رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ أن استلمت حركة النهضة السلطة في تونس، رفعت في وجه المعارضة الليبرالية واليسارية وتكوينات المجتمع المدني الحديث شرعية الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وأنها هي الحركة التي حازت على الشرعية الانتخابية بواسطة الديمقراطية التي عبدت لها الطريق للوصول إلى السلطة. وإذا كانت صناديق الاقتراع منحت حركة النهضة فوزاً كبيراً في الانتخابات، فإنه لا يجوز للإسلاميين أن يعتبروا الديمقراطية بأنها مجرّد صناديق الاقتراع فقط، وبالتالي يسمحون لأنفسهم التبجح بأنهم أصبحوا حائزين على الشرعية المطلقة أو الشرعية المقدسة، وينسون، بالطبع، شرعية الثورة على حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، التي أتاحت لهم السيطرة على مفاتيح السلطة، رغم أن دورهم في الثورة كان هامشياً، بل إنهم ركبوا موجات هذه الثورة.
وكان واضحاً منذ بداية الثورة على نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، أن هناك قوى ثلاثاً نجح تناغمها في إنهاء عهده: الحركة الشبابية، ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب اليسارية والقومية، والاتحاد العام التونسي للشغل، والجيش. وكان دور الجيش إيجابياً، في انحيازه للشعب رغم دعوات ابن علي إلى التدخل ضد ثورة الشعب، أما دور الإسلاميين، فاتسم بالانتهازية. والحال هذه، كانت الشرعية الثورية في معظمها من نصيب الحركة الشبابية التي لم تكن مؤطرة لا أيديولوجيا ولا سياسياً ولا تنظيمياً، لكن المشكلة كانت عدم التناسب بين قوة الحركة الشبابية الثورية وقوتها الانتخابية، لاسيَّما في ظل ضعف وتشتت أحزاب المعارضة الليبرالية واليسارية. ولكل هذا، فإن آخر من يحق له الحديث عن الشرعية والديمقراطية والانتخابات والصناديق هم إسلاميو حركة النهضة في تونس.
ولكن حتى بمقاييس موازين القوى بين مكونات الثورة، فإن الانتخابات التي جرت في 23 أكتوبر2011 التي شكلت أساس الشرعية لحركة النهضة الإسلامية، لاحقا، لم تفز فيها النهضة في وجه معارضيها سوى بنحو 20في المائة، حيث إن 80 في المائة من الشعب التونسي ليسوا مع النهضة، من هنا فإن الحديث عن الشرعية الانتخابية لحركة النهضة في وجه المعارضة الليبرالية واليسارية، وحركة الشبيبة الثورية، والاتحاد العام التونسي للشغل، ومنظمات المجتمع المدني، يفقد الكثير من شرعيته.
بالتالي، فإن ما يحدّد الديمقراطية لا يقتصر على صناديق الاقتراع، أو الشرعية الانتخابية فقط، كما تروج لذلك حركة النهضة الإسلامية، بل إنه يقوم بالدرجة الرئيسية على احترام المشاريع والتطلعات الفردية والجماعية التي تقرن بين التأكيد على الحرية الشخصية وبين الحق بالتماهي مع الشعب التونسي، من أجل تحقيق أهداف ثورته: بناء الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ونصرة القضايا العربية، وفي مقدمتها تحرير الأرض العربية السليبة في فلسطين.
لقد كان من الواضح في ذهن الإسلاميين الذين ينتمون لحركة النهضة، أنهم يستغلون لحظة تاريخية لن تتكرر، ليس لإرساء نظام ديمقراطي جديد في تونس باعتباره مطلباً ثورياً، وإنما لبناء دولة إسلامية بالتدرج، بعد أن تكون حركة النهضة قد «تمكنت » من السيطرة على مفاصل الدولة، وضرب القضاء، والإعلام، والصحافة، والاتحاد العام التونسي للشغل، والمنظمات النسائية الديمقراطية، لتعود بعدها إلى تصفية الحساب مع الجيش.
بيد أن قبول حركة النهضة الإسلامية لنتائج الانتخابات التي فازت فيها، قد لا يتعدى فهمها الشكلي للديمقراطية بوصفها صناديق الاقتراع، ولم تع جيدّاً أن النظام الديمقراطي الجديد الذي تسعى الثورة التونسية إلى إرسائه هو كل متكامل، وصناديق الاقتراع واحدة من هذا الكل، لكن النظام الديمقراطي الذي يصبو إليه الشعب التونسي هو صيغة الحياة السياسية القائمة على الثقافة الديمقراطية، التي تزود العدد الأكبر من المواطنين بأكبر قسط من الحرّية، وهو الصيغة التي تحمي أوسع تنوع ممكن وتعترف به.
