رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا أحد يستطيع أن ينكر أن إيران، وعلى عكس الكثير من الدول العربية، تعمل جاهدة منذ عقود لتكريس نفسها، ليس كقوة بشرية لها وزنها في المنطقة فحسب، بل أيضاً كقوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية صاعدة.
ولا يمكن لعاقل إلا أن يحترم هذه العزيمة الإيرانية التي تعمل على طريقة حائك السجاد العجمي البارع الذي لا يكل ولا يمل حتى يحيك سجاداً غاية في الروعة ودقة التفاصيل، حتى لو استغرق ذلك منه سنوات وسنوات. على العكس من ذلك، نجد أن النفس العربي قصير جداً، ولا يمكن أن ينافس الإيراني من حيث الجدية والثبات والمثابرة. لا يمكن لعاقل إلا أن يغبط إيران على صراعها مع الغرب للحصول على الطاقة النووية. وقد استطاعت أخيراً أن تقدم نفسها للعالم على أنها قوة نووية. وبفضل سياساتها الطموحة التي لا تخطئها عين، راحت إيران تمتد في طول المنطقة وعرضها، لا بل إنها تجاوزت حدود المنطقة أحياناً بالتوجه إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
لكن عيب السياسة الإيرانية الأكبر أن إيران دخلت مرحلة الغطرسة والعنجهية، ويبدو أن الغرور قد بدأ يدخل رأسها سريعاً، لهذا بدأنا نراها تتصرف كمصارع ثيران، لا كلاعب شطرنج. لكن نشوة القوة التي أصابت إيران بدأت تنال منها، وتدفع بها إلى متاهات خطيرة في أكثر من مكان. وبدل أن تعزز مكاسبها الجيوسياسية في المنطقة بدأت تعاني اهتزازات كبيرة في محمياتها، كالعراق وسوريا ولبنان وفلسطين، وقريباً في أفغانستان.
في لبنان خسرت إيران كثيراً منذ بدء الثورة السورية، فمن المعلوم أن ذراعها المتمثلة بحزب الله، كان أقوى أوراقها في الشرق الأوسط، فبفضل تصديه لإسرائيل، استطاع الحزب أن يتبوأ مكانة عظيمة في الشارعين العربي والإسلامي، بدليل أن صور السيد حسن نصر الله كانت ترفع في معظم البلدان العربية والإسلامية كقائد مقاومة لا يشق له غبار، ولا ينكر ذلك إلا مكابر. وقد كان ينظر الجميع بإعجاب إلى حزب الله على أنه إنجاز إيراني جدير بالاحترام والتقدير، خاصة أن إيران نجحت أيضاً في احتضان حركات مقاومة فلسطينية أخرى لها شعبيتها في الشارعين العربي والإسلامي، وهما حركتا حماس والجهاد. أما الآن فقد بدأت إيران تخسر نقاط قوتها في لبنان وغيره.
لم يعد حزب الله ذلك الحزب الذي يصفق لقائده الكثيرون من المحيط إلى الخليج، بل تحول إلى شريك في سحق الثورة الشعبية السورية المشروعة. وقد بدت إيران وهي تدفع بحزب الله إلى أتون المحرقة السورية وكأنها تطلق النار على قدميها؟ هل يعقل أن تقوم بالتضحية بحركة المقاومة الأشهر في التاريخ العربي والإسلامي الحديث؟ ألا ترى طهران كيف تحول الحزب الذي كان يحظى بشعبية كبرى إلى قاتل في عيون الكثيرين؟ وقد جاء التورط العسكري للحزب في سوريا كمسمار أخير في نعش تلك الحركة التي كان يعلق عليها الكثيرون آمالاً كبرى. لكن كل تلك الآمال تبخرت، وحسب إيران وحزب الله الآن أن ينجوا من سياط الشعوب ووسائل الإعلام العربية التي باتت ترى في حزب الله مجرد بيدق طائفي مفضوح في أيدي من بات يسميه البعض بـ"العدو الصفيوني". والأسوأ من ذلك، أن الكثير من القوى في المنطقة راحت تعمل على إنتاج جماعات لمواجهة حزب الله بالقوة. وقد بدأت تباشير ذلك بالتفجيرات التي تدك ضاحية حزب الله ومناطقه بشكل منظم. من كان يتوقع أن تتعرض مناطق الحزب إلى اهتزازات أمنية مرعبة؟ ومن الواضح أن أول الرقص حنجلة، كما يرى العارفون، فالقادم أعظم، حيث ستشهد الفترة القادمة بروز جماعات سنية ستقض مضاجع إيران في لبنان. ولن يكون وقتها خصوم حزب الله من نوعية "السنيورة" و"الحريري"، بل من نوعيات صادمة جداً. وقد أدى تدهور سياسة إيران اللبنانية بدوره إلى تعميق الشرخ بين إيران والشعب السوري من جهة أخرى، حيث بات غالبية المسلمين السوريين ينظرون إلى إيران وحزب الله على أنه عدو طائفي مقيت بعد اشتراكه فيما بدا على أنها معركة مذهبية مفضوحة.
