رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كم هم أولئك الذين بسط الله لهم المُلك، سواء على شكل حُكم ممالك أم إمبراطوريات، أم دول، مروراً بأقل من ذلك من كيانات بشرية مختلفة، وزارات ومؤسسات وشركات، وصولاً لكيان البيت. فقد نسي جلّهم أو من كانوا يملكون صلاحيات الأمر والنهي في تلك الكيانات، أن المانح والمعطي هو الله، وهو من قرر لهم في علم الغيب أن يبسط في ملكهم، وهو من قرر لهم ما ستكون تلك الممالك بعد حين من الدهر، طال أم قصر. لكن كما أسلفنا، ينسى كثيرون هذه الحقيقة الحياتية.
كم من الملوك اليوم ومثلهم الأباطرة أو الزعماء والوزراء، أو المديرين ومن على شاكلتهم وعلى اختلاف درجاتهم وممتلكاتهم، على صلة بالله ودرجة من الوعي عالية، وفهم واضح أن ما يملكه ليس سوى أمانة من الله قد شرّفه الله بها، ومطلوب بالتالي منه أداء حقها كما يجب؟
لا شك أنهم قليل قليل.
قال ابن عباس رضي الله عنهما وأنس بن مالك رضي الله عنه: لما افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم – مكة، وعد أمته مُلك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات. من أين لمحمد مُلك فارس والروم؟ وهم أعـز وأمنع من ذلك. ألم يكف محمداً مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؟ فأنزل الله ( قل اللهم مالك الملك. تؤتي المُلك من تشاء وتنزع المُلك ممن تشاء..)
المُلكُ ليس حكماً فقط
قد يفهم كثيرون منا أن الآية وهي تتحدث عن المُلك، أنه هو الحكم أو الإمارة والرئاسة فقط. لكن الآية أشمل وأوسع. فالمُلك المعني بالآية، نطاقه أو أمثلته أكثر مما نتصور كما قال الفخر الرازي في شرح الآية الكريمة:".. وقوله تُؤتي المُلك من تشاء، محمول على جميع أنواع المُلك، فيدخل فيه مُلك النبوة، ومُلك العقل، والصحة، والأخلاق الحسنة، ومُلك النفاذ والقدرة، ومُلك المحبة، ومُلك الأموال، وذلك لأن اللفظ عام، فالتخصيص من غير دليل لا يجوز".
إذن هي حقيقة حياتية، واقرأ التاريخ لتعلم دقتها وتكرارها في كل زمان ومكان. وهل كان في زمن موسى -عليه السلام - من هو أكثر قوة وامتلاكاً للمال والجاه والسيادة والقرار من فرعون؟ لكنه تناسى تلك الحقيقة، وأن ما عليه من مُلك وجاه وقوة وبأس، إنما من عند ملك الملوك. فطغى وتجبر حتى انتزع الله منه كل ذلك في ليلة وضحاها، بل أذله وأغرقه في البحر، لتلقيه الأمواج بعد ساعات من غرقه هو وجنوده على الشاطئ، جثة هامدة يشاهدها بنو إسرائيل، رجالاً ونساء وأطفالا.. فهذا الذي كان ملكاً مهيباً عظيماً بالأمس، صار اليوم ذليلاً مبتلاً ومتسخاً بأعشاب البحر ورماله.. ويذكر قصة وروده على النار إلى يوم القيامة، يقرأه الناس في القرآن إلى قيام الساعة، جزاءً مهيناً له في الدنيا قبل الآخرة.
فرعون النسخة العربية، عمرو بن هشام أو أبا جهل، كان سيداً من سادات مكة. وجيها غنياً وصاحب كلمة. لكن بكفره وعناده وحماقته، أذله الله أشد الإذلال، فتحول بين ليلة وضحاها أيضاً، من سيد وزعيم قرشي مهاب الجانب، إلى جثة مقطوعة رأسها، مرمية في بئر قديمة مهجورة، وربما فوقها جثث أخرى من جثث سادات وصناديد قريش، وقد أذلهم الله بكفرهم وحماقتهم، والأمثلة من هذا النوع قديماً وحديثاً، أكثر من أن نحصرها وذكرها في هذه المساحة المحدودة.
ماذا يعني هذا؟
من المهم حين تتأمل هذه الحقيقة الحياتية في الآية الكريمة، أن تتساءل بينك وبين نفسك وأن الأمر لا يعني أو يقتصر على أولئك الملوك ومن على شاكلتهم، بل هو يعنيك أنت أيضاً. فقد تكون اليوم وزيراً صاحب كلمة وصلاحيات واسعة، لكنك في غفلة من الزمن، وفي زحمة الأضواء والشهرة، تتناسى أن ما أنت عليه إنما هبة ونعمة من الله تستلزم منك شكراً وحمدا.
تشكره سبحانه بالعمل على إصلاح ما أفسده غيرك، واحقاق الحق، والعمل على ما يفيد البلاد والعباد، وليس نفسك ومن حولك.. فتلك العزة التي أنت عليها قد تتحول فجأة إلى نقمة. فقد تبيع آخرتك بدنيا غيرك، وتفسد أكثر مما تصلح، وغير ذلك من مسببات سحب المُلك منك، لتجد نفسك سريعاً خارج مجال العزة والقوة، بل ذليلاً قد لا تملك من أمر نفسك شيئا !
إنه أمر مخيف فعلاً.
الأمر يتسع ليصل إلى أي صاحب نعمة، سواء كانت على شكل أموال أو بنين شهودا، أو صحة وعافية، أو أخلاق فاضلة حسنة.. فإن لم تشكر الواهب وتحمده بالقول والفعل، وبدأت تتناسى تلك الحقيقة الحياتية، وأن تلك النعم تبقى بالشكر وتزول بالكفران، كما في قصة صاحب الجنة أو المزرعة في سورة الكهف، وقد دخل جنته "وهو ظالم لنفسه، قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا" حيث تباهى على صاحبه بأملاكه وخدمه وحشمه وأولاده، وتناسى تلك الحقيقة، حتى أهلك الله أمواله كلها " فأصبح يقلّب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ".
لا تغتر بكثرة أموالك وأملاكك أو كثرة أولادك وعلو مكانتك الاجتماعية، بل ولا حتى عافيتك وصحتك، وتنسب كل ذلك إلى نفسك وجهدك وذكائك وشطارتك، وتنسى الواهب عز وجل. فإنه في لحظة وأخرى، قد تخسر كل ما تملك، سواء بيدك أو بيد غيرك، حتى لا تجد بعدها من كانوا يحيطون بك من حشم وخدم وبطانة، وربما حتى أولادك وأهلك وقبيلتك.
وربما وجدت نفسك وحيداً مفلساً غارماً، أو على سرير مرض لا تجد زائراً يؤنس وحشتك ويخفف مواجعك الجسدية والروحية، ولا يأبه لوجودك أحد وما كنت عليه في زمن مضى.. إن كل ذلك قد يحدث في وقت لا يمكنك تصوره وتوقعه..
وبالتالي كخلاصة لهذا الحديث، أدعو نفسي أولاً ومن ثم غيري، ألا ننسى الحقيقة الحياتية التي تحدثنا عنها، وأن نتأملها بخشوع وتدبّر حين نتلوا قوله تعالى " قل اللهم مالك الملك. تؤتي المُلك من تشاء وتنزع المُلك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
12528
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1227
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
783
| 10 فبراير 2026