رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في ظل تغلغل تكنولوجيا الاتصال الرقمية ودخولها معظم القطاعات الحياتية، وبسبب انتشار الشبكة العنكبوتية الواسع في حياتنا البشرية بعد أن ارتفع عدد مستخدمي الانترنت على مستوى المعمورة حتى كتابة هذه السطور إلى ما يقارب حوالي 4.95 مليار شخص وذلك وفقًا لإحصائيات عام 2022، وهذا الرقم يعادل تقريبًا 62% من إجمالي سكان العالم، أن هناك أكثر من 1.83 مليار موقع إلكتروني في عام 2021.
تشهد شبكة الانترنت نموًا متسارعًا على مدار العقود الثلاثة الماضية، مما أدى إلى وضع تصور لبعد اتصال جديد باعتباره تمثيلًا للفضاء السيبراني، والذي يعتبر هذا الفضاء من أهم إنجازات الإنسان الحديث، كوسيلة اتصال جديدة تنشأ من أجهزة الحاسوب المترابطة كونيًا، ويمكن اعتبار هذا الفضاء البيئة الافتراضية التي طورتها أنظمة الحوسبة والمستخدمون الذين يتفاعلون داخلها، أو إن أردنا القول بأنه مجال يتميز بالاستخدام المترابط للطيف الكهرومغناطيسي والإلكترونات، والهدف منه هو بناء المعلومات وتعديلها وتبادلها واستخدامها ومشاركتها وحفظها والتخلص منها وتعطيل الموارد المادية.
إن إحدى القنوات التي يؤثر بها الفضاء السيبراني على السياسة العالمية تتمثل في التحديات الجديدة التي يفرضها على الأمن الدولي، وتحديدًا في شكل عمليتين عدائيتين: التجسس الإلكتروني والهجمات والجرائم الإلكترونية.
يمكن أن يؤدي التجسس الإلكتروني وظيفة استخراج المعلومات الحساسة والمحمية، إما لغرض التجسس الصناعي أو للحصول على أسرار حكومية. فوفقًا للتقديرات الحالية، يكلّف التجسس الصناعي الإلكتروني الاقتصاد الأمريكي 300 مليار دولار سنويًا، و121 ألمانيا 71 مليار دولار، وكوريا الجنوبية 82 مليار دولار، في حين أن 86 في المائة من الشركات الكندية الكبيرة كانت ضحايا التجسس الصناعي الإلكتروني في مرحلة ما.
في جانب الهجمات والجرائم الإلكترونية فقد أضحت التهديدات السيبرانية أكثر خطورة سيما خلال العقد الأخير من هذا القرن، وهي تحدث بوتيرة أكبر وبشكل متسارع، بعض الإحصاءات المتعلقة بهذه المسألة لعام 2022 تبين لنا خطورة ما يجري؛ إذ إن ما نسبته 85% من انتهاكات الأمن السيبراني ناتجة عن خطأ بشري وحوالي 94% من البرامج الضارة تحدث من خلال البريد الإلكتروني، بينما هجمات برامج الفدية تحدث كل 10 ثوان وحوالي 71% من بين جميع الهجمات الإلكترونية لها دوافع مالية (تليها سرقة الملكية الفكرية، ثم التجسس) وتقدر الإحصاءات التكلفة العالمية السنوية للجرائم الإلكترونية بما يزيد عن 10.5 تريليون دولار وذلك بحلول عام 2025. ويبدو أن مستقبل الجريمة الإلكترونية بات أكثر قتامة من أي وقت مضى، إذ تظهر الأبحاث من موقع Cybersecurity Ventures أن الضرر الذي تسببه برامج الفدية سنويًا يمكن أن يكلّف الشركات 265 مليار دولار في جميع أنحاء العالم، وبمعدل هجوم كل 10 ثوانٍ للمؤسسات والمستهلكين.
