رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
-الحقائق العشر في ذكرى تأسيس مجلس التعاون - انطلاق مجلس التعاون دليل وعي قيادي مُبكر بأننا نعيش في زمن الكيانات القوية - السعودية كانت وستبقى مركز الثقل الخليجي ورمانة المسيرة - من المهم تطوير النظام الأساسي للمجلس لبناء شراكات أكبر وصولاً إلى الاتحاد الخليجي - شهدنا كيف تراصت الصفوف رفضاً للاعتداءات الإيرانية على دول المجلس - نلمس ثمار نجاح الوساطة القطرية لحل الأزمات في أماكن عدة حول العالم - الأحداث أكدت ضرورة تعزيز التعاون العسكري والارتقاء بمستوياته إلى آفاق أرحب - نحتاج لبناء مسار علاقات مستقرة ونافعة مع اليمن والعراق وإيران أساسها الاحترام - الحرب كشفت كيف تأثرت مصالح دول كبرى وصغرى حينما توقف تصدير النفط الخليجي والغاز القطري بداية أحيي أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بمناسبة مرور خمسة وأربعين عاماً على تأسيس المجلس، وأن أنوّه بعطاء القادة المؤسسين، الذين أسسوا مجلس التعاون لدول الخليج العربية والقادة الذين واصلوا المسيرة بعدهم، وصولا الى القادة الذين يحملون راية العمل الجماعي عاليةً خفاقةً اليوم، رغم جسامة التحديات. تحل اليوم، الذكرى الخامسة والأربعون لتأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في 25 مايو 1985، وهي ليست مجرد ذكرى عابرة، لأن الإنجاز كان كبيرا، وما زالت نتائجه ودلالاته ودروسه ماثلة للعيان، وفي مقدمتها أن العمل الجماعي بين دول المجلس هو ضرورة ملحة تستوجبها الأواصر وحقائق الجغرافيا والتاريخ. في الذكرى الـخامسة والأربعين لانطلاق مجلس التعاون سأركز حديثي على ما أسميه الحقائق العشر. * الحقيقة الأولى ان القادة المؤسسين هم أصحاب الرؤية والريادة وقصب السبق، وقد بلوروا مشروعا وُلد من رحم التحديات الأمنية، وقد أطّل المولودُ بقسمات رائعة وجاذبة وفرض وجودَه بقوة منذ أن شب عن الطوق وخرج إلى حيز الوجود. * الحقيقة الثانية: ان القادة الذين تعاقبوا على قيادة المسيرة حافظوا على استمرارية المشروع الخليجي ودفعوا مسيرة العمل المشترك إلى آفاق أرحب، رغم ظهور تحديات اقليمية ودولية، وحققوا انجازات وما زالت بصماتهم حاضرة على أرض الواقع. * الحقيقة الثالثة، أنه يحسب لقادة العمل الخليجي في المرحلة الحالية أنهم حافظوا على مُناخ العمل الجماعي رغم التحديات الكبيرة والعواصف الشديدة التي هبت، سواء فيما يتعلق بالعلاقات البينية، او في المنطقة أو العالم. وهنا أقول إن حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني قدم ويقدم رؤى فاعلة وحيوية تدعم مسيرة العمل الجماعي وتتسم بنبض الشباب وروح العصر بالتعاون مع اخوانه القادة في دول المجلس. وفي هذا الإطار، يسرني أن أحيي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، واعتز بأن سمو الأمير الوالد هو من اختارني مرشحا لدولة قطر لتولى منصب الأمين العام، وقد وجدت منه التوجيه وكل الدعم، وقد أدى دعمه وتعاون قادة دول المجلس وأسرة الامانة العامة وما احاطتني به شعوب المنطقة من محبة وتقدير الى تحقيق انجازات أراها ويراها كثيرون نوعية، في الفترة من العام 2002 الى 2011. أذكر في هذا الإطار أنني وجدت في مقر الامانة العامة في الرياض دعما مقدرا من الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، طيب الله ثراه، وقد رأى في وقت مبكر أهمية التوصل إلى اتحاد خليجي. أجدد التأكيد في هذا السياق أن السعودية كانت وستبقى مركز الثقل الخليجي ورمانة المسيرة، انطلاقا من دورها المحوري والفاعل والحيوي. * الحقيقة الرابعة، لقد احتضنت شعوب دولنا الست مسيرة العمل المشترك ورفدتها بتطلعاتها وأشواقها، وأشير هنا إلى الدور الحيوي للمفكرين والخبراء داخل مجلس التعاون وخارجه والمثقفين والاعلاميين من الجنسين، في وسائل الاعلام بدول المجلس وفي بعض الصحف العربية والدولية، وقد أثرت مسيرة العمل المشترك بأفكار واقتراحات قيّمة. * الحقيقة الخامسة أن مجلس التعاون قد حقق انجازات شملت مجالات عدة، وأذكر مثلا أن قادة المجلس حققوا