رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما يجري في مصر هذه اللحظات تصعب ملاحقة أحداثه فضلا عن تفاصيله التي أدت إلى تجريف للنظام السابق بكل أركانه من أشخاص ومؤسسات، وهو يفرض تحديد موقف من التغيرات والتباديل في التكتلات والقرارات والإجراءات التي جرت على مدى زمني طويل، وكادت أن تقسم المجتمع لو لم يتمكن الشعب من إيجاد قواعد تتناسب مع الجديد الذي يصدمه كل لحظة، من حجم الفساد وتنوعه وشموله لكافة أركان النظام. وعرف الشعب بالتجربة قيمة الاحتشاد واستخدمها.
ويتجاوز الأمر مجرد الكلمات، وتتشكل في الواقع مراكز جديدة وتخرج للعيان قوى طال زمن اختفائها في حضن النظام، حتى أن البلطجية الذين استخدمهم الأمن أداة للقمع والقتل، أصبحوا جزءا من القوى الموجودة بالمجتمع ومن الواجب الانتباه إلى أفعالهم.
وأكثر الأشياء وطأة، هو ما يبدو على السطح، أن من قاوموا الخروج والتظاهر يوم 25 يناير، هم من يملأون المشهد صياحا وحضورا وأكثر الناس كسبا من وراء الثورة وسقوط النظام.
وشهد الأسبوع الماضي وقائع هدم النظام القديم من تحقيقات واتهامات والقبض على الرئيس المخلوع وابنيه، ورئيس مجلس الشعب، وتغيير المحافظين، وانتهاء بالحكم بحل الحزب الوطني، والإعداد لإصدار قرار بحل المجالس المحلية، موجات هدم متوالية للنظام السابق، والحوار حول المستقبل في حالة تأجيل مريب.
ويتجه الجهد من بعد تحقيق هدم القديم إلى بناء نظام الثورة الجديد الذي خرج لها الشعب متجاوزا حتى تصورات السياسيين والمفكرين. وإذا كانت لجنة "البشري" هي الداء الذي أصاب مطلب وضع الدستور وإحالته إلى لجنة من مائة عضو يجري اختيارها من بين أعضاء المجالس النيابية، وأن دور الشعب وفقا للجنة "البشري" يقتصر على القبول أو الرفض في استفتاء عام، فإن علاج "داء لجنة البشري" يأتي من "تصور البشري" نفسه في كتابه "مصر بين العصيان والتفكك"، وهو تصور لا يمكن اجتزاؤه وهو كُلٍ واحد ويناقض التصور الذي أخذ به بعد الثورة، وتساءل طارق البشري في كتابه "ولكن ما العمل، تعديل الدستور مطلوب جدا، ولكن ماذا قبل تعديله وماذا يصاحبه وماذا بعد؟"، وكل هذا لم تشر إليه اللجنة.
ويقول "إن الدستور هو نظام قانوني، وهو يسبغ الشرعية على واقع قائم أو يحسر الشرعية عن واقع ضار، وهو ييسر وجود ما هو مطلوب ويعوق ظهور ما يراد تجنبه، وهو ينظم علاقات التعامل بين ما هو قائم في الواقع من قوى اجتماعية ومؤسسات مشخصة لهذه القوى، ومن كيانات سياسية سواء كانت في داخل هياكل سلطة الدولة أو خارجها".
ويصل إلى قول فصل " إن التوزيع القانوني والدستوري للسلطة يعتمد أول ما يعتمد على التوزيع الفعلي للقوى الاجتماعية السياسية ذات التعدد، والتي تكون متبلورة في تكوينات تشخصها وتعبر عنها في إطار إرادات سياسية ومشخصات مؤسسية، تظهر في شكل تنظيمات أو أحزاب أو نقابات أو جمعيات أو كل هؤلاء. وأنا لا أتكلم هنا عما يكفله القانون من تشكيلات، ولكني أشير وأقصد الإشارة إلى ما يكون موجودا في الواقع الفعلي من تكوينات تجمع أناسا بوصفهم قوة سياسية اجتماعية وتعبر عن إرادة هؤلاء المجتمعين وتمتلك القدرة على تحريكهم الفعلي عندما ترى داعيا لذلك. وتكون إرادتها التي تبديها عند الضرورة وحركتها الفعلية التي تقوم بها عند اللزوم، يكون ذلك ذا فاعلية وتأثير في الواقع المحسوس أيا كانت درجته".
