رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يمكن أن نتحدث للأسف، على الأقل من حيث الشكل المنهجي والعلمي، عن وجود إستراتيجيات اجتماعية عربية لمحاربة ظاهرة الإرهاب باستثناء تجربة المملكة العربية السعودية؛ ذلك أن معظم الإستراتيجيات الموضوعة والموجودة لمحاربته تركز تركيزا أساسيا على الإستراتيجية الأمنية – القانونية التي تتجاهل في الكثير من الأحيان بقية الحلول والإستراتيجيات والتي يمكن أن تسهم مباشرة في محاصرة هذه الظاهرة والقضاء عليها، خصوصا وأنها تعتمد على جوانب كثيرة ومتغيرات اقتصادية وسياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها في تشخيص الداء وتقديم الحلول المناسبة. ورغم أهمية الإستراتيجية الأمنية – القانونية في محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه؛ إلا أنها على المدى البعيد ستثبت فشلها وقصورها؛ لأنها تقضي في أحسن الأحوال على مظاهر وتجليات الداء وتؤجل مفعول المشكلة وللأسف للأجيال القادمة. وتبرز الإستراتيجية الاجتماعية كإستراتيجية حتمية لقدرتها وفاعليتها على معالجة الداء من جذوره؛ لأنها تعتمد على آليات الإقناع والتأثير الاجتماعي. فالفرد هو ابن بيئته الاجتماعية يتأثر بها ويؤثر فيها ولا يمكن مهما كان الأمر أن ينسلخ أو يبتعد عنها. لهذا فإن الإستراتيجية الاجتماعية تعمل على فهم طبيعة الأبعاد الاجتماعية للظاهرة، وخصوصيات المجتمع، وطبيعة الجماعات الضاغطة فيه بهدف توظيف كل الطاقات والمجموعات الاجتماعية الحيوية والفاعلة لمحاربته، ومن ذلك مثلا: الأسرة، والمسجد، ووسائل الإعلام والاتصال، والنوادي، والجمعيات الأهلية. إن لهذه المجموعات الاجتماعية تأثيرا عجيبا وكبيرا على أفرادها، وكما يقول أوجست كونت August Kant "المجتمع يطاردنا حتى في النوم"، أي أن مؤسسات المجتمع والمجموعات الاجتماعية لها تأثير كبير على أفكار وسلوكيات واتجاهات بل وعلى كل قناعات وقيم الفرد. ويلتزم الإنسان حسب أوجست كونت بكل ما يفرضه عليه المجتمع من سلوك وأفكار ومعتقدات. إن المجتمع، حسب العديد من مؤسسي علم الاجتماع كابن خلدون وإيميل دوركايم Emile Durkheim، يمارس ضغطا ورقابة وتوجيها مباشرا من خلال القوانين والتشريعات والسلوكيات الرسمية والعامة، أو غير مباشر من خلال الأسرة والأصدقاء والمدرسة والنوادي.