لقد واجهت الديمقراطية الناشئة في تونس، تهديداً أولا من قبل سلطة حركة النهضة التي استخدمت نتائج صناديق الاقتراع لفرض إطاحتها بكل الانتماءات المجتمعية والثقافية، قاضية بذلك على الثقافة الديمقراطية التي تحترم الحريات العامة، والشخصية، والتنوع المجتمعي، قاضية بذلك على كل رديف أو عديل لسلطة الإسلاميين. وأصيبت الديمقراطية الناشئة بالانحطاط من خلال ممارسة الإسلاميين الانحراف الديمقراطي الذي يُعرِّفُ بالاستبداد المنتخب أو الانتخابي، عبر اعتقادهم بأنهم يمتلكون الشرعية الانتخابية، وأنهم يشكلون الغالبية المطلقة، وعلى أنهم يمثلون كل «الشعب»، وهم يحكمون باسمه، ويعتبرون المعارضة الليبرالية واليسارية، وتكوينات المجتمع المدني الحديث، والنقابات العمالية، أعداء وهامشيين من غير المواطنين، وأنهم منساقون وراء أفكار أجنبية أو رعاة للغرب. ثم هاجم الإسلاميون الديمقراطية الناشئة على جبهة ثالثة، من قبل نزعة ثقافية أصولية إقصائية تدفع إلى عدم احترام الأقليات السياسية إلى حدّ إلغاء فكرة الأكثرية ذاتها، وإلى حدّ الاختزال لفكرة الديمقراطية إلى شكلية صناديق الاقتراع، والعمل على تعزيز نشأة السلطة الإسلامية البديلة، وصوغ دستور يناسب أو بالأحرى على مقاس حركة النهضة الإسلامية.
ولو كانت حركة النهضة الإسلامية راغبة فعلاً في إقامة نظام ديمقراطي ينقلها من مرحلة حركة نزلاء السجون إلى الحركة الشريك في السلطة، أو في المعارضة، كان عليها أن تتبنى برنامج الحد الأدنى للقاء القوى الليبرالية، والثورية، والنقابات العمالية، لتجسيد القطيعة المنهجية مع العنف السياسي، وحل ميلشيات «رابطات الثورة »، والكشف عن الجهة التي اتخذت قرار اغتيال الشهيد شكري بلعيد، والتوجه الصادق نحو صوغ دستور ديمقراطي توافقي، والعمل على إرساء نظام ديمقراطي جديد، ولا يشمل ذلك إطلاقاً أن تكون الجمعية التأسيسية وكراً للإسلاميين، لإعادة إنتاج نظام ديكتاتوري جديد في ثوب إسلامي، وبالتالي تنفيذ مخططاتهم المعادية لتطلعات الشعب التونسي في الحرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية.
هذه التوجهات غير الصادقة من جانب الإسلاميين، وغير المؤمنة بالثقافة الديمقراطية في أبعادها المختلفة، التي تؤكد على الإيمان بالتعددية، والتداول السلمي للسلطة، واحترام الرأي والرأي الآخر المعارض، وتبني وجهات نظر الآخرين، والاستعداد لتقبل الحلول الوسط والتوفيقية، هي التي أوجدت جوّاً من عدم الثقة والشك المتبادل بين حركة النهضة الإسلامية الحاكمة، وأحزاب المعارضة الليبرالية واليسارية والقومية، الأمر الذي يجعل نتائج عملية التحول الديمقراطي في تونس، محلّ صراع، وعدم قبول من جانب المعارضة ومكونات المجتمع المدني.
يستعير إسلاميو حركة النهضة من الديمقراطيات الغربية الراسخة تقديسها للانتخابات، مثلما يستعيرون حزمها مع أي قوة تريد قلب الأوضاع من خارج «اللعبة الديمقراطية». لكنهم يتجاهلون أمرين: المسار التاريخي الذي أدّى إلى هذا «التقديس» للعملية الانتخابية، والقواسم المشتركة للقوى السياسية التي تتداول السلطة فيما بينها، منذ أن استقرت هذه الديمقراطيات. لكن الإسلاميين لم يعوا جيداّ، أنه كل ما لجأوا إلى بناء الدولة الإسلامية وتنكروا لبناء الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، كلما أدّى هذا اللجوء باسم أيديولوجيا إسلامية ما إلى تعزيز سلطة حركة النهضة، وبالتالي كل ما أدّى إلى القضاء على استقلالية النظام الديمقراطي الوليد وإلى فرض علاقة مباشرة بين سلطة حركة النهضة وأيديولوجيتها الإسلامية الإخوانية، وعلى الأخص على فرض العلاقة بين الدولة التونسية والدين، كل هذا يقضي على الديمقراطية الناشئة.
والأمر الذي لا يقبل الجدل هو أنه لا يجوز إطلاق صفة الديمقراطية على حركة النهضة الإسلامية لمجرّد أنها وصلت إلى السلطة بوساطة صناديق الاقتراع، لأنها حوّلت الشرعية الانتخابية إلى قناع لفرض ديكتاتورية دينية جديدة في تونس، مثلما لا يجوز إطلاق صفة الديمقراطية على ستالين "باني النظام التوتاليتاري" لمجرّد أنه كان « ثورياً»، أو على هتلر"باني النظام النازي" لمجرّد أنه فاز في الانتخابات عام 1933.
لذلك قبل أن تستقر في تونس الديمقراطية الراسخة، التي تