رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على مدى ساعة وربع الساعة شاهدت وتأملت مضامين فيلم «إلى أبناء الوطن»، وأول ما جذب وشدّ اهتمامي أن وقائع الفيلم اتسمت بالحيوية، وبدت زاخرةً بشهادات تاريخية حيوية، وفي الوقت نفسه فإن الأجواء التي أشاعها مناخ الفيلم فتحت ورسمت أوسع فرص التأمل، لاسترجاع شريط أحداث وتطورات وتحولات كبرى، خصوصاً لدى من عايشوا عن قرب تفاصيل المرحلة وتحدياتها وتابعوا مساراتها ولمسوا ثمارها اليانعة.
الفيلم نجح في أن يروي ويوثق حقائق تاريخية مشرقة، هي من نبض قائد تصدى بجسارة ونهج تجديدي فصنع تاريخاً مجيداً يفخر به شعبه، كما فرض بإرادته وإنجازاته ومواقفه مكانة متميزة لوطنه وشعبه بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والعالمين العربي والإسلامي والعالم، وفي كل الأوساط التي تُدرك أهمية التحولات الإيجابية الكبرى في حياة الشعوب.
السؤال الأهم في هذا السياق: من أين استمد ما حققه سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني هذا التوهج والبريق والجاذبية الباهرة؟.
بالعودة الى اليوم الأول لتولي سموه مقاليد الحكم في 27 يونيو 1995، أعلن ما أصفه بفلسفته السياسية أو نهجه السياسي الذي يكمن في اعتماد الإصلاح الشامل طريقاً للتغيير.
من أبرز الأدلة النوعية على هذا النهج الاصلاحي الشامل جاء الدستور الدائم الذي أصدره سموه في الثامن من يونيو 2004 كأول خطوة من نوعها في تاريخ قطر، بعدما تمت الموافقة عليه باستفتاء شعبي هو الأول من نوعه في 29 أبريل 2003، وقد نص ضمن أبوابه الخمسة على أسس الحكم وكيفية تنظيم السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والحقوق والواجبات، ومن أهم مضامينه أنه شدد على (المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار).
ويعرف المتابعون للشأن القطري أن سموّه كان قد خطا خطوة مهمة بإصداره قراراً في 13 يوليو 1999 بتشكيل لجنة لإعداد الدستور من (32) عضواً وضمّت مفكرين وأكاديميين وخبراء، وهذا أيضاً يؤشر إلى نهج إيجابي تمثل في استثمار قدرات أهل الخبرة والمعرفة بالتجارب الدستورية لخير الوطن.
استمرت مسيرة التحولات والإنجازات الكبرى وسطع نجم دولة قطر محلياً وخليجياً وعربياً واسلامياً ودولياً ثم جاء الموقف التاريخي غير المسبوق.
وفي خطوة تاريخية ووطنية ويوم مشهود عزز سموه خطاه التي انطلقت من رؤيته الوطنية التجديدية الإصلاحية التي تؤمن بدور الشباب في التغيير، في خطاب تنازله وتسليمه مقاليد الحكم لحضرة صاحب السمو الأمير المفدى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في 25 يونيو 2013، حيث استهل سموّه خطابه مخاطبا شعبه بقوله (نحن نستعد لدخول عهد جديد في تاريخ وطننا، وقد أردت أن أخاطبكم أولاً إذ أنتم أصحاب هذه الأرض الطاهرة وحماتها وبناة نهضتها وصانعو مستقبلها).
وبنبض المكاشفة والصدق قال (الله يعلم أنني ما أردت السلطة غاية في ذاتها ولا سعيت إليها من دوافع شخصية، بل هي مصلحة الوطن أملت علينا أن نعبر به إلى مرحلة جديدة. ولقد حان الوقت أن نفتح صفحة جديدة أخرى في مسيرة وطننا يتولى فيها جيل جديد المسؤولية بطاقاتهم المتوثبة وأفكارهم الخلاقة).
