رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يأتي اليوم الوطني لدولة قطر في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، بوصفه مناسبة وطنية تحمل أبعادًا تتجاوز حدود الاحتفال التقليدي، لتغدو مساحة واعية للتأمل في مسار الدولة، وطبيعة التحولات التي شهدتها، والأسس التي بُني عليها حاضرها. ففي هذا العهد، ارتبط اليوم الوطني بقراءة متأنية للتجربة القطرية الحديثة، وما حملته من دروس في الصمود، وحسن الإدارة، وبناء الثقة بين القيادة والمجتمع.
لم يكن هذا العهد عابرًا في تاريخ الدولة، بل شكّل مرحلة فارقة واجهت فيها قطر اختبارات حقيقية مست جوهر السيادة والاستقلال والقرار الوطني. وقد أظهرت تلك المرحلة قدرة الدولة على التعامل مع التحديات بعقلانية واتزان، بعيدًا عن الانفعال أو الارتجال. ومن هنا، أصبح اليوم الوطني مناسبة لاستحضار تلك اللحظة التاريخية التي أعادت تعريف العلاقة بين الوطن وأبنائه، ورسخت مفهوم الاعتماد على الذات كخيار استراتيجي راسخ.
في نهج الحكم، برزت قيادة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى بوصفها قيادة هادئة، واضحة الرؤية، تؤمن بأن بناء الدول لا يتحقق بالقرارات المتسرعة ولا بالشعارات العابرة، بل بالعمل المتراكم، والتخطيط طويل المدى، والالتزام الصارم بالمصلحة الوطنية. وقد انعكس هذا النهج على أداء مؤسسات الدولة، وعلى استقرار السياسات العامة، وعلى شعور المواطن بالطمأنينة تجاه مستقبل بلاده، حتى في أكثر اللحظات تعقيدًا.
ومن السمات البارزة لهذا العهد إعادة الاعتبار لمفهوم الإنسان بوصفه محور التنمية وغايتها. فلم تعد التنمية تُقاس فقط بحجم المشاريع أو الأرقام الاقتصادية، بل بمدى انعكاسها على جودة حياة الفرد، وعلى قدرته على المشاركة في صناعة المستقبل. وقد تجلّى ذلك في الاستثمار في التعليم، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز الهوية الثقافية، وبناء مجتمع واثق بذاته ومؤمن بدوره.
كما شهدت الدولة في هذه المرحلة تحولًا نوعيًا في رؤيتها للتنمية الشاملة، حيث جرى تحقيق توازن دقيق بين النمو الاقتصادي والاستدامة الاجتماعية، وبين التحديث والحفاظ على الخصوصية الوطنية. هذا التوازن لم يكن سهلًا، لكنه عكس نضج التجربة القطرية وقدرتها على التوفيق بين متطلبات الحاضر واستحقاقات المستقبل. ويأتي اليوم الوطني ليجسد هذه الرؤية بوصفها مسارًا متكاملًا لا إنجازات منفصلة.
وعلى الصعيد المجتمعي، تجلّى تماسك المجتمع القطري كأحد أبرز مكاسب هذا العهد، حيث أظهر المواطنون وعيًا عاليًا بطبيعة المرحلة، وقدرة على تجاوز الاختلافات، والالتفاف حول قيادة الدولة في اللحظات الحاسمة. هذا التلاحم لم يكن وليد ظرف مؤقت، بل نتيجة سياسات عززت الثقة المتبادلة، ورسخت الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه الوطن.
أما في المجال الخارجي، فقد نجحت قطر في ترسيخ حضورها كدولة ذات قرار مستقل، تنتهج سياسة متوازنة تقوم على الحوار، واحترام القانون الدولي، والدفاع عن مبادئها دون مساومة. وقد أكسبها هذا النهج احترامًا دوليًا، ومكانة متقدمة على الساحة الإقليمية والعالمية. وفي اليوم الوطني، يُستعاد هذا الحضور بوصفه أحد ملامح الهوية القطرية المعاصرة.
ويحمل اليوم الوطني في هذا العهد رسالة واضحة مفادها أن الاستقرار ليس حالة جامدة، بل نتاج عمل مستمر، وإدارة واعية، وقدرة على استشراف المستقبل. فالدولة التي تعرف أولوياتها، وتستثمر في إنسانها، وتدير مواردها بحكمة، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والضغوط إلى دوافع للتطوير.
ولا يقتصر الاحتفاء بهذه المناسبة على استذكار ما تحقق، بل يمتد ليؤكد أن المسيرة الوطنية لا تزال مفتوحة على آفاق أوسع، وأن كل إنجاز يحمل في طياته مسؤولية جديدة. ومن هنا، يصبح اليوم الوطني محطة لتجديد الالتزام بالقيم التي قامت عليها الدولة، وتعميق الإيمان بدورها، وتعزيز الثقة بمسارها.
وفي كل عام، يؤكد اليوم الوطني أن قطر، بقيادتها وشعبها، اختارت طريق البناء الهادئ، والعمل المتزن، والرؤية الواضحة. وهو يوم يعكس تجربة دولة أدركت أن قوتها الحقيقية تكمن في وعي مجتمعها، وتماسكه، وثقته بقيادته، أكثر مما تكمن في أي عنصر آخر.
وهكذا، لا يُقرأ اليوم الوطني في عهد صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى بوصفه ذكرى تاريخية فحسب، بل باعتباره تعبيرًا متجددًا عن مشروع وطني متكامل، تشكّل بالصبر، وترسّخ بالحكمة، ويتجه بثبات نحو المستقبل، محافظًا على جوهره، ومفتخرًا بما أنجز، وواثقًا بما هو قادم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3669
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1086
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
744
| 27 أبريل 2026