هذا شيء مما كتبه البشري والذي يفرض به أن الدستور إرادة مجتمعية لا يجوز إحالتها على أي نحو إلى لجنة مختارة من بين ممثلي الدوائر المنتخبين كأعضاء مجلسي الشعب والشورى، الذين ليسوا بالضرورة تعبيرا عن القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة داخل المجتمع، وهذا ما يزيد من الخلل الذي أصاب حركة الثورة وإرادتها عندما تبنى الإعلان الدستوري التصور الذي اقترحته لجنة البشري، ولا يعبر على أي نحو عن إرادة المجتمع، بل هو يسرق إنجاز الثورة ويوجهه على غير هدي إلى المجهول، والظاهر للعيان وما اتهم به البشري ولجنته أنه يمكن تيار الإخوان وحده، حتى أن المتحدث باسم المجلس العسكري نفى هذا عن المجلس في تصريحات صحفية.
نظام سابق يتم تقويض أركانه خلال أسبوع، ودستور مؤجل طبقا لمقترحات لجنة البشري ونقيض تصوراته المعلنة قبل الثورة عن الحوار المجتمعي مصدر الدستور.
وتنطلق في المجتمع ثلاث قوى وقد أصابتها حالة من التغير، بينما انهار الدور الأمني في المجتمع لجهاز الشرطة، وليس هناك من يناقشه أو يعيد إليه الحياة.
البلطجية والإخوان والشباب ويكاد أن تجمع الثلاثة عقيدة واحدة هي أساس التحرك، وهي البلطجة. ورغم أنه ليس كل الإخوان ولا كل الشباب بلطجية، ولكن السلوكيات والمبررات التي يسوقونها تنضوي تحت منهج ومفهوم البلطجة.
هذا ما يمكن ملاحظة أنه يستشري كما النار في الهشيم، فالبلطجة المباشرة من مجرمين أو جماعات استطابت البلطجة بعد غياب الأمن أصاب المجتمع بنوع من التوتر، بينما جهاز الشرطة يمارس دوره برعونة دون أي إحساس بالمسؤولية إلى الحد الذي يجري الحديث عن أن ممارسات السلفيين في قنا من قطع الطريق على قطارات السكك الحديدية، هي من صناعة بقايا جهاز أمن الدولة وعناصر تنتمي إلى الحزب الوطني الذي تم حله، واتجه البلطجية لخدمة أنفسهم بعد أن كانوا يخدمون الأمن.
ويبلغ الأمر أن يعلن الإخوان: "نسعى لإقامة الحكم الإسلامي وتطبيق «الحدود» بعد امتلاك الأرض"، ودون مبرر لامتلاك الأرض الذي يدعونه، أو أحقية الولاية على المجتمع بتطبيق الحدود، ولكنهم بذلك وصموا أنفسهم ضمنا أنهم يسرقون ثورة شعب جاءوها بعد أن تمكنت من عوامل النجاح الأساسية.
هل يمكن توصيف هذا الادعاء "القيمي" بغير البلطجة؟ كيف امتلك الإخوان الأرض؟ أم يعني المتحدث بهذا القول أنهم سرقوا الأرض من تحت أقدام الشعب، أليست هذه بلطجة؟؟
وهل يمكن التغاضي عن قول صبحي صالح إنه لولا الإخوان والجيش لتمت هزيمة الثورة!، وإن كان ذلك كذلك، فلماذا لم يقم الإخوان أساسا بالثورة؟ وكانوا جنبونا كل الزمن الذي انقضى تحت براثن نظام فاسد، ولماذا انتظروا حتى خرج الشعب بكل الإرادة؟
ثم حماية الثورة؟ بأمارة إيه؟ ووعيهم السياسي لا يتجاوز التداعيات التنظيمية لصالحهم، بل إن جريمة البشري تكاد تكشف لهم دورا رديئا عائدا إلى عدم الوعي، وانعدام الانتماء لغير الذات عندما قبلوا بمشاركته ورفضوا الانتماء لوعي الثورة أو حتى نمطية الأداء في وضع دستور ما بعد الثورة وفرضوا رؤيتهم على البشري، أو أنهم جميعا قبلوا بها على غير أمانة الوفاء للثورة.