بتعاونهم مع الأمانة العامة مشاريع مهمة، ليس هنا مجال سرد تفاصيلها، وتشمل تفاهمات سياسية وانجازات في مجالات اقتصادية وأمنية وعسكرية واجتماعية وثقافية وغيرها. لكني أرى رغم أن انجازات مجلس التعاون كثيرة الا ان سقف تطلعات الشعوب مرتفع، وخصوصا مع مرور سنوات عدة منذ تأسيس المجلس في العام 1981. * الحقيقة السادسة، أن المرأة الخليجية سجلت حضورا فاعلا خصوصا في فترة عملي في الامانة العامة، كما اثبتت المرأة الخليجية وجودا فاعلا ومشاركة حيوية في الدول الست التي دعمت دور المرأة في بناء المجتمع، تأكيدا لجدارتها وقدراتها في ميادين المشاركة المجتمعية وساحات العمل المختلفة، السياسية والاقتصادية والتعليمية، والاجتماعية وغيرها. * الحقيقة السابعة أظهرتها أوضاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الايرانية الحالية في المنطقة والحقيقة الساطعة في هذا السياق، أكدت مجددا أن قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تزيدهم التحديات تماسكا وتضامنا. وقد شهدنا كيف تراصت الصفوف رفضا للاعتداءات الايرانية على دول المجلس، كما شهدنا ولمسنا مواقف جماعية ترفض الحرب والاعتداءات الغاشمة وتدعو في الوقت نفسه للسلام والاستقرار في المنطقة والاحتكام الى منطق الحوار والتسوية السلمية للأزمة الراهنة. وهنا أيضا يتجلى الدور القطري، دور الوساطة، وهو دور موثوق به، وظهرت ثمار نجاحه بالأمس، في أماكن عدة في العالم وهو يواصل المسيرة الظافرة اليوم في المنطقة، وسينجح بعون الله وقوة وحكمة القيادة الرشيدة. * الحقيقة الثامنة، أن دول المجلس في مسيس الحاجة إلى مراجعة الخطى في سبيل الانتقال إلى مرحلة جديدة تستفيد من دروس الأمس واليوم. وأود أن أشير في هذا الإطار إلى الآراء القيمة والشفافة التي طرحها معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الأسبق في حديثه إلى قناة الجزيرة، إذ شدد على أهمية التعلم من الدروس، ودعا إلى «ناتو خليجي» وهذه دعوة تستحق أن توليها الدول الست اهتماما، خصوصا أن الأحداث أكدت أن ما نردده في دول المجلس بأن « أمن دول المجلس كل لا يتجزأ» يعكس حقيقة أكدتها الأحداث، مما يستوجب تعزيز التعاون الأمني والعسكري والارتقاء بمستوياته إلى آفاق أرحب. أرى في هذا الإطار، أهمية تطوير وتحديث النظام الاساسي لدول المجلس، والانتقال من مرحلة التعاون الحالية والتنسيق إلى بناء شراكات اوسع وأكبر وصولا إلى مرحلة الاتحاد. ولعل في تجربة الاتحاد الاوروبي الذي يحافظ على الحقوق السيادية للدول، يكمن الدليل على أهمية الاتحاد الخليجي خصوصا أن بين دول المجلس الست قواسم مشتركة كثيرة وهي تواجه تحديات أمنية متجددة تهدد استقرار وأمن المواطنين والمقيمين، والثروات والانجازات، ومستويات العيش الكريم التي تتمتع بها الشعوب. * الحقيقة التاسعة، لا أحد في المنطقة يستطيع تغيير حقائق التاريخ والجغرافيا، وأعني ضرورة الاحتكام إلى رؤى جديدة تتجاوز السرديات القديمة من أجل إعادة بناء مسار علاقات مستقرة ونافعة وايجابية مع اليمن والعراق وايران، تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. * أما الحقيقة العاشرة، أن دول مجلس التعاون كانت وستبقى محط أنظار دول العالم كافة وقد كشفت الحرب الحالية في المنطقة كيف تأثرت مصالح دول كبرى وصغرى حينما توقف تصدير النفط الخليجي والغاز القطري إلى دول العالم. هذا يعني أن أية جهة طامعة في خيرات اهل الخليج ستواصل نهج إثارة المشكلات في المنطقة واساليب الابتزاز، مما يتطلب وقفة جماعية لاحباط أية مؤامرة أو مخطط يستهدف استقرار دول مجلس التعاون، التي حققت قفزات تنموية نوعية في كل المجالات. أخلص إلى القول إن انطلاق مجلس التعاون هو دليل وعي قيادي مُبكر بأننا نعيش في زمن الكيانات القوية المتماسكة، وقد برهنت التجارب في المنطقة والعالم أن في الاتحاد قوة، وفي التشرذم ضعفا ومداخل للانقضاض على استقرار الشعوب وأمنها ومواردها. مجلس التعاون إنجاز كبير.. نعتز به، ويستحق المزيد من الدعم، في زمن التكتلات السياسية والاقتصادية والعسكرية في العالم.
