعلومات وبيئة إيجابية للعمل.
ما كان معظم الزملاء مجرد محررين صحفيين، بل أشخاص على مستوى عال من الوعي السياسي والمعرفي والثقافة العامة، وكانت الأحاديث الجانبية معهم فرصة ممتعة ومفيدة.. ورغم اختلاف اللهجات والعادات والتقاليد والثقافات والمرجعيات والأفكار المسبقة أحيانا، إلا أن المشترك بين مكونات غرفة الأخبار كان فوق كل اختلاف.
جمعتنا القناعة برسالة القناة وأهمية خدمة هذا المشروع والرغبة في الإنجاز وتحقيق الذات.
كان شعور الانتماء إلى المؤسسة يتعزز ويتجدد شيئا فشيئا، وما زاد هذا الشعور قوة، تشبثها بسياستها التحريرية ووضعها قضايا المواطن العربي والإنسان عموما في صلب اهتمامها وفتح ملفات ظل الاقتراب منها ممنوعا على الإعلام التقليدي.
روح الجزيرة
أصبحت الجزيرة مشروع كل فرد من العاملين فيها وملأت تلك الروح المكان. سرها في الانحياز للحقيقة والقضايا العادلة وللإنسان أينما كان..
كان هاجسنا جميعا، إدارةً وعاملين، المثابرة والإصرار على التطور وتحقيق مزيد من الانتشار والوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المشاهدين.
كان الإعداد والتحضير لنشرات الأخبار والبرامج بمثابة اختبار يومي يجري الاستعداد له بجدية تامة وعمل جماعي دقيق..
وشكَّل الالتزام التام بالقواعد المهنية الواضحة وضوابط العمل الصارمة والجدية في الأداء سرا آخر من أسرار النجاح.. كما كان التغلب على المشاكل الطارئة وتصحيح الأخطاء بالحوار والتفاهم في معظم الأحيان.
وكانت حماستنا للإنجاز ترفض الجهد القليل أو الصنعة الأسهل.
كان الحرص على تطوير القناة وحفظ صورتها والغيرة على صيتها عاملا مشتركا بيننا.. وكثيرا ما كنا، ونحن نتابع القناة في بيوتنا، نتصل بغرفة الأخبار منبهين الزملاء للتصويب إذا ظهر خطأ ما على شاشة الجزيرة. كان ذلك أشبه بـ (عرف)، ولم تكن الصدور تضيق بالملاحظات البنَّاءة.
إنها "روح الجزيرة"
رغم أجواء العمل الجادة التي يطبعها أحيانا التوتر والقلق، إلا أنها لم تكن تخلو من لحظات طريفة يضفيها زملاء ظرفاء وخفيفو الظل بقفشاتهم على المكان، تسهم في بناء جسور المودة بين الزملاء.. وكنا نشعر بالخسارة كلما اضطرت ظروف ما زميلة أو زميلا للمغادرة طوعا أو كرها، وكنا نجتمع وننظم حفلة تكريم للمغادر، سواء داخل القناة أو خارجها، وكلنا أمل في عودته قريبا.
لقد كنا فريق عمل منسجما وناجحا.
وإذا وجدت فريقا ناجحا فاعلم أن
سر النجاح إدارة ناجحة
ظلت إدارة الجزيرة في تلك المرحلة منفتحة على مختلف الآراء والأفكار، وظل تواصلها مع العاملين في القناة متاحا وبلا حواجز أو قيود، فالمشروع واحد والهدف مشترك.
كانت الاجتماعات بين الإدارة والعاملين من مختلف الأقسام تعقد بانتظام، وكانت علاقة الطرفين علاقة شراكة فعلية سواء في بحث وإعداد خطط وأساليب العمل أو في مناقشة مشاريع تطوير الأداء وتوفير مستلزمات الارتقاء. كان ولا يزال الحرص على التشبث بالقواعد المهنية والتوازن في الطرح رسالة الإدارة إلى العاملين.
وليس من المجاملة أو المبالغة القول وبإجماع الرعيل الأول أن الإدارة آنذاك وبقيادة رئيس مجلسها الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني وباحترافيتها ومهنيتها ووضوح رؤيتها وبحزمها وعزمها، نجحت إلى حد كبير في الاستفادة القصوى من الخبرات والطاقات العاملة في المؤسسة ووفرت كل متطلبات النجاح وعززت بشراكتها مع الموظفين شعور الانتماء وضخت فيهم بثقتها في قدراتهم وكفاءاتهم قوة دفع معنوية للإنجاز، ودون أن تستولي على ما يحققونه من نجاح. وهنا (روح الجزيرة)
فقد كان التحفيز المادي والمعنوي والثناء والإشادة بالعمل الناجح وبصاحبه نهج الإدارة مع الجميع.
كما كان تصويب الأخطاء والتعامل مع تحديات العمل اليومية بالحوار وبالتوجيه، دون تشكيك في قدرات من أخطأ أو انتقاص من قيمته، وكانت المحاسبة حاضرة أيضا عند الاقتضاء. ولا يجب أن أغفل مواقف الإدارة المشرفة في التعامل مع الحالات الإنسانية للزملاء. ولن أنسى أبدا وقفتها النبيلة بجانبي حينما تعرضت لحادث سير خطير عام 1998..
هذه بعض من أهم العوامل التي ساهمت في أن تبلغ الجزيرة من النجاح ما فاق الطموح والتوقع.
وكأنه الحلم الذي أصبح حقيقة..
كان صدق محتوى ما تبثه قناتنا، والطرح الجريء والتحليل العميق من زوايا متعددة وعرض الآراء المتعارضة، بضاعتنا التي قدمنا بها أنفسنا إلى جمهورنا العربي وإلى العالم فجذب إلينا الاهتمام والاحترام.
كان تفاعل وتجاوب المواطن العربي مع مُنتج ورسالة القناة هائلا تفاجأنا به نحن أولا قبل غيرنا..
ومبكراً بتنا نسمع حديثا عن مدرسة الجزيرة، مدرسة بأسلوبها وقواعد عملها ودقة وعمق محتواها، صححت مفاهيم وغيرت قناعات ورفعت من مستوى وعي المشاهد العربي بحقيقة واقعه وما يدور حوله.
وبسرعة مذهلة تمكنت القناة من ترسيخ موقعها بين القنوات الإخبارية الرائدة.
جاءت التغطية الجريئة للحرب على العراق، والحرب على أفغانستان لترسخ موقع القناة بين القنوات الإخبارية الدولية الرائدة.
ولكوننا كنا المصدر الأساسي للأخبار في العراق والوحيد في أفغانستان، وُضعنا تحت مجهر رصد عربي ودولي دقيق.
زادنا ذلك شعورا بجسامة المسؤولية، فأصبح الوقوع في الخطأ هاجسا ضيّق عيون غربال نقدنا الذاتي.
كانت المعلومة قبل بروز الجزيرة حكرا على الإعلام العربي الرسمي والإعلام الغربي، ولكن ظهور الجزيرة بالمستوى المهني العالي الذي تغطي به الأحداث سواء من الميدان أو من الأستوديو وبمعلومات مستفيضة ودقيقة من زوايا مختلفة وبلغة المشاهد العربي، جعلها مصدر الأخبار الأول للمشاهد العربي، حيث تراجعت مكانة القنوات الإخبارية الغربية في المنطقة وتضاءل تأثيرها إلى حد التلاشي، بل ولجأت تلك القنوات إلينا لتنهل من الجزيرة الأخبار والصور.
وبات المقر المركزي للمؤسسة مقصدا لقنوات إخبارية شهيرة ووكالات أنباء عالمية من شتى الدول، وموفدي قنوات غربية كبرى ظلت لسنوات طويلة مرجعا لأخبار المنطقة..
توافدوا على مقر القناة في الدوحة ليوقعوا الاتفاقيات للتبادل الإخباري وينقلوا عنها أخبارها وصورها ويعدوا عنها التقارير والروبورتاجات والبرامج ويجرون لقاءات خاصة مع المسؤولين عنها ومع وجوهها المعروفة من مذيعي الأخبار ومقدمي البرامج.
أصبحت الجزيرة تتصدر صفحات صحف ومجلات عالمية ليس كمصدر للخبر فقط وإنما كخبر في حد ذاته.
كما لجأت إحدى القنوات اليابانية إلى بث بعض نشرات أخبار الجزيرة مع ترجمة بشريط على الشاشة. كان ذلك فعلا مدعاة للفخر في غرفة الأخبار.
ورغم زخم العمل اليومي، فتحت القناة أبوابها للمهتمين والباحثين والمتطلعين لفهم سر قوتها وريادتها، وعجت غرفة الأخبار بزوار من مستويات وتخصصات متعددة، من دبلوماسيين وأكاديميين وإعلاميين وطلاب معاهد الإعلام.
مقياس النجاح
ولم يكن مستوى الاهتمام والاحترام من جمهورنا ومخالفينا مقياس نجاحنا الوحيد، بل كان حجم الضغوط الهائل الذي تتعرض له طواقم المؤسسة في الميدان والعاملون في مكاتبها الخارجية من قبل سلطات دول عدة هالها حجم تأثير القناة على جمهورها، مقياسا لحجم تأثير رسالتها..
ولكن، للحقيقة أعداء وثمن.
تحرك أعداء الكلمة الحرة سرا وعلانية لإخماد صوت الحق.
دول عربية أرهبها منبر الجزيرة راحت تؤلب قوى كبرى وتحرضها للضغط على قطر والجزيرة، بل وحتى على قصفها! ومنها دول ظلت إلى حين أزمة الحصار تطالب بإغلاق القناة.
دفعت القناة الثمن غالياً باستشهاد زملاء واعتقال آخرين سنوات طويلة في السجون. وخضع بث الجزيرة وبعض صحفييها لمراقبة ورصد مباشر من الولايات المتحدة وغيرها من الدول. وكانت تصل إلى القناة ملاحظات واستفسارات أو احتجاج على بث خبر ما أو صورة بعينها، وبلغ الأمر إلى حد إبداء ملاحظات أو انتقادات لنظرة أو نبرة صوت مذيع أثناء تقديم الخبر!
وما زالت القناة تتعرض للحروب وحملات التشويش والتشهير والتنفير من أعداء الأمس واليوم. لكن الجزيرة برسالتها السامية وإرادة القائمين والعاملين فيها لن تنحني ولن تتراجع. وتبقى ثقة المشاهد العربي الواعي، وسمو المبادئ التي نعمل بها وندافع عنها، الذخيرة الحية التي نواصل بها المسير إلى المستقبل.
مذيع أساسي بقناة الجزيرة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع سكان طوكيو إلى محطات الوقود بدراجاتهم، لم يكن ذلك مشهدًا من فيلم خيال علمي بل كان أول درس حقيقي للعالم في جغرافيا الطاقة، تزايد المخاطر المحيطة بالبنية التحتية للطاقة يدفع نحو التفكير في إنشاء مشروع عربي- خليجي- دولي تكون مهمته حفظ أمن المضائق المائية وخطوط الإمداد وسلاسل التوريد، لا عبر التركيز على الأمن الميداني فحسب من تأمين السفن والأنابيب، بل عبر إدارة عقلانية للعرض والطلب وبناء منظومة توازن جديدة تمنع الأزمات، فوجود كيان أممي مفتوح يشارك فيه المصدرون والموردون على حد سواء، بحيث يضم المنتجين للنفط والغاز والمستهلكين من أمثال الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا والولايات المتحدة لتشكيل إطار مؤسسي لا يقتصر على المنطقة فحسب بل يتسع للعالم. أهمية الطاقة للحضارة الانسانية من الصناعات الحديثة والدقيقة إلى الذكاء الآلي، تعتمد على الصادرات الخليجية، وهذا يحتم وجود اطر لادارة الشأن الخليجي، فالفراغ يدفع الدول والآخرين لتعبئته خاصة لاهمية منطقة الخليج التي هي مصدر الكثير من لقيم المصانع الحديثة والآلات والأجهزة الحديثة فمن النفط ومنتجاته الى الغاز والطاقة النظيفة ومنتجاتها مثل البتروكيماويات واهميتها للصناعات الحديثة والاسمدة واهميتها للزراعة والمنتجات الاخرى مثل الهيليوم والنافتا والالومنيوم والصناعات الاخرى، كل هذه المواد تنتج في الخليج وتخرج من مضيق هرمز، هناك اكثر من ٢٠٪ من الطاقة العالمية تخرج من مضيق هرمز واكثر من ١٣٪ من حاجة البشرية للزراعة في شكل اسمدة من المنطقة والنيتروجين والامونيا والهيليوم الذي تحتاجه صناعات الشرائح، كل هذه المنتجات ومع اهميتها وهذا الغنى والتنوع في المنتجات وحاجة اسواق العالم لها لكنها تقع في منطقة لا تتمتع بهياكل تنظيمية قادرة على ضبط امن هذه الصناعات ولا ضبط ايقاعها للاسواق ولا ضبط موازين العرض والطلب وهذه امور ضرورية لحيوية الاقتصاد العالمي ولاستقراره، دون وجود منظمة لحماية الطاقة ما بين ضفتي الخليج تظل الامور ارتجالية ولا تخضع لقواعد تنظيمية تمنح المصدرين والمستوردين ودول المنطقة مستوى