"الإنسان اجتماعي بطبعه" كما يقول ابن خلدون في كتابه "المقدمة" فهو بحاجة ماسة للعيش مع الآخرين، وأن يتقبل ظروف وشروط وأساسيات العيش المشترك الذي يستوجب الالتزام التام بقيم وفلسفة وقوانين وقواعد المجتمع الذي ينتمي إليه. وضمن هذا الإطار تسعى المجتمعات العربية والإسلامية إلى تكريس قيم الأخوة، والتضامن، والتفاعل الإيجابي، والتسامح، والتكافل الذي يضمن لأفراد المجتمع العيش الكريم. ورغم وجود بعض المبادرات العربية المرتبطة بتوظيف واستخدام المؤسسات الاجتماعية والأهلية في محاربة ظاهرة الإرهاب؛ إلا أنها في أغلب الأحيان لا تستخدم لأغراض تكريس الحل الاجتماعي الشامل الذي يأخذ بعين الاعتبار تركيبة وخصوصية المجتمع ودور المؤسسات الاجتماعية في تقديم العلاج الناجع الذي يتطلب ويستوجب فهما صحيحا للمشكلة والآثار المترتبة عنها مستقبلا، سواء على الفرد أو على المجتمع. وقد تبنت بعض البلدان العربية التي عانت أو ما زالت تعاني من ويلات هذا المرض الخطير، كالجزائر، ومصر، والمغرب، والمملكة العربية السعودية، والعراق، واليمن مبادرات اجتماعية ضمن خطط إستراتيجية هدفها توظيف كل الطاقات الاجتماعية الحية والنشطة في المجتمع: كالجمعيات الأهلية، والنوادي المختلفة، والمساجد، والجامعات، والنقابات، والشخصيات الاجتماعية والدينية والسياسية المعروفة من أجل توعية الجماهير العربية بخطورة هذه الآفة الاجتماعية وجعل الجماهير ترفض هذا السلوك وكل من يتبناه أفرادا أو جماعات.
كما سعت مختلف هذه البلدان العربية لتبني عدة إستراتيجيات اجتماعية لتوعية الجماهير بضرورة المشاركة المباشرة في عملية محاربة الإرهاب، إما من خلال التبليغ عن الجماعات الإرهابية، أو من خلال رفض كل الأفكار والسلوكيات التي قد تؤدي إلى العدوان على الممتلكات الخاصة أو العامة. وفي الكثير من الأحيان قامت العديد من الجهات والمنظمات الاجتماعية والسياسية والدينية في بعض الدول العربية: كالجزائر والمغرب ومصر واليمن بتنظيم مظاهرات ومسيرات احتجاجية للدفاع عن وحدة المجتمع ومؤسساته حاملة شعارات منددة بخطورة الوضع ووحشية وهمجية الأعمال والأفكار الإرهابية والعدوانية. كما ركزت معظم هذه المظاهرات على أهمية تصدي أفراد الشعب جميعا لهذه الظاهرة، لأنها تمس بوحدة وسلامة ومستقبل المجتمع. وتستخدم وسائل الإعلام الجماهيرية في الوطن العربي بشكل كبير في هذه العملية، وذلك على مستويات عدة، أهمها: إبراز خطورة الظاهرة والدعوة لرفضها جملة وتفصيلا وتستخدم عدة مواد إعلامية لتحقيق ذلك: كالنشرات الإخبارية، والبرامج الحوارية، والندوات والمناقشات مع العلماء والشخصيات المعروفة اجتماعيا وهذا لما لهم من تأثير كبير على الجمهور وفي عملية صناعة الرأي العام. كما تستخدم وسائل الإعلام الجماهيرية في إبراز المشاركة الكبيرة والفعالة للجماهير الرافضة للسلوك الإرهابي وكل ما له صلة به، وهذا ببث صور التضامن الاجتماعي ومشاركة كل الفئات والمؤسسات والجمعيات والجماعات الاجتماعية في مشروع محاربة ظاهرة الإرهاب. وتقوم وسائل الإعلام الجماهيرية العربية بتغطية كل المظاهرات والمسيرات والاحتجاجات والتجمعات الاجتماعية الرافضة للإرهاب مما يزيد من فضح عيوب الإرهابيين وتبرز مدى بعدهم عن القيم التي يؤمن بها المجتمع العربي ونبذ المجتمع العربي للأفكار الإرهابية والعدوانية. لا يمكن نفي وجود بعض التجارب والنماذج الإعلامية في محاربة ظاهرة الإرهاب في الوطن العربي؛ إلا أنها في أغلب الأحيان تفتقد للتخطيط والتنظيم والتنسيق، فهي تظهر وتنشط في مرحلة ما وتختفي في مراحل عدة؛ إذ لا يتم استخدام الحملات الإعلامية والتوعوية، إلا في الفترات التي تشهد أحداث وعمليات إرهابية وعدا ذلك فلا وجود ولا متابعة إعلامية للموضوع.
