رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لعل المأزق الحقيقي الذي يحشرنا في زاوية الوادي السحيق ونحن نريد أن نجد أنفسنا لنعثر على حل ناجع للقضية السورية اليوم هو ما نحسه ببصائرنا قبل أن نراه بأبصارنا أن كل شأن لا يبنى على الفهم سيكون طريقا للجهل والضياع والحيرة، وإذا أمعنا النظر في الفقه السياسي الذي يدعي امتلاكه من يزعمون أنهم ساسة متعمقون في الحكومة السورية وطبعا في طليعتهم فخامة الرئيس الجزار، وأن معظم من يتصدرون لهذه السياسة من الجوار الإقليمي القريب أو الدولي البعيد وكأنهم لم يتعلموا في مدرسة ابتدائية مبادئ علم السياسة وقتها إذا اعتبرنا أنها من حيث اللغة هي القيام على الشيء بما يصلحه كما في لسان العرب 6/107 أو أنها ما يدل على التدبير والإصلاح والتربية، وهي قريبة في الاصطلاح من هذا المعنى كما يشير أبو البقاء في كلياته 3/31 من أنها استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي وتدبير أمورهم المدنية باعتبارها فرعا من الحكمة العملية وهي بذلك تعمل على حراسة الدين وسياسة الدنيا كما في كتابي "نصيحة الملوك" ص:51 و"كشاف اصطلاحات الفنون" 1/386 ومن هنا كان فهم الخطاب الإسلامي في أول نص للسياسة وتعلقها بالحكم كما أورد أبو جعفر الطبري في "تاريخ الرسل والملوك" 5/68 قول عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري في وصف معاوية رضي الله عنهم إني وجدته حسن السياسة حسن التدبير، وقد أكد الخطاب الإسلامي أن الغرض من تلك السياسة هو المحافظة على مقصود الشرع، أي أنه المصلحة الحقيقية المعتبرة لا الوهمية القائمة على الهوى إذ هو الغرض من السياسة وهذا ما أكده ابن عابدين في حاشيته 4/15 وأنه مدار الشرع بعد الإيمان على حسم مواد الفساد لبقاء العالم، ولقد ظهر في الخطاب الإسلامي أن السياسة قسمان: سياسة عادلة تظهر الحق وتدفع المظالم، وسياسة ظالمة تعمل على نشر الشر وتنصر الجور وأنه بسبب القسم الأول ينتشر الأمن والأمان وتنمو ثروة الاقتصاد، أما بسبب الثاني فإنه يضطرب حبل الأمن ويتدهور الاقتصاد، ولذلك فإن هذا الخطاب الإسلامي يؤكد أن مما يجب أن يعتقده المسلم هو نصب الإمام الذي عليه أن يقوم بحراسة الدين وسياسة أمور الأمة بالرشد وأن هذا هو فرض بالإجماع، مستعملا الحكمة في ذلك إن اقتضت الشدة مرة أو اللين مرة أخرى، مع الاعتماد على الشرع والعقل الذي هو أصله والابتعاد عن الهوى والرأي الفاسد كما أكد ابن القيم في "إعلام الموقعين: 4/372، ومع اتخاذ المرونة التي تراعي التوسع في فهم النص جسما وروحا خدمة لمصالح العباد كما أكد القرافي المالكي، وهنا بهذه المثابة يكون للإمام حق الطاعة والنصرة على الشعب ما دام ملتزما بالفرائض مؤديا حقوق الأمة، محافظا على خزينة الدولة، محاسبا ومعاقبا كل مسيء بما يستحقه، مستخدما الجيش أولا وأخيرا للجهاد ضد الأعداء والدفاع عن البلاد وليس مخربا لها قاتلا أهلها كما كان حال حافظ الأسد وبشار اليوم ومن أشبههما من الطغاة الفراعنة القدماء والجدد كمبارك والقذافي وصالح وزين العابدين وغيرهم.
وإذ جاء تعريف السياسة في المفهوم المعاصر أنها اسم للأحكام والتصرفات التي تدير شؤون الأمة في حكومتها وتشريعها وقضائها وجميع سلطاتها التنفيذية والإدارية وعلاقاتها الخارجية مع الأمم والدول فإن الخطاب الإسلامي يهضم ذلك ويدعو إليه دعما للتعاون الإنساني القائم على التضامن والأمن والسلم الدوليين [يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا...] (الحجرات:13) أي لتتعاونوا وهنا يقول أبو الحسن الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين ص:221 إن اختلاف الدين يدعو إلى التعاون أي في الدنيا أما في الآخرة فكما يقول تعالى [لكم دينكم ولي دين] (سورة الكافرون: 6) فانظر إلى هذا الفهم والشفافية منذ قرون عديدة خلت!