من الامان لضمان استقرار سلاسل التوريد. ومثل هذه الاحداث الاخيرة في المنطقة والحرب على ايران هي ناقوس خطر اذا لم تأخذ دول المنطقة المبادرة لانشاء منظمة لحماية الطاقة تقوم بحفظ التوازنات وضبط القواعد وانشاء الكيانات القادرة على توفير الامن وتوفير القدرة على ادارة مختلف القطاعات فبامكانها تأمين المضائق المائية وبامكانها انشاء منظمات او مؤسسات لتأمين ناقلات النفط والشحن من السلع المغادرة من المنطقة والمتجهة لمختلف دول العالم مع غنى منطقة الخليج ولكنها ايضا تقع في وسط القارات مما يجعلها حلقة وصل اما لحركة السفر او لحركة البضائع ومصدر الطاقة، تحتاج المنطقة لمؤسسات للتأمين وللتمويل ولدراسة الجدارة الائتمانية ووضع منظومة لتحسين المناخ الاستثماري لتحتوي على كل ما يمكنه ان يوفر الامان للاسواق العالمية والاقتصاد العالمي. هذا الكيان يمكن أن يبدأ بخطوة عملية عبر الدعوة إلى قمة تأسيسية في الدوحة يتم فيها التوافق على اتفاقية إطار مؤسسي تحدد المهام والصلاحيات، ويقوم بنيته على مجلس أعلى يتكون من خمس عشرة دولة، خمس منها أعضاء كبار بخدمة ثابتة لخمسة أعوام وعشرة أعضاء يتم تداولهم سنويًا، إلى جانب مجلس استشاري يضم خبراء في الطاقة والجيوسياسة والاقتصاد، ومراكز بحوث وبيوت خبرة تعنى بتجميع البيانات وتحليلها وصناعة التصورات المستقبلية التي تساعد صناع القرار على إدارة المخاطر. وسيكون من صلاحيات هذا الكيان الدعوة إلى المؤتمرات والورش ووضع الاستراتيجيات والرؤى التي تجمع الحكومات بقطاع الاعمال والمستثمرين من أجل صياغة سياسات شاملة لأمن الطاقة. ولا يقتصر دوره على الجانب الأمني وإنما يمتد إلى وظائف اقتصادية ومؤسساتية، مثل تأسيس شركات تأمين لتغطية المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والبنى التحتية، وإنشاء مصارف متخصصة لتمويل مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، بالإضافة إلى وكالات ائتمان للطاقة تقوم بجمع المعلومات وتحديد المخاطر وتوفير قاعدة بيانات موحدة دولية، فضلًا عن منصات استثمارية يمكنها جذب رؤوس الأموال نحو البحث والتطوير وتشجيع التكنولوجيا النظيفة. إن أمن الطاقة يرتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية في مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق، وأي اضطراب في هذه النقاط التاريخية قد يشعل أزمة اقتصادية أو صراعًا عسكريًا، ولذلك فإن مشاركة جميع اللاعبين الإقليميين بما في ذلك إيران ستكون ضرورية لتأمين شراكة شاملة تضمن أن يكون أمن الطاقة مصلحة جماعية شاملة لكل الأطراف بشكل مغاير لاوبك وأوبك بلس. الغاية من هذا المشروع هو تأمين الطاقة عالميًا ومنع التجاوزات والصدامات التي تؤدي إلى حروب، وتمكين العالم من دخول حقبة نمو اقتصادي آمن ومستدام قائمة على إدارة عقلانية بعيدًا عن محاولات الهيمنة أو الاستغلال، وهو ما يمكن أن يجنب المنطقة والعالم مخاطر الصدام الكبرى مثلما شهدنا في المواجهة بين إيران وأمريكا وما تحمله من تهديد نووي. هذا الطرح يمثل ورقة إطار عام تصلح للانطلاق نحو بناء هيكل تفصيلي أكثر وضوحًا للحوكمة والتمويل والتمثيل السياسي، لكنه في صورته الراهنة يقدم تصورًا عمليًا لعقد جديد للطاقة يعتبر أن أمن الطاقة هو أمن جماعي وعالمي وليس شأنًا محصورًا بالمنتجين أو المستهلكين، بل مسؤولية مشتركة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
11142