في الأشهر الستة الماضية فقط، زادت الهجمات الإلكترونية عالميا بنسبة 29٪ مع استمرار استغلال الجهات الفاعلة في التهديد لوباء كوفيد -19 حيث دخلت المجموعات التي تستخدم تكتيكات برامج الفدية عصرًا ذهبيًا، مع تزايد استخدام الابتزاز بوتيرة متسارعة بلغت ما يزيد عن 90٪ في أقل من عام.
الشركة العالمية الرائدة في مجال الأمن السيبراني "تريند مايكرو إنكوربوريتد" ووفق تقريرها الجديد الذي أصدرته مؤخرا تشير فيه إلى سيناريوهات توضح كيف سيكون شكل العالم في العقد المقبل، وكيف سيتعامل قطاع الأمن مع الابتكارات المتطورة للجرائم السيرانية، ومما جاء في التقرير الذي يحمل اسم "Project 2030" أنه بحلول عام 2030 سيؤثر الاتصال بالانترنت على جميع مناحي حياتنا اليومية، وذلك على المستويين الجسدي والنفسي. وان الجهات الفاعلة للتهديدات السيبرانية ستطور من آلية عملها الخبيثة وتسيء استخدام الابتكارات التكنولوجية. ومن أبرز ما جاء في التوقعات الخاصة بالتقرير أن أدوات الذكاء الاصطناعي ستساهم في إضفاء الطابع الديمقراطي للجرائم الالكترونية لأن البيانات ستكون متاحة للجميع وليس فقط للمتخصصين في مجال تكنولوجيا المعلومات، وستتسبب الهجمات في إحداث فوضى بسلاسل التوريد وإلحاق الأذى الجسدي بالبشر عبر زرع أدوات سيبرانية، وسيكون من الصعب تجنب هجمات الهندسة الاجتماعية والمعلومات المضللة عندما تصبح البيانات متاحة بشكل أوسع عبر "أجهزة عرض البيانات بمستوى الرأس"، كما ستقوم بيئات إنترنت الأشياء الضخمة بجذب مجرمي الانترنت الذين سيشنون هجماتهم لاستهداف قطاع التصنيع والخدمات اللوجستية والنقل والرعاية الصحية والتعليم والبيع بالتجزئة والبيئة المنزلية، وبما أننا نرى الاتصال بشبكات 5G و6G في كل مكان، سيؤدي ذلك إلى حدوث هجمات أكثر تطورًا ودقة، كما جاء في التقرير أن القومية التكنولوجية ستصبح أداة جغرافية استراتيجية رئيسية لعدد من أقوى دول العالم، وذلك في ظل اتساع الفجوة بينها وبين الدول المتأخرة تكنولوجيًا.
إن البشرية إزاء مشهد سيبراني يتطور ويتغير باستمرار وتبدو فيه أكبر قضية مدعاة للقلق هي برامج الفدية التي وصفت بأنها التهديد الأول للأمن السيبراني في عام 2021. المعطيات تشير بهذا المجال إلى أن معظم الهجمات الإلكترونية تأتي من روسيا والبرازيل والصين وهي البلدان الثلاثة الأولى التي نشأت فيها الهجمات الإلكترونية، وحول الوقت الذي تستغرقه هذه الهجمات للكشف فهو حوالي 280 يومًا، بينما تستغرق منظمة نموذجية حوالي 197 يومًا لتحديد التهديد، لكن بعض الانتهاكات يمكن أن تتجنب الكشف عنها لفترة طويلة.
الجرائم الإلكترونية لن تختفي قريبًا. ومن المتوقع أن ينمو عدد أكبر من هذه الجرائم في السنوات القادمة ما دام المكان المفضل في جميع أنحاء العالم لهذه الفئة هو الشبكة العنكبوتية، وسيستمر سوق الأمن السيبراني العالم في تحقيق نمو أعلى، ومما يبدو أن تكاليف وأضرار الجرائم الإلكترونية أعلى من تلك الناجمة عن الكوارث الطبيعية.
باحث دكتوراه في العلوم السياسية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• متخصص بالسياسة السيبرانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1356
| 14 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1332
| 08 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
804
| 13 يناير 2026