وقال سمو الأمير الوالد في خطابه إن (شبابنا أثبت في السنوات الماضية أنهم أهل عزم وعزيمة يستوعبون روح عصرهم ويدركون ضروراته إدراكاً عميقاً ويواكبون كل جديد فيه، بل يساهمون بفكرهم الأصيل في التجديد والإبداع).
كما قال سموّه (أنا على قناعة تامة أنه أهل للمسؤولية، جدير بالثقة، وقادر على حمل الأمانة وتأدية الرسالة، وإنني على يقين راسخ بأنكم ستكونون خير سند له كما كنتم معي، فما بين الحاكم وشعبه في وطننا من عهود الوفاء والمحبة والود عميق وأصيل عمق وأصالة تراثنا وتاريخنا المجيد، وإنني على يقين أيضا أن تميم سيضع مصلحة الوطن وخير أهله نصب عينيه وستكون سعادة الإنسان القطري غايته الأولى على الدوام).
نبض التغيير والتحديث
• هكذا تجلى نبض التغيير والتحديث والدعم الكبير للخُطى الواثقة نحو المستقبل حينما قال لشعبه (يا أبناء الوطن تنتقلون إلى عهد جديد ترفع الراية فيه قيادة شابة تضع طموحات الأجيال القادمة نصب عينها وتعمل دون كلل أو ملل من أجل تحقيقها مستعينة في ذلك بالله أولاً وبأبناء الوطن وبما اكتسبته من خبرة ودراية في الحكم وإدارة شؤون البلاد ومعرفة عميقة بالواقع في منطقتنا وعالمنا العربي بالذات).
الوفاء لمن قدموا الجهد والعطاء سجل حضوراً وعكس نبض التقدير للشعب ومن آزروه في تنفيذ خطط التغيير، إذ توجه بالشكر الى ( أهل قطر الذين كانوا معي طوال المسيرة وساندوني وكانوا خير عون لي في الظروف الصعبة وساعدوني في مواجهة التحديات) وشكر وعبّر عن تقديره أيضا (لكل الذين عملوا معي من قرب حيث كانوا خير سند ومعين في الشدة وفي الرخاء، وأشكر كذلك قواتنا المسلحة وجيشنا الأبي على الدور المشرف الذي قام به أثناء قيادتي له، ولن أنسى ما حييت إخلاصكم جميعايا أبناء وطني).
هذا الخطاب التاريخي مهم للتوثيق، ونحن محتاجون دوما لقراءته وتأمل دلالاته وأبعاده، وخصوصا الجيل الجديد.
هذا يؤشر إلى أن عطاء الأمير الوالد نبع من رؤية عميقة الجذور وشكّل علامة فارقة في تاريخ قطر والمنطقة، واستمد أهميته وحيويته من أهدافه الكبرى وانجازاته المحسوسة والملموسة التي تجاوزت الشعارات الجوفاء التي نسمعها في مناطق عدة في العالم، وقد شكلت خريطة الفعل وبصمات الانجاز التي قرنت الأقوال بالأفعال ملحمة وطنية تستحق أن توثق كما فعلت بنجاح واقتدار وابداع مؤسسة الدوحة للأفلام التي أنتجت الفيلم.
شهادات حيوية لعطاء مدهش
• الفيلم تناول أوجه الانجاز الباهر لمسيرة الأمير الوالد، في مجالات شملت السياسة والدبلوماسية وانجازات النفط والغاز والاقتصاد والمال والإعلام والخدمات كالصحة والتعليم مثلاً، ومشاريع البنية التحتيّة، ويشمل ذلك المواقف المبدئية التي قرنت الأقوال بالأفعال خصوصاً قضايا المنطقة وفي صدارتها حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.
الفيلم تميز بالشهادات الحيوية للشخصيات التي تحدثت عن عطاء الأمير الوالد، وهم أبرز معاونيه ويعرفون قبل غيرهم كيف انطلقت مسيرة النجاح ولماذا أثمرت خيراً على أرض الواقع، أي أن المضمون يستمد أهميته من المعايشة والتفاعل اليومي.
