رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فهد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

423

فهد المرواني

كلما زاد عدد الآراء اختفى القرار

10 أبريل 2026 , 01:37ص

في البيئات التي تُقدّس الشمولية، لا يُتخذ القرار حتى يمرّ على أكبر عدد ممكن من العقول. الفكرة تبدو عقلانية: مزيد من الآراء يعني رؤية أشمل، ومخاطر أقل، ونتائج أفضل. لكن ما يحدث عمليًا أقرب إلى ظاهرة عكسية هادئة: كلما اتسعت دائرة المشاركة، تراجعت احتمالية الحسم. لا لأن الآراء خاطئة، بل لأن كثرتها تُنتج نظامًا لا يعرف كيف يُنهي نفسه.

تبدأ العملية بنية حسنة: خلّونا نسمع من الجميع. تُرسل المسودة، تُفتح التعليقات، ويبدأ تدفّق الملاحظات. بعض الآراء متعارضة، بعضها تفصيلي إلى حد الهوس، وبعضها عام لدرجة لا يُبنى عليه شيء. في هذه اللحظة، لا يكون السؤال: ما القرار الأفضل؟ بل: كيف يمكن إرضاء أكبر عدد ممكن من هذه الآراء دون خسارة أحد؟. وهنا يتحول القرار من فعل حاسم إلى عملية تفاوض مستمرة.

السخرية أن كل مشارك يضيف قيمة محلية - تصحيح، تحذير، تحسين - لكن القيمة الكلية للنقاش تتناقص. السبب ليس في جودة الآراء، بل في تفاعلها. كل رأي جديد لا يُضاف إلى مجموع خطي، بل يُدخل احتمالات جديدة للتعارض، ويخلق التزامًا ضمنيًا بالردّ، ويزيد تكلفة تجاهل أي نقطة. بمرور الوقت، يصبح الصمت أخطر من الكلام، فيُفضَّل إضافة رأي آمن بدل تحمّل مسؤولية الحسم.

ثم يظهر مفهوم غير مُعلن: التوافق. يُقدَّم التوافق كبديل راقٍ للقرار، لكنه في كثير من الحالات ليس إلا نسخة مخففة منه. التوافق يعني أن لا أحد يعترض بقوة، لا أن أحدًا مقتنع بقوة. للوصول إليه، تُزال الزوايا الحادة، تُخفّف العبارات، وتُختار حلول وسط لا تُغضب أحدًا - ولا تُرضي أحدًا أيضًا. النتيجة قرار مُسطّح، مصمّم للبقاء، لا للفعالية.

مع ازدياد المشاركين، يتغيّر سلوك النقاش. بدل البحث عن أفضل خيار، يبدأ الأفراد في تمثيل مواقعهم: هذا يحرص على الجانب المالي، ذاك على المخاطر، ثالث على الصورة العامة. كل موقف مشروع بحد ذاته، لكن تجميعها دون آلية حسم واضحة ينتج شبكة شدّ متبادل. كل طرف يمنع انزلاق القرار في اتجاه لا يريده، دون أن يدفعه في اتجاه واضح. وهكذا يبقى القرار في المنتصف- أي لا مكان.

المفارقة أن هذه العملية تُنتج شعورًا بالتقدّم. هناك نشاط مستمر: تعليقات، تحديثات، نسخ جديدة. لكن النشاط هنا بديل عن التقدّم، لا دليله. الفرق بينهما بسيط: التقدّم يغيّر الحالة، أما النشاط فيغيّر شكل النقاش. يمكن للمستند أن يتحسن لغويًا عشر مرات دون أن يقترب من قرار واحد.

كيف يُستعاد الحسم دون إلغاء قيمة الآراء؟ المسألة ليست في تقليل عدد المشاركين بقدر ما هي في تعريف أدوارهم. ليس كل رأي له نفس الوزن، وليس كل مشارك صاحب قرار. عندما تختلط الأدوار، تتحول المساهمة إلى حق ضمني في الاعتراض، ويصبح كل تعليق قابلًا لإيقاف المسار. وجود مالك قرار واضح - باسم وصلاحية - لا يلغي الآراء، لكنه يضع لها نهاية: نقطة تُجمَع عندها المدخلات ويُتخذ بعدها القرار.

هناك أيضًا فرق بين جمع الآراء وإدارة القرار. الأول متاح بطبيعته، والثاني يحتاج حدودًا زمنية ومعايير حسم. تحديد ما الذي سيُعتبر حاسمًا (تكلفة، وقت، مخاطر، أثر) يختصر كثيرًا من الدوران. وبدل السعي إلى توافق كامل، يمكن القبول بمبدأ أبسط: قرار واضح مع اعتراضات مُسجّلة أفضل من لا قرار بتوافق صامت.

في النهاية، العلاقة العكسية بين عدد الآراء والحسم ليست قانونًا مطلقًا، لكنها نمط يتكرر حين تغيب آليات الإغلاق. المشكلة ليست في كثرة العقول، بل في غياب من يُنهي النقاش. وعندما لا يُعرَّف من يقرر، يتكفّل النظام بإنتاج نتيجة متوقعة: مزيد من الآراء، ومزيد من الوقت، وقرار مؤجل إلى اجتماع آخر يبدو - بدوره - فرصة ممتازة لسماع مزيد من الآراء!

اقرأ المزيد

alsharq شذرات من حصاد الغرور

رحلة مع حصاد الغرور، كتاب نفيس خطَّه الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، وأتى بروائع النُّصح والتنبيه والإرشاد للفرد... اقرأ المزيد

33

| 15 أبريل 2026

alsharq إيران في حرب الشيفرة

تُقاس المواجهات عادةً بعدد الصواريخ ومسارات الطائرات، لكن جبهة أخرى أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا تتشكل في الخلفية: جبهة... اقرأ المزيد

39

| 15 أبريل 2026

alsharq لا تنسوا إسرائيل فيما يحدث

ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 حتى اليوم إلى 72336... اقرأ المزيد

33

| 15 أبريل 2026

مساحة إعلانية