306
| 25 مايو 2026
الأحداث الكبرى في حياة الشعوب تستوجب قراءة ما وراء الحدث، والوقوف على المعاني والدلالات، التي تؤشر إلى الحقائق والدروس المستفادة، وفي إطار هذه الرؤية يمكن تأمل مسار التحولات والتطورات الدستورية في دولة قطر. في هذا السياق أرى أن ما جرى من تفاعلات حيوية في الشارع القطري في أثناء وبعد التصويت الشعبي على التعديلات الدستورية لا يمكن اعتبارها حدثا عابرا يتناوله الناس وأجهزة الاعلام تناولا سريعا عابرا، ثم يطويه النسيان. ما جرى صنع تاريخا، يضع بصماته ونتائجه في الحاضر والمستقبل، وهو نتاج رؤية، وجاء في سياق تطورات إيجابية متسارعة شهدتها قطر بالأمس وتشهدها حاليا، ما يعني أهمية ربط الأحداث وقراءتها في سياقها التاريخي. من التاسع والعشرين من شهر أبريل سنة 2003 إلى الخامس من نوفمبر 2024 تبدو طبيعة القواسم المشتركة وتكاملية الأدوار القيادية الدستورية التي اتسمت بها مسيرة النهضة والتحديث في قطر. حاليا، هاهي الثمار تبدو جلية وواضحة للعيان في التفاعل الشعبي الباهر مع القيادة الحكيمة من خلال استجابة المواطنين اللافتة لدعوة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، للمشاركة الشعبية في الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 5 نوفمبر 2024. * نتيجة الاستفتاء جاءت لتعكس عددا من الحقائق، في صدارتها أن الشعب القطري الذي قال "نعم" للتعديلات الدستورية بنسبة تصويت بلغت 90.6 في المائة قد رسم بتفاعله المدهش مجددا خريطة تلاحم رائعة السمات بين القيادة والشعب. من أهم معاني "نعم" القطرية للتعديلات الدستورية أنها استفتاء شعبي داعم لتوجهات القيادة وسياساتها، وتفويض دستوري جديد لقائد المسيرة ليواصل بقوة وعزيمة وبمؤازرة شعبية طريق البناء الشامل، في إطار وحدة وطنية متماسكة البنيان. * في هذا السياق فإن دعوة سموه المواطنين للمشاركة في الاستفتاء تعني حرصه على المشاركة الشعبية في البناء الدستوري، وهنا لابد من الاشارة إلى أن سموه لم يقم بالموافقة على التعديلات بعيدا عن شعبه أو بقرار فوقي، بل دعا الشعب ليقول رأيه في هذا الشأن، رغم أن المادة 144 من الدستور الدائم تتيح له ولمجلس الشورى الموافقة على التعديلات. كانت هذه المادة تنص قبل التعديلات الدستورية على أن "لكل من الأمير ولثلث أعضاء مجلس الشورى حق طلب تعديل مادة أو أكثر من هذا الدستور، فإذا وافقت أغلبية أعضاء المجلس على التعديل من حيث المبدأ، ناقشه المجلس مادة مادة. ويشترط لإقرار التعديل موافقة ثلثي أعضاء المجلس. ولا يسري التعديل إلا بعد تصديق الأمير عليه ونشره في الجريدة الرسمية". * هذا يعني أن سمو الأمير سعى ويسعى دوما إلى تعزيز قيم المشاركة الشعبية، والعدالة، وترسيخ مرتكزات المواطنة المتساوية، ولعل مشاركة كل من يحمل جنسية قطرية في الاستفتاء قد عبرت عن هذه التوجه الوطني المهم، الذي يرسخ دعائم الوحدة الوطنية، بمشاركة الجميع رجالا ونساء، وبين هؤلاء الشباب من الجنسين، وهم عماد الحاضر وبناة المستقبل. وفي سياق تناولي لدلالات الاستفتاء في مرحلتين، فإن من المهم الربط بين ما جرى في عام 2003 وعام 2024 بشأن الموافقة الشعبية أولا على الدستور الدائم، ثم الموافقة الشعبية على التعديلات الدستورية. التاريخان يعكسان حدثين تاريخيين وأيضا حقائق مهمة، في صدارتها أن القيادة التي تستفتي الشعب في مسائل دستورية ترسل رسالة مهمة مضمونها أن الشعب هو صاحب الكلمة العليا للبت في قضاياه وأولوياته الكبرى، وخصوصا الدستورية. * في 2003 انطلقت مواكب القطريين للإدلاء بأصواتهم في أول استفتاء من نوعه على الدستور الدائم، إذ دعا صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الشعب للمشاركة في الاستفتاء فكانت النتيجة كما قال سموه آنذاك "موافقة الغالبية العظمى من المواطنين على هذا الدستور"، وقد شكل ذلك حدثا تاريخيا هو الأول من نوعه في تاريخ دولة قطر. نعيد للأذهان أن النهج الإصلاحي الشامل يشكل قاسما مشتركا بين سمو الأمير الشيخ تميم وسمو الأمير الوالد، وقد وجاء الدستور الدائم الذي أصدره الأمير الوالد في الثامن من يونيو 2004 كأول خطوة من نوعها في تاريخ قطر، بعدما تمت الموافقة عليه باستفتاء شعبي هو الأول من نوعه، ونص ضمن أبوابه الخمسة على أسس الحكم وكيفية تنظيم السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والحقوق والواجبات، ومن أهم مضامينه أنه شدد على (المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار) أي أن خطوة سمو الأمير الشيخ تميم