وتعليقا على هذا فإننا نرى أن الفقه السياسي في الخطاب الإسلامي كان له دور بارز في التاريخ قديما وحديثا ونذكر على سبيل المثال أن محمد بن الحسن الشيباني 189هـ هو صاحب السير الصغير والكبير كان رائدا قبل غيره في هذا المجال حتى إنه تأسست في "غوتنجن" بألمانيا جمعية باسم الشيباني للحقوق الدولية ضمت علماء القانون الدولي وعرفت بالشيباني وجهوده، كما أن مجلة المجمع العلمي العربي في دمشق في إحدى أعدادها عام 1943م ذكرت بيانا شمل أكثر من خمسين كتابا ألفه العلماء في السياسة، وتضم مكتبة الآستانة للمخطوطات فيها مائة مخطوط في علم السياسة كما جاء في تحقيق كتاب "سلوك الممالك" 1/60 ونقله صاحب كتاب "الأخلاق السياسية" زكريا النداف ص:98 وكذلك فإنه غير خاف على القارئ المتابع العديد من الكتب المهمة في السياسة كالأحكام السلطانية للماوردي 450هـ والإمامة لأبي عبدالله محمد القلعي و782 هـ والسياسة الشرعية لابن تيمية في القرن نفسه على أن بعض الباحثين أحصى مئات الكتب والبحوث المعاصرة في هذا المجال ذكر النداف في كتابه السابق ص103 منها ثمانية عشر سفرا مهما، ولعل ما سقناه حول تعليق الخطاب الإسلامي على فهم السياسة هو الذي يضعنا على السكة السليمة لقطار الحياة والتعامل مع البشر أيا كانوا فيه، وهذا ما يفسر لنا أيضا انتشار العدل والنصر والخير في المعظم الغالب من تاريخنا وتراثنا العريق وأصوله إلى أقاصي الدنيا.
وأما ما نراه من الكراهية المرة لكثير من البشر للسياسات الحديثة والمعاصرة فإنما سبب ذلك أنها تتكلم وتكتب بلغة غير التي تنفذها على واقع الحياة، وأنها مازالت تأخذ بالسياسة المكيافيلية التي لا تنظر إلا إلى القوة بوجهيها المادي والمعنوي وبوجه نفعي محدود، كما يؤكد مكيافيللي ضرورة استخدام الدين والأخلاق لدعم هذه القوة التي يجب أن يتمتع بها الحاكم ناصحا له أن الأخلاق لا ترتبط بالسياسة وهنا أتذكر أنه في بدء الثورة السورية سلميا قد جاء مندوب من وزارة الخارجية السورية وقابل أحد العلماء الذين يقفون معها ضد حكم الأسد الظالم في بلد آخر، وصارحه بأننا في الحكومة السورية وبأمر بشار بل وأبيه من قبله قد عملنا على تحييد المؤسسة الدينية إلى طرفنا، وأوقفنا العلماء عند حدودهم بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى، فماذا تفعل أنت والشيخ القرضاوي ومن معكما أمام جهودنا الجبارة في دعم حكم الأسد، وحذره وتوعد. وهنا أيضا عرفت سفاهة المقولة التي ذكرها الجزار في أحد مقالاته أننا لا نعاني من اصطدام بين حكومة وشعب وإنما من أزمة أخلاقية، وهكذا أصبح هذا السياسي معلما في الأخلاق كما يبدو له! ويجب ألا ننسى أن حكام المجتمع الدولي بغالبيتهم ينهجون المسلك نفسه وإن كان الجزار كأداة بلغ الزبا وتفوق عليهم وهل مواقف أمريكا وأوروبا وروسيا وإيران والصين ومن تبعها إلا دائرة في هذه المصالح المتعددة متبعة مكيافيللي في كتابه الأمير ص 35 و183 وأن الأفضل للحاكم أن يخافه الناس على أن يحبوه، أي مهما قمع وقتل ظلما، وليس هناك طريقة أفضل للحاكم من النفاق علما أن هذه الأفعال وللخيبة إنما تجري باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان وصون الوطن من الأعداء، ختاما أقول: إن هذا هو الذي رمى إليه الشيخ محمد عبده عندما كره السياسة بهذه المثابة فقال في كتابه "الإسلام والنصرانية والعلم والمدنية" ص 101 إن السياسة تضطهد الفكر والدين أعوذ بالله منها ومن ساس ويسوس وسائس وهي سبب جمود المسلمين لأنها أطفأت نور الإسلام وهي الشجرة الملعونة في القرآن لأنها تمشي في عبادة الهوى وخطوات الشياطين. نعم هي هكذا إن كانت كذلك، أما في الخطاب الإسلامي الحي فإنها عبادة، ولذلك كان حسن البنا يقول: إذا قيل لكم سياسة فقولوا هذا إسلام ولا نعرف هذه الأقسام، ولذا فإن معضلتنا مع اللانظام السوري الذي يدعمه معظم المجتمع الدولي المصلحي بالفهم الأخير ويضع الحجج والذرائع من جبهة النصرة والجهاديين الأجانب.. تحتاج إلى تشكيل العقل والفهم من جديد فإن هؤلاء جميعا يعملون على ألا يكون للخطاب الإسلامي الإنساني وجود في سورية خصوصا في عالم لا تسود فيه إلا شريعة الغاب على وجه العموم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
2550
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1905
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1662
| 10 فبراير 2026