ويطيب لعناصرهم أن يتحدثوا عن أشياء ثلاثة غير ما أعلنوه من امتلاك للأرض:
أنهم قضوا من أعمارهم في السجون زمنا، وهم من تحملوا العذاب، وهو أمر لا ينكره أحد ولكن السؤال لماذا تحملتم هذا؟ هل من أجل تحرير الوطن أم من أجل بناء تنظيمكم؟
وأنهم والسلفيون وبقايا الحزب الوطني هم القوى الموجودة بالمجتمع، ويتساءلون وباستعلاء، ومن غيرنا في المجتمع؟ أي أنهم خرجوا من الجماعة الوطنية وحرموا الشباب أيضاً من حقهم في المستقبل.
وثالث ما يتحدثون عنه، يطلقون عليه المسكوت عنه، وهو إخراج الجيش من الحياة السياسية، وهو مطلب يعني عندهم الانفراد بالمجتمع.
واكتملت الصورة بالانقضاض على ما أعلنوه من مدنية الدولة إلى الحديث عن امتلاك الأرض وإقامة الحكم الإسلامي.
وتعرض الشباب لاختبار الوعي عندما هدأت الحركة وكانت الأسئلة المطروحة أعمق كثيرا من مجرد القدرة على الحشد والتظاهر، وتبين أن هناك ندرة في الكوادر، وانتقلت القيادة في بعض المواقف إلى عناصر غير مؤهلة، والبعض منهم يعتمد قاعدة الهتاف في لحظة يجب فيها التفكير والحوار، بل وزاد الطين بلة في بعض المواقف أن عناصر مشبوهة جنائيا انتشرت في إطار خدمات الشاي والطعام وأيضا "الكيف"، ولولا أني شاهدت هذا بنفسي وتعاملت معه لما سجلته حتى نستطيع مواجهته وحماية الشباب رأس رمح الثورة منه، كل هذا مثل عبئا على نمو حركة الشباب، وأدى إلى تشوهات يرصدها المجتمع والمواطنون مما أتاح فرصة لاتهام الشباب بادعاءات الحركة المضادة للثورة.
ويتعرض الشباب لمرض النجومية الخطير، والذي صاحبه انقلاب على الأجيال السابقة عليه، وكأنه نبت شيطاني خرج منفردا ومستقلا عن غيره، وزاد الإحساس الذي جرت زراعته داخله بأنه هو الثورة، إلى تزايد حالة التمرد على كل صور الوعي والإدراك بحجة أنها من إنتاج عصور بائدة.
ورغم ذلك كله، ما زال مخزون الثورة والوعي عند الكتلة الأكبر من الشباب قادر على الحشد، وقادر على الإمساك بإستراتيجية التغيير وتحويلها إلى مهام.
الدستور تتربص به المخاطر، لجنة تضعه بديلا عن شعب بأسره. وانقلاب على الثورة تؤديه وزارة الداخلية والبلطجية ويشاركهم الإخوان والسلفيون، ويتسرب الخطر إلى الشباب عماد رمح الثورة. الخطر الداخلي أشد وطأة من الخطر الخارجي وكلاهما خطر ويجب التصدي له، وعجلة الزمن تدور والأكثرية يستغرقها الثأر والقصاص، فهل آن لنا أن نوقف تداعي سرقة الثورة بإحالة أمر الدستور إلى جمعية تأسيسية للقوى الوطنية بديلا عن مسلسل الانتخابات ولجنة المائة، سؤال يفرض نفسه على إرادة الثورة، ووجب الاحتشاد للإجابة عنه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3552
| 23 سبتمبر 2026