الأمير الوالد قدم عطاءً مدهشاً في مجالات عدة استناداً إلى رؤية ثاقبة وواضحة، وعزيمة وإرادة فولاذية لا تلين أو تنكسر، بيد أنّي أرى أن العنوان الأبرز الذي أضفى على المسيرة رونقها وبهاءها ونضارها وجاذبيتها وتميزها في المنطقة وصنع منها مثالاً يُحتذى به يكمن في نبض الإصلاح الذي كان المحرك الأول لمسيرة التحديث والتجديد في سبيل ارتياد آفاق العصر.
من أدلة الاصلاح على سبيل المثال مشاركة المرأة الفاعلة ودورها الايجابي في بناء المجتمع، وقد برزت بصماتها بوضوح في الفيلم، وقد عبّرت صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر عن الدور الريادي الذي قاده سمو الأمير الوالد تعبيراً رائعاً من خلال مبادراتها واطلالاتها في ميادين المشاركة.
ولعل أحدث دليل على حيوية دور المرأة أن الفيلم بإشراف سعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني، رئيس مجلس أمناء مؤسسة الدوحة للأفلام ومتاحف قطر، ومن إخراج روضة آل ثاني وأمل المفتاح.
رؤية تتفاعل مع طموحات شعوب الخليج
• وهنا يبرز سؤال عن دور سموه على الساحة الخليجية؟
تجربتي في مجلس التعاون لدول الخليج العربية من (6 أبريل 2002 إلى 31 مارس 2011)، أتاحت لي أوسع فرص الاطلاع على اسهامات سمو الأمير الوالد الخليجية من واقع المعايشة والتفاعل المباشر. فقد دعم سمو الأمير الوالد مجلس التعاون دعماً كبيراً، وكان يشدد ويدعو الى تطوير المجلس وإصلاح مساره ليحقق تطلعات شعوب المنطقة، وكان نهجه في القمم الخليجية ينطلق من دعوة مستمرة الى حوار خليجي – خليجي لتطوير مؤسسات مجلس التعاون.
مواقف سمو الأمير الوالد خلال فترة عملي أميناً عاماً لمجلس التعاون، انطلقت من رؤية وصفتها في تاريخ سابق من خلال تصريحات نُشرت في صحف عدة بأنها تتفاعل مع طموحات شعوب المنطقة، وكانت رؤية سموه قد شكلت بعداً حيوياً لم يغفل نبض الشعوب التواقة للتغيير والتحديث، وكان سبّاقا بهذا الطرح الريادي المُواكب لروح العصر.
أعيد للأذهان على سبيل المثال، وقائع الدورة الثالثة والعشرين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي عقدت في الدوحة برئاسة سموه في21- 22 ديسمبر 2002 وحضرت القمة اذ كنت أمينا عاما لمجلس التعاون.
القمة شهدت تحقيق مكاسب مهمة، كان من أبرزها أن المجلس الأعلى بارك قيام الاتحاد الجمركي لدول المجلس اعتباراً من الأول من 2003 وكان تم إعلانه في قمة بمسقط، وقد اعتمدت قمة الدوحة ما اتفقت عليه لجنة التعاون المالي والاقتصادي من خطوات في هذا الشأن، وكان الهدف الأكبر أن تنساب حركة السلع بين دول المجلس وزيادة التجارة البينية وازالة المعوقات الجمركية، كما وجّه القادة باستكمال متطلبات السوق الخليجية المشتركة، والتي أعلن عن قيامها في الدوحة في 2007.
كما شهدت قمة الدوحة أيضاً في دورتها الثالثة والعشرين انطلاق مشروع التطوير في مجال التعليم، مستلهمة مرئيات سموّه بوضع خطة مشتركة لتطوير التعليم وضرورة الارتقاء بنوعيه التعليم والتدريب، وتوجيه المؤسسات لتحسين مخرجاتها بما يكفل تعديل وتطوير مناهج التعليم لتواكب متطلبات المجتمع في العصر الحديث.