ليس صحيحاً أن إيران تغلغلت في سوريا بعد اندلاع الثورة، على العكس من ذلك، فقد كانت سوريا قبل الثورة مجالاً حيوياً إيرانياً بامتياز، إن لم نقل محمية إيرانية. لكن قبضة إيران في سوريا قد اهتزت كثيراً بعد الثورة بسبب الغطرسة الإيرانية ووهم القوة. لقد كان هناك موقفان داخل القيادة الإيرانية بعد اندلاع الثورة السورية، موقف كان يقوده الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وموقف يقوده المرشد الأعلى. لقد صرح نجاد في لقاءات كثيرة أنه يعتبر ما يحدث في سوريا ثورة شعبية حقيقية مشروعة، وعلى القيادة السورية أن تتعامل معها كثورة حقيقية بإجراءات إصلاحية حقيقية، بدل مواجهتها بالحديد والنار. لكن المرشد الأعلى كان يصر على مواجهة الثورة السورية بنفس الطريقة التي واجهت فيها إيران "الثورة الخضراء" بالقوة الوحشية. وبما أن الرئيس في إيران بلا حول ولا قوة، فقد انصاع للولي الفقيه الذي راح يدعم حليفه السوري بالغالي والرخيص للقضاء على الثورة. وقد تسببت سياسة العنجهية هذه بأضرار فادحة لإيران في سوريا، فمن الواضح أن طهران تورطت في المستنقع السوري شر ورطة، بدليل أنها راحت تستجلب الميليشيات الشيعية من كل حدب وصوب لإنقاذ وضعها المتدهور هناك. أضف إلى ذلك أنها باتت تستجدي الآن الكثير من القوى والدول في المنطقة لإيجاد حل لورطتها السورية، وقد بدأت تنفتح مؤخراً على الإخوان المسلمين، والحركات السلفية، وبعض الدول على أمل إيجاد مخرج من المهلكة السورية التي أضرت كثيراً بوضعها في المنطقة.
ولا يقل الوضع سوءاً بالنسبة لإيران في فلسطين، حيث كانت حركة حماس وإيران على طرفي نقيض فيما يخص الموقف من الوضع السوري. صحيح أن حماس بدأت تعيد علاقاتها مع إيران، لكن الخسارة تعمقت كثيراً بالنسبة لإيران، ولا يمكن أن تعود حماس عن رأيها فيما يخص الأزمة السورية. وهذا بحد ذاته ضربة كبرى لإيران.
وحدث ولا حرج عن وضعها في العراق، حيث فشلت سياساتها الطائفية المفضوحة في السيطرة على العراق، ناهيك عن أن المكون السني في العراق بات يرى في إيران عدواً مبيناً. ولا شك أن انتفاضة الأنبار تأتي في سياق الرد على المشروع الإيراني في العراق. لقد أصبح أزلام إيران في العراق في وضع لا يحسدون عليه، بعد أن تحول العراق إلى ساحة يومية للتفجيرات. وهذا سيؤثر كثيراً على وضعها هناك، فمن الأفضل لها لو استطاعت أذرعها أن تحكم العراق بهدوء ودون مشاكل، لكن ذلك أصبح حلماً بعيد المنال بعد أن تحول العراق إلى مرجل يغلي وأرض تمور تحت أقدام من بات العراقيون يسمونهم بـ"العدو الفارسي".
وبعودة حركة طالبان إلى السيطرة على أفغانستان، فإن إيران أيضاً مقبلة على مشاكل كثيرة في جوارها.
هل يمكن أن نقول بعد كل ما سبق إن إيران في صعود، أم في ورطة حقيقية بسبب عنجهيتها وغرور القوة؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4626
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026