تجربة وسائل الإعلامية الرسمية والتي تتمثل في القنوات التلفزيونية والإذاعية والصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية الرسمية التابعة للحكومات العربية تشير إلى التزام هذه المؤسسات التزاما حرفيا بالخطاب الرسمي والدفاع عن وجهة نظر الحكومات ومصلحة الوطن. ولقد قدمت مواد إعلامية كثيرة لا يمكن حصرها تبرز فيها مختلف جوانب الظاهرة وخطورتها على مستقبل الفرد والمجتمع. وبشكل عام، فإن معظم ما تقدمه هذه الوسائل من مضامين وبرامج وتغطيات إخبارية يكاد لا يخرج عن المألوف، أي أن المادة الإعلامية مقدمة بشكل كلاسيكي وروتيني بعيدة عن الإبداع والإثارة والتشويق، وهذا ما جعل نسبة كبيرة من الجمهور العربي تتجه نحو القنوات ووسائل الإعلام العربية الخاصة أو الأجنبية. إن وسائل الإعلام العربية الرسمية لم تستطع فهم التحديات التي تواجهها في عصر العولمة وبقيت تفكر وتسير بعقلية القرن الماضي حيث لا وجود للمنافسة. إن معظم هذه المؤسسات تفتقد للحرفية والمهنية والتميز مما يجعلها أداة ضعيفة وغير قادرة على تقديم المضامين الإعلامية المتميزة لمحاربة ظاهرة الإرهاب بحرفية. كما أن البعض منها لا يملك الخطط والبرامج الإعلامية لمحاربة الإرهاب وتجفيف منابعه. والملاحظ على هذه الوسائل أنها لا تقدم مضامين متميزة ومتنوعة لغرس قيم السلم والوئام المدني وتوعية الجمهور بأخطار الإرهاب، إذ يمكنها أن تنتج أفلاما ومسلسلات درامية وبرامج حوارية ورسائل إعلانية وتوعوية متميزة باستخدام أحدث التكنولوجيات.
إن محاربة ظاهرة الإرهاب هي مسؤولية هذه المؤسسات التي تملك الإمكانات التقنية والبشرية والمادية. وفي حقيقة الأمر، فإنه لا يمكن إحداث تغيير في العقليات والسلوكيات والممارسات الاجتماعية ونبذ العنف وغرس قيم السلم من دون توظيف وسائل ورسائل إعلامية مقنعة ومؤثرة. كما أن محاربة هذه الظاهرة لا تكون آنية بتغطيات إخبارية فورية فقط، بل تحتاج إلى خطط وبرامج إعلامية مدروسة تأخذ بعين الاعتبار حاجات ورغبات وميول المتلقي، وتسعى لإحداث تغيير في العقليات والأفكار والسلوك على المدى الطويل. وهنا تظهر الحاجة لمعرفة الأبعاد النظرية والخلفية الفكرية التي تقوم عليها الإستراتيجية الإعلامية.
من الحفظ إلى التفكير.. كيف يتغير التعليم في مدارسنا؟
شهد التعليم خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة فرضتها متطلبات العصر وتسارع التطور التكنولوجي. ولم يعد الهدف من التعليم... اقرأ المزيد
57
| 19 يونيو 2026
حياءٌ يردع الخطايا
ليس أعظم أثرًا في تزكية النفس من خلق الحياء؛ فهو الحارس الخفي الذي يقف بين الإنسان وبين الوقوع... اقرأ المزيد
57
| 19 يونيو 2026
الإجازة الصيفية.. الفراغ لصناعة المستقبل
تمثل الإجازة الصيفية فرصة مهمة في حياة الأبناء، فهي ليست مجرد فترة للراحة والاستجمام بعد عام دراسي حافل،... اقرأ المزيد
51
| 19 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17589
| 16 يونيو 2026
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
8178
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4416
| 15 يونيو 2026