بالدعوة للاستفتاء جاءت كخطوة عملية جديدة لترسيخ مبدأ المشاركة الشعبية ومرتكزاتها. * أشير في هذا الإطار إلى أن سمو الأمير الوالد كان قد خطا خطوة مهمة بإصداره قراراً في 13 يوليو 1999 بتشكيل لجنة لإعداد الدستور من (32) عضواً وضمّت مفكرين وأكاديميين وخبراء، وهذا أيضا يعكس البعد الشعبي في صناعة الحدث الدستوري. وأعيد للذاكرة أيضا ما شدد عليه سمو الأمير الوالد في خطابه التاريخي في عام ١٩٩٩ بمناسبة تشكيله لجنة إعداد الدستور، إذ قال "الدستور هو الوثيقة الأساسية التي يجب أن تتضمن المبادئ الجوهرية الموجهة لسياسة الدولة في مختلف المجالات، وتنظيم سلطاتها، ونظام الحكم فيها، وتحديد الحقوق والواجبات العامة". وكان البعد الخليجي والعربي والإسلامي بارزا في خطابه إذ أكد على ضرورة أن "يكون الدستور مبنيا على واقع الانتماء الخليجي والعربي والإسلامي". * في خضم هذه التفاعلات والتطورات التاريخية فإن من المهم التشديد مجددا على أن الشعب القطري تفاعل في مشاهد غير مسبوقة مع دعوة سمو الأمير الشيخ تميم بالمشاركة الفاعلة، إذ شارك بكثافة لافتة في الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي تهدف إلى العدالة والمساواة والحقوق المتساوية للقطريين. وبمقارنة نتيجتي الاستفتاء في عام 2003 وعام 2024 نجد أن نتيجة الموافقة في الحدثين تمت بموفقة الغالبية العظمى للشعب، فكانت في الاستفتاء الأول 96.6 بالمائة، وفي الحدث الحالي الثاني 90.6 بالمائة، والنسبتان تعبران عن تفاعل شعبي بمعدلات عالية، وكان الديوان الأميري وصف التفاعل الشعبي في استفتاء التعديلات الدستورية بأنه "تظاهرة الوحدة الوطنية". * التحية مستحقة لمن فتح آفاق المناخ الجديد، وأتاح للشعب فرصة صناعة حدث اليوم وهو سمو الشيخ تميم، والتحية المستحقة لسمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة الذي شكل لجنة وطنية من أهل الخبرة والكفاءة لوضع دستور دائم، ثم أصدر قرار صدور الدستور الدائم في الثامن من يونيو 2004، فانطلقت مسيرة دستورية أضفى عليها سمو الأمير تميم تجديدا وتحديثا بصوت الشعب وموقفه. هكذا تبدو كما أرى بعض أهم ملامح التطورات الدستورية على خريطة دولة قطر، إذ تكاملت وتتنامى الأدوار الدستورية من حمد إلى تميم حفظهما الله.
1008
| 18 نوفمبر 2024
درج قادة العالم على مخاطبة اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وبدا واضحا أن اهتمام شعوب العالم بتلك الخطب تنخفض معدلاته كل يوم، لأن ما يجري هناك على مدى سنوات لا يخاطب الشعوب وهمومها بلغة تقرن القول بالعمل، خصوصا أن خمس دول كبرى تهيمن على القرارات في مجلس الأمن وفي مصير دول تتطلع شعوبها إلى حياة الاستقرار والعيش الكريم. لكن هناك استثناءات في هذا الإطار، فقد برزت الشفافية التي خاطب بها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الدورة الـ 79 للجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ تحدث بصراحته المعهودة عن هموم العرب وقضاياهم العادلة في فلسطين ولبنان واليمن وسوريا والسودان وليبيا. شفافية سمو الأمير تكتسب أهمية إضافية اليوم في ضوء ما تعيشه المنطقة من أزمات طاحنة، أي في سياق مواقفه الرافضة قولا وعملا لمؤامرات أدت لتدفق شلال الدم بغزارة موجعة في مواقع عدة بالمنطقة العربية، مع ارتفاع معدلات المعاناة الإنسانية التي يدفع أثمانها الباهظة حاليا المواطن في عدد من الدول العربية. الأزمات الحالية أظهرت حاليا وأكثر من أي وقت مضى عددا من الحقائق، في صدارتها عجز النظام السياسي العربي وعدم قدرته على حماية إنسانه من آلة الحرب العدوانية البشعة، والصراع الدموي، سواء كان مصدر العدوان اسرائيل كما هو الحال في غزة والضفة الغربية ولبنان حاليا، أو نتاج صراع داخلي من أجل السيطرة على كراسي الحكم بقوة السلاح كما هو الحال في السودان واليمن وليبيا. عجز النظام السياسي العربي ليس وليد اليوم، أسبابه كثيرة، من بينها أنه انعكاس طبيعي لسنوات من الفشل في تحقيق تضامن عربي حقيقي يستند إلى نبض شعبي وإرادة سياسية تترجم هذا النبض في قرارات ومواقف ملموسة النتائج. واقع الحال يؤكد أن الفرقة سادت، تعثرت الجهود وتشتت، ساد التشرذم، وتحول التضامن العربي إلى مجرد شعار يتردد ويستخدم للاستهلاك السياسي ودغدغة المشاعر، بل صار الشعار البراق في بعض الأوقات أداة للتضليل. مناخ مأزوم من نتائج المناخ العربي المأزوم أن الدول العربية فشلت في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي، هذه نتيجة طبيعة لغياب الرؤية