خطوات عملية للتطوير
• هذا معناه أن رؤية سموّه للتطوير والاصلاح والتغيير الشامل كانت متعددة الأبعاد، إذ بدأت أولاً على الصعيد المحلي بخطوات عملية، ثم انطلقت على الساحات الخليجية والعربية والإسلامية ثم إلى المجتمع الدولي، اذ كان من أبرز دعاة تطوير وإصلاح الأمم المتحدة لتنتصر لحقوق الشعوب المظلومة وفي صدارتها الشعب الفلسطيني المظلوم والمناضل في سبيل الحرية والكرامة.
وفي إطار رأيي بشأن أبعاد رؤية سموّه الإصلاحية الشاملة، أذكر على سبيل المثال أيضا ما شدّد عليه لدى مخاطبته الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الديمقراطية والاصلاح في العالم العربي في الدوحة في عام 2004 إذ قال (لم يعد مقبولا أن يُتخذ الصراع مع إسرائيل أو انتظار السلام معها ذريعة تبرر التباطؤ في الإصلاح، ذلك قد طال وقد يطول أكثر، خاصة أن الغضب العربي لا تحركه القضية الفلسطينية بمفردها وانما له روافد داخلية عميقة تمس صميم الأداء السياسي والاقتصادي في المنطقة، ولم يعد مقبولاً أيضا التذرّع أمام العالم بالحرص على مصالحه في منطقتنا والقول بأن الاصلاح لو انطلق سوف يزعزع الأمن ويهدد الاستقرار فيها بعد أن اكتشف هذا العالم بنفسه في السنوات الأخيرة أن مخاطر عدم الاصلاح تفوق بكثير كل المخاطر التي قد تصاحب القيام به).
ما أروعها من رؤية..
نبض سموه الإصلاحي سعى بخُطى عملية واثقة لمواكبة روح العصر، بتحولات داخلية شملت كل مجالات الحياة كما ذكرت وبينها بناء الانسان، وتطوير التعليم، وفتح أوسع فرص المشاركة أمام حواء القطرية، والتنقيب، والاستثمار لموارد قطر باطن الأرض وفوقها، وفتح جسور التواصل الحضاري، والعلاقات الدولية بسياسة خارجية اعتمدت نهج المبادرة، والوضوح، والشفافية، وتشجيع الحوار، والحلول السلمية للأزمات.
هدية من الشعب لرائد التغيير
• فيلم «إلى أبناء الوطن» الذي تناول هذه الاشراقات، هو هدية من الشعب لرائد التغيير وتوثيق تقدمه الدوحة للعالم، ولدارسي التاريخ القطري والخليجي والعربي وللباحثين في العالم.
أخلص إلى القول إن ما تحقق لم يأت من فراغ، إنه نتاج شخصية قائد فذ يتمتع بأهم صفات القائد الناجح الهمام ومن أهمها أنه صاحب رؤية ثاقبة، وعقلية تضع نهج التخطيط في صدارة أولوياتها، وهو يتمتع بقدرة فائقة على اختيار من يعينه ويساعده على تنفيذ الخطط والمشاريع في كل المجالات، أي أنه يؤمن بفلسفة التفويض والمشاركة كي تتكامل الجهود.
ما تحقق كان يحتاج الى قائد يتمتع أيضا بشخصية قوية، وبعلو الهمة، وقد أجمع عدد من الباحثين في العالم على أن هذه من أهم صفات القائد الهمام، وهكذا هو سمو الأمير الوالد.
هذه الحروف أسجلها اليوم تحية لصانع الأمجاد، وللتاريخ، وتقديراً لمن أبدعـوا بإنتـاج فيلـم (إلـى أبنـاء الوطـن).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● وزير الدولة، الأمين العام السابق لمجلس التعاون لدول الخليج العربية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43557
| 14 سبتمبر 2026
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8823
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7185
| 15 سبتمبر 2026