| 06 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل ربما أصبح الإفراط في توفرها هو التحدي الحقيقي. وبيان ذلك، أنه يمكن للمرء بضغطة زر أن يمثل أمام بصره آلاف المقالات والبحوث، ويشاهد مئات المقاطع المرئية، ويستمع خلال دقائق معدودة إلى حشد من الآراء في مسألة واحدة، إذ أسهمت البيئة الرقمية الحديثة والمحتوى السريع في تشجيع استهلاك المعرفة في شكلها الأسهل. بيْد أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج وعيًا أعمق، بل أفرز ما يمكن أن نسميه بوهم المعرفة السطحية، حيث يظن مستخدم الشبكة العنكبوتية أنه أوغل في الثقافة والمعرفة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يمتلك سوى قشرة رقيقة من الفهم، قشرة لامعة. خطورة هذا الوهم أنه لا يقوم على الجهل الصريح الذي يمكن معالجته، وإنما على فكرة الإحساس الزائف بالمعرفة، فهو يتحدث بثقة كمن ألمَّ بأطراف الموضوع أو القضية، ويصدر حولها أحكامًا، مستندًا في ذلك إلى سياق مبتور أو فهم غير مكتمل أو آراء شاذة، فيحدث لديه الخلط بين الاطلاع والفهم، وبين المعرفة والاستيعاب، فتتكون قناعاته الهشة التي تبدو صلبة في ظاهرها لكنها تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي. ولئن كان الجاهل يمكن أن يزيل جهله بالتعلم عندما يعترف بجهله، فإن هذا المتعالم مدعي الثقافة على يقين من أنه يعلم، فمن ثم لا حاجة به إلى التعلم. يبرز هذا الوهم بوضوح في النقاشات العامة التي تتناول قضايا حيوية بثقة مفرطة وتستخدم خلالها مصطلحات قد لا يدرك قائلها أو كاتبها معناها الكامل ولا مغزاها ولا مدلولها لدى أهل الاختصاص، ومع تكرار الاستخدام، يتعزز الإحساس بالمعرفة، رغم غياب الفهم الحقيقي. الإعلام يسهم أحيانا في تعزيز هذا النمط وتكريس السطحية، عبر تقديم تحليلات مختزلة خاطفة تفتقر إلى العمق، وبدورها تميل المنصات الثقافية إلى تفضيل المحتوى الخفيف الذي يركز على اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ولو أتى الطرح على حساب الجودة. ينتج عن هذا الوهم، ضعف القدرة على التفكير النقدي، فصاحب القشرة اللامعة الذي يتوهم الإحاطة والمعرفة والثقافة يكون أقل استعدادا للنقد الذاتي والمراجعة، بل يميل دائما لتعزيز قناعاته دون الاستماع إلى الآراء المختلفة، فيتحول الحوار إلى تبادل مواقف جاهزة وينأى عن كونه عملية بحث مشتركة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. كما تكمن خطورة وهم المعرفة السطحية في أنها تسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، فحين يتشارك أسارى المعلومة السريعة أي محتوى دون التحقق منه، والذي قد يكون مغلوطا أو مجتزءًا من سياقه، فحينئذ يسهمون في تضليل الآخرين، ومع سرعة انتشار المعلومات يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، خاصة إذا كان مرتبطا بقناعات راسخة. لكن الحل ليس في رفض ونبذ المعلومة السريعة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فهذا الفضاء يتيح فرصا هائلة للتعلم والانفتاح والارتقاء، لكن المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك السريع للمعلومات، إلى التفاعل الواعي والفهم العميق. ويبدأ هذا التوجه من إدراك المرء لحقيقة معرفته، والإيمان بأهمية التخصص واللجوء إلى المتخصصين في الميادين المختلفة، ولا يعني هذا على الإطلاق التخلي عن التفكير وإعمال العقل، بل يعني ممارسة النشاط الثقافي والمعرفي بشكل أكثر نضجا. كما ينبغي للمحاضن العلمية والثقافية تعزيز مهارات التفكير النقدي القائم على طرح الأسئلة وتحليل المعلومات والتمييز بين المصادر، والانتقال من التلقين إلى تنمية القدرة على الفهم والتحليل. إضافة إلى ذلك، يجدر تشجيع القراءات المتأنية الطويلة التي تتيح للإنسان فرصة التفاعل مع الأفكار وفهم سياقاتها، والربط بينها، ويساعد على ذلك إعادة الارتباط بالكتاب، والذي تراجعت أهميته بشكل نسبي أمام الوسائط الرقمية. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من الاستهلاك العشوائي، والاتجاه إلى اختيار مصادر موثوقة للحصول على المعلومة، وعدم التسرع في إبداء الرأي خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب فهما أعمق.
3201
| 05 أبريل 2026
إن تعيين الموظف بجهة إدارية أو حكومية يستلزم تسخير مجهوده العملي في خدمة تلك الإدارة وتفادي ممارسة أي عمل آخر من شأنه يتعارض مع مصلحتها أو يضر بها لحساب ذلك الموظف، لذلك فقد وضع قانون الموارد البشرية المدنية مجموعة من الضوابط اعتبرها محظورات على كل موظف يعمل بجهة حكومية تحت طائلة المساءلة التأديبية. وقد أوضح هذه الممارسات المحظورة على الموظفين على سبيل المثال في المادة 80 من القانون المذكور ثم جاءت المادة 81 منه بمقتضى شامل يحظر على الموظف أي عمل يمكن اعتباره متعارضا مع مصلحة الإدارة. أما الأفعال المعتبرة محظورة قطعا فهي إتيان أي فعل يتعارض مع أي قانون أو لائحة معمول بهما وإهمال المهام الموكولة للموظف، وإفشاء الأسرار المهنية والمعلومات الداخلية حتى بعد ترك الخدمة باستثناء حالة الحصول على إذن كتابي من الرئيس، والاحتفاظ بوثائق ومستندات تخص الخدمة. كما تعتبر من الأفعال المحظورة على الموظف الإساءة إلى الدولة بواسطة توقيع عرائض أو الانتماء لجهات محظور التعامل معها، ويمنع عليه كذلك وهو على رأس وظيفته أن يقدم خدماته لجهة عمل أخرى إلا إذا حصل على إذن مسبق من الرئيس التنفيذي إذا كانت الجهة غير حكومية، أما بالنسبة للعمل بجهة حكومية أخرى بالتزامن مع العمل بوظيفته فيتطلب الإذن له بهذا الاستثناء الحصول على موافقة من رئيس مجلس الوزراء. أما بالنسبة لممارسة الموظف أعمال التجارة والحصول على الأرباح من التعاقدات فإنه محظور عليه هذا الأمر إذا كان في ذلك تعارض أو مساس بمصلحة الجهة التي تم توظيفه فيها، أو التي تكون تلك الجهة طرفا فيها حتى لو لم تكن في هذه الحالة مصالح الموظف متعارضة معها. ومن جهة أخرى فالموظف ملتزم بعدم إتيان الأعمال التي تدخل في مخالفة مبادئ الشرف والأمانة مثل استغلال النفوذ والتأثير على الموظفين وتحريضهم على تجاوز النصوص القانونية واللوائح المعمول بها، وكذلك ممارسة الأعمال التي تعتبر من قبيل الرشوة بسبب استغلال المنصب الوظيفي لتحقيق أغراض للغير مخالفة للقوانين واللوائح. وعلى العموم ففي حال ثبوت ارتكاب الموظف للأمور المحظورة عليه بحكم القانون فإنه يترتب على ذلك قيام مسؤوليته التأديبية، وفي بعض المحظورات فإن المساءلة تكون تأديبية وجنائية في نفس الوقت، لأن المحظورات المنافية لمبادئ الشرف والأخلاق مثل استغلال النفوذ والرشوة تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون بعقوبات قد تكون حبسية.
1551
| 06 أبريل 2026