الجماعية التي تخاطب مصالح الجميع في عالم تحكمه لغة المصالح، ولا يحتكم إلى قيم العدالة ونبض الضمير. من مظاهر الأزمات في المنطقة أن الجامعة العربية وهي صوت للحكومات تدهورت مكانتها في نظر الشعوب؛ لأنها باتت عاجزة عن التعبير عن رؤاهم واحالة تطلعاتهم إلى واقع ملوس، هذا العجز هو نتاج التناقضات والخلافات الصارخة بشأن كيفيات الانتصار لقضايا الشعوب، وضرورات إصلاح الجامعة لتخدم تطلعاتهم. الفشل في ضبط إيقاعات العمل العربي المشترك بما يصون حقوق الناس وسيادة الدول بشكل جماعي ويحدد كيفيات متفق عليها تحقق المصالح المشتركة مع دول العالم قد ظهرت نتائجه في الاستهانة المستمرة والمتصاعدة بالعرب وحقوقهم المشتركة. ما جرى ويجري حاليا في فلسطين على سبيل المثال من عدوان اسرائيلي سافر ومستمر وإراقة لدماء المدنيين، وهدم للبيوت والمرافق العامة كالمستشفيات والمؤسسات التعليمية وحتى مخيمات اللاجئين يمثل مظهرا مؤذيا من مظاهر الاستهانة بالانسان العربي والنظام السياسي العربي بشكل عام اذا صحت التسمية، وهي استهانة خطيرة تستهدف ابادة الانسان، ويشمل ذلك الأطفال والنساء والشباب وكبار السن. الحرب الإسرائيلية البشعة في غزة ولبنان وضعت الحكومات العربية أمام مآزق جديدة تتنامى وتتسع يوميا، ويبدو أن هناك احساسا حكوميا عربيا متأخرا بخطورة المرحلة، ويعكس ذلك بعض التصريحات. الآن في خضم تلك التفاعلات والأحزان ها هي نيويورك تشهد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وعلى هامشها (قمة المستقبل)، ما يعني أن مواقف قادة العالم في هذا المحفل الدولي ستخضع لتقويم الشعوب وهي صاحبة المصلحة العليا في كل شيء. وضوح المواقف، مبدئيتها، ومخاطبة الشعوب المظلومة بلغة عصرية تحترم الحقوق الانسانية، مع اقتران الأقوال بالأفعال، هي من أهم المعايير التي تضفي المصداقية على أدوار القيادة - أي قيادة، في أي بلد. الشفافية القطرية بأبهى صورها في هذا الإطار أطلت الشفافية القطرية بأبهى صورها من خلال خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، اذ تناول - كعادته هموم إنسان فلسطين ولبنان واليمن وسوريا والسودان وليبيا، وفي الوقت نفسه تناول الأزمات العالمية كأزمة الحرب الروسية الأوكرانية. المراقب للشؤون القطرية سيلحظ أن سمو الأمير درج دوما على إعلان مواقف مبدئية واضحة بشأن القضايا العربية والدولية وفي الوقت نفسه يقرن ذلك بالتشديد على أن دولة قطر متمسكة بالتسوية السلمية عبر الحوار للنزاعات كافة. في موقف شديد الوضوح قال سمو الأمير (إن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة اليوم من عدوان سافر هو الأشد همجية وبشاعة والأكثر انتهاكا للقيم الإنسانية والمواثيق والأعراف الدولية، ليست هذه حربا بمفهوم الحرب المعروف والمتداول في العلاقات الدولية، بل هي جريمة إبادة بأحدث الأسلحة). توصيفه للأزمة اتسم بالوضوح إذ قال (جذور المشكلة هي الاحتلال «لكن شدد على أن (قضية فلسطين عصية على التهميش) وأن (الحرب الوحشية أطلقت رصاصة الرحمة على الشرعية الدولية) ووجه انتقادت قوية لـ «من يريد تهميش القضية الفلسطينية) وندد بـ (التقاعس الدولي المتعمد وغياب الإرادة السياسية). وفيما رأى (أن الدولة الفلسطينية المستقلة في مصلحة الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني) أكد أن (الوساطة والعمل الإنساني خيارنا السياسي الاستراتيجي) وقال (نحن نعارض العنف والتعرض للمدنيين الأبرياء من أي طرف كان ) وتعهد بأن تواصل دولة قطر هذا الدور (رغم محاولات العرقلة وما تتعرض له من افتراءات) وبهذا أرسل رسالة ساخنة لمن يهمه الأمر. أوقفوا العدوان وجاءت الرسالة المهمة والقوية والشفافة في قوله (أوقفوا العدوان على غزة.. أوقفوا الحرب على لبنان) وبشأن اليمن وسوريا والسودان وليبيا فشدد على دعم الاستقرار والسلام في هذه الدول. أرى أن احترام إرادة الشعوب يشكل بعدا مهما بين أبعاد أخرى تميز سياسة ومواقف دولة قطر، وهذه سمة إيجابية إذ إن نبض الشعوب هو مصدر قوة لأية قيادة في المنطقة أو العالم. هذا كله يعني ضرورة أن تحتضن القيادات العربية بنهج جماعي مدروس وزعماء العالم وخصوصا الدول الكبرى قضايا الشعوب العادلة وقضاياها المصيرية انطلاقا من أرضية سياسات جديدة، وعادلة تقترن فيها الأقوال بالأفعال، لتخرج أيضا من الأجواء الحالية المأزومة. هنا يكمن التحدي الأكبر بشأن كيفية تثبيت ركائز الأمن والاستقرار والسلام، وتعزيز المصالح المشتركة بين دول العالم كافة، خصوصا بعد (قمة المستقبل).
768
| 29 سبتمبر 2024
على مدى ساعة وربع الساعة شاهدت وتأملت مضامين فيلم «إلى أبناء الوطن»، وأول ما جذب وشدّ اهتمامي أن وقائع الفيلم اتسمت بالحيوية، وبدت زاخرةً بشهادات تاريخية حيوية، وفي الوقت نفسه فإن الأجواء التي أشاعها مناخ الفيلم فتحت ورسمت أوسع فرص التأمل، لاسترجاع شريط أحداث وتطورات وتحولات كبرى، خصوصاً لدى من عايشوا عن قرب تفاصيل المرحلة وتحدياتها وتابعوا مساراتها ولمسوا ثمارها اليانعة. الفيلم نجح في أن يروي ويوثق حقائق تاريخية مشرقة، هي من نبض قائد تصدى بجسارة ونهج تجديدي فصنع تاريخاً مجيداً يفخر به شعبه، كما فرض بإرادته وإنجازاته ومواقفه مكانة متميزة لوطنه وشعبه بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والعالمين العربي والإسلامي والعالم، وفي كل الأوساط التي تُدرك أهمية التحولات الإيجابية الكبرى في حياة الشعوب. السؤال الأهم في هذا السياق: من أين استمد ما حققه سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني هذا التوهج والبريق والجاذبية الباهرة؟. بالعودة الى اليوم الأول لتولي سموه مقاليد الحكم في 27 يونيو 1995، أعلن ما أصفه بفلسفته السياسية أو نهجه السياسي الذي يكمن في اعتماد الإصلاح الشامل طريقاً للتغيير. من أبرز الأدلة النوعية على هذا النهج الاصلاحي الشامل جاء الدستور الدائم الذي أصدره سموه في الثامن من يونيو 2004 كأول خطوة من نوعها في تاريخ قطر، بعدما تمت الموافقة عليه باستفتاء شعبي هو الأول من نوعه في 29 أبريل 2003، وقد نص ضمن أبوابه الخمسة على أسس الحكم وكيفية تنظيم السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والحقوق والواجبات، ومن أهم مضامينه أنه شدد على (المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار). ويعرف المتابعون للشأن القطري أن سموّه كان قد خطا خطوة مهمة بإصداره قراراً في 13 يوليو 1999 بتشكيل لجنة لإعداد الدستور من (32) عضواً وضمّت مفكرين وأكاديميين وخبراء، وهذا أيضاً يؤشر إلى نهج إيجابي تمثل في استثمار قدرات أهل الخبرة والمعرفة بالتجارب الدستورية لخير الوطن. استمرت مسيرة التحولات والإنجازات الكبرى وسطع نجم دولة قطر محلياً وخليجياً وعربياً واسلامياً ودولياً ثم جاء الموقف التاريخي غير المسبوق. وفي خطوة تاريخية ووطنية ويوم مشهود عزز سموه خطاه التي انطلقت من رؤيته الوطنية التجديدية الإصلاحية التي تؤمن بدور الشباب في التغيير، في خطاب تنازله وتسليمه مقاليد الحكم لحضرة صاحب السمو الأمير المفدى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في 25 يونيو 2013، حيث استهل سموّه خطابه مخاطبا شعبه بقوله (نحن نستعد لدخول عهد جديد في تاريخ وطننا، وقد أردت أن أخاطبكم أولاً إذ أنتم أصحاب هذه الأرض الطاهرة وحماتها وبناة نهضتها وصانعو مستقبلها). وبنبض المكاشفة والصدق قال (الله يعلم أنني ما أردت السلطة غاية في ذاتها ولا سعيت إليها من دوافع شخصية، بل هي مصلحة الوطن أملت علينا أن نعبر به إلى مرحلة جديدة. ولقد حان الوقت أن نفتح صفحة جديدة أخرى في مسيرة وطننا يتولى فيها جيل جديد المسؤولية بطاقاتهم المتوثبة وأفكارهم الخلاقة). وقال سمو الأمير الوالد في خطابه إن (شبابنا أثبت في السنوات الماضية أنهم أهل عزم وعزيمة يستوعبون روح عصرهم ويدركون ضروراته إدراكاً عميقاً ويواكبون كل جديد فيه، بل يساهمون بفكرهم الأصيل في التجديد والإبداع). كما قال سموّه (أنا على قناعة تامة أنه أهل للمسؤولية، جدير بالثقة، وقادر على حمل الأمانة وتأدية الرسالة، وإنني على يقين راسخ بأنكم ستكونون خير سند له كما كنتم معي، فما بين الحاكم وشعبه في وطننا من عهود الوفاء والمحبة والود عميق وأصيل عمق وأصالة تراثنا وتاريخنا المجيد، وإنني على يقين أيضا أن تميم سيضع مصلحة الوطن وخير أهله نصب عينيه وستكون سعادة الإنسان القطري غايته الأولى على الدوام). نبض التغيير والتحديث • هكذا تجلى نبض التغيير والتحديث والدعم الكبير للخُطى الواثقة نحو المستقبل حينما قال لشعبه (يا أبناء الوطن تنتقلون إلى عهد جديد ترفع الراية فيه قيادة شابة تضع طموحات الأجيال القادمة نصب عينها وتعمل دون كلل أو ملل من أجل تحقيقها مستعينة في ذلك بالله أولاً وبأبناء الوطن وبما اكتسبته من خبرة ودراية في الحكم وإدارة شؤون البلاد ومعرفة عميقة بالواقع في منطقتنا وعالمنا العربي بالذات). الوفاء لمن قدموا الجهد والعطاء سجل حضوراً وعكس نبض التقدير للشعب ومن آزروه في تنفيذ خطط التغيير، إذ توجه بالشكر الى ( أهل قطر الذين كانوا معي طوال المسيرة وساندوني وكانوا خير عون لي في الظروف الصعبة وساعدوني في مواجهة التحديات) وشكر وعبّر عن تقديره أيضا (لكل الذين عملوا معي من قرب حيث كانوا خير سند ومعين في الشدة وفي الرخاء، وأشكر كذلك قواتنا المسلحة وجيشنا الأبي على الدور المشرف الذي قام به أثناء قيادتي له، ولن أنسى ما حييت إخلاصكم جميعايا أبناء وطني). هذا الخطاب التاريخي مهم للتوثيق، ونحن محتاجون دوما لقراءته وتأمل دلالاته وأبعاده، وخصوصا الجيل الجديد. هذا يؤشر إلى أن عطاء الأمير الوالد نبع من رؤية عميقة الجذور وشكّل علامة فارقة في تاريخ قطر والمنطقة، واستمد أهميته وحيويته من أهدافه الكبرى وانجازاته المحسوسة والملموسة التي تجاوزت الشعارات الجوفاء التي نسمعها في مناطق عدة في العالم، وقد شكلت خريطة الفعل وبصمات الانجاز التي قرنت الأقوال بالأفعال ملحمة وطنية تستحق أن توثق كما فعلت بنجاح واقتدار وابداع مؤسسة الدوحة للأفلام التي أنتجت الفيلم. شهادات حيوية لعطاء مدهش • الفيلم تناول أوجه الانجاز الباهر لمسيرة الأمير الوالد، في مجالات شملت السياسة والدبلوماسية وانجازات النفط والغاز والاقتصاد والمال والإعلام والخدمات كالصحة والتعليم مثلاً، ومشاريع البنية التحتيّة، ويشمل ذلك المواقف المبدئية التي قرنت الأقوال بالأفعال خصوصاً قضايا المنطقة وفي صدارتها حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة. الفيلم تميز بالشهادات الحيوية للشخصيات التي تحدثت عن عطاء الأمير الوالد، وهم أبرز معاونيه ويعرفون قبل غيرهم كيف انطلقت مسيرة النجاح ولماذا أثمرت خيراً على أرض الواقع، أي أن المضمون يستمد أهميته من المعايشة والتفاعل اليومي. الأمير الوالد قدم عطاءً مدهشاً في مجالات عدة استناداً إلى رؤية ثاقبة وواضحة، وعزيمة وإرادة فولاذية لا تلين أو تنكسر، بيد أنّي أرى أن العنوان الأبرز الذي أضفى على المسيرة رونقها وبهاءها ونضارها وجاذبيتها وتميزها في المنطقة وصنع منها مثالاً يُحتذى به يكمن في نبض الإصلاح الذي كان المحرك الأول لمسيرة التحديث والتجديد في سبيل ارتياد آفاق العصر. من أدلة الاصلاح على سبيل المثال مشاركة المرأة الفاعلة ودورها الايجابي في بناء المجتمع، وقد برزت بصماتها بوضوح في الفيلم، وقد عبّرت صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر عن الدور الريادي الذي قاده سمو الأمير الوالد تعبيراً رائعاً من خلال مبادراتها واطلالاتها في ميادين المشاركة. ولعل أحدث دليل على حيوية دور المرأة أن الفيلم بإشراف سعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني، رئيس مجلس أمناء مؤسسة الدوحة للأفلام ومتاحف قطر، ومن إخراج روضة آل ثاني وأمل المفتاح. رؤية تتفاعل مع طموحات شعوب الخليج • وهنا يبرز سؤال عن دور سموه على الساحة الخليجية؟ تجربتي في مجلس التعاون لدول الخليج العربية من (6 أبريل 2002 إلى 31 مارس 2011)، أتاحت لي أوسع فرص الاطلاع على اسهامات سمو الأمير الوالد الخليجية من واقع المعايشة والتفاعل المباشر. فقد دعم سمو الأمير الوالد مجلس التعاون دعماً كبيراً، وكان يشدد ويدعو الى تطوير المجلس وإصلاح مساره ليحقق تطلعات شعوب المنطقة، وكان نهجه في القمم الخليجية ينطلق من دعوة مستمرة الى حوار خليجي – خليجي لتطوير مؤسسات مجلس التعاون. مواقف سمو الأمير الوالد خلال فترة عملي أميناً عاماً لمجلس التعاون، انطلقت من رؤية وصفتها في تاريخ سابق من خلال تصريحات نُشرت في صحف عدة بأنها تتفاعل مع طموحات شعوب المنطقة، وكانت رؤية سموه قد شكلت بعداً حيوياً لم يغفل نبض الشعوب التواقة للتغيير والتحديث، وكان سبّاقا بهذا الطرح الريادي المُواكب لروح العصر. أعيد للأذهان على سبيل المثال، وقائع الدورة الثالثة والعشرين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي عقدت في الدوحة برئاسة سموه في21- 22 ديسمبر 2002 وحضرت القمة اذ كنت أمينا عاما لمجلس التعاون. القمة شهدت تحقيق مكاسب مهمة، كان من أبرزها أن المجلس الأعلى بارك قيام الاتحاد الجمركي لدول المجلس اعتباراً من الأول من 2003 وكان تم إعلانه في قمة بمسقط، وقد اعتمدت قمة الدوحة ما اتفقت عليه لجنة التعاون المالي والاقتصادي من خطوات في هذا الشأن، وكان الهدف الأكبر أن تنساب حركة السلع بين دول المجلس وزيادة التجارة البينية وازالة المعوقات الجمركية، كما وجّه القادة باستكمال متطلبات السوق الخليجية المشتركة، والتي أعلن عن قيامها في الدوحة في 2007. كما شهدت قمة الدوحة أيضاً في دورتها الثالثة والعشرين انطلاق مشروع التطوير في مجال التعليم، مستلهمة مرئيات سموّه بوضع خطة مشتركة لتطوير التعليم وضرورة الارتقاء بنوعيه التعليم والتدريب، وتوجيه المؤسسات لتحسين مخرجاتها بما يكفل تعديل وتطوير مناهج التعليم لتواكب متطلبات المجتمع في العصر الحديث. خطوات عملية للتطوير • هذا معناه أن رؤية سموّه للتطوير والاصلاح والتغيير الشامل كانت متعددة الأبعاد، إذ بدأت أولاً على الصعيد المحلي بخطوات عملية، ثم انطلقت على الساحات الخليجية والعربية والإسلامية ثم إلى المجتمع الدولي، اذ كان من أبرز دعاة تطوير وإصلاح الأمم المتحدة لتنتصر لحقوق الشعوب المظلومة وفي صدارتها الشعب الفلسطيني المظلوم والمناضل في سبيل الحرية والكرامة. وفي إطار رأيي بشأن أبعاد رؤية سموّه الإصلاحية الشاملة، أذكر على سبيل المثال أيضا ما شدّد عليه لدى مخاطبته الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الديمقراطية والاصلاح في العالم العربي في الدوحة في عام 2004 إذ قال (لم يعد مقبولا أن يُتخذ الصراع مع إسرائيل أو انتظار السلام معها ذريعة تبرر التباطؤ في الإصلاح، ذلك قد طال وقد يطول أكثر، خاصة أن الغضب العربي لا تحركه القضية الفلسطينية بمفردها وانما له روافد داخلية عميقة تمس صميم الأداء السياسي والاقتصادي في المنطقة، ولم يعد مقبولاً أيضا التذرّع أمام العالم بالحرص على مصالحه في منطقتنا والقول بأن الاصلاح لو انطلق سوف يزعزع الأمن ويهدد الاستقرار فيها بعد أن اكتشف هذا العالم بنفسه في السنوات الأخيرة أن مخاطر عدم الاصلاح تفوق بكثير كل المخاطر التي قد تصاحب القيام به). ما أروعها من رؤية.. نبض سموه الإصلاحي سعى بخُطى عملية واثقة لمواكبة روح العصر، بتحولات داخلية شملت كل مجالات الحياة كما ذكرت وبينها بناء الانسان، وتطوير التعليم، وفتح أوسع فرص المشاركة أمام حواء القطرية، والتنقيب، والاستثمار لموارد قطر باطن الأرض وفوقها، وفتح جسور التواصل الحضاري، والعلاقات الدولية بسياسة خارجية اعتمدت نهج المبادرة، والوضوح، والشفافية، وتشجيع الحوار، والحلول السلمية للأزمات. هدية من الشعب لرائد التغيير • فيلم «إلى أبناء الوطن» الذي تناول هذه الاشراقات، هو هدية من الشعب لرائد التغيير وتوثيق تقدمه الدوحة للعالم، ولدارسي التاريخ القطري والخليجي والعربي وللباحثين في العالم. أخلص إلى القول إن ما تحقق لم يأت من فراغ، إنه نتاج شخصية قائد فذ يتمتع بأهم صفات القائد الناجح الهمام ومن أهمها أنه صاحب رؤية ثاقبة، وعقلية تضع نهج التخطيط في صدارة أولوياتها، وهو يتمتع بقدرة فائقة على اختيار من يعينه ويساعده على تنفيذ الخطط والمشاريع في كل المجالات، أي أنه يؤمن بفلسفة التفويض والمشاركة كي تتكامل الجهود. ما تحقق كان يحتاج الى قائد يتمتع أيضا بشخصية قوية، وبعلو الهمة، وقد أجمع عدد من الباحثين في العالم على أن هذه من أهم صفات القائد الهمام، وهكذا هو سمو الأمير الوالد. هذه الحروف أسجلها اليوم تحية لصانع الأمجاد، وللتاريخ، وتقديراً لمن أبدعـوا بإنتـاج فيلـم (إلـى أبنـاء الوطـن).
2118
| 19 مايو 2024
مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...
1467
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...
1317
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...
1116
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...
1086
| 21 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...
735
| 24 مايو 2026
أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...
726
| 20 مايو 2026
في الرابع عشر من مايو، انطلقت في أرض...
699
| 21 مايو 2026
أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...
642
| 20 مايو 2026
يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...
564
| 19 مايو 2026
ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله...
564
| 22 مايو 2026
في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة...
555
| 19 مايو 2026
منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية...
537
| 23 مايو 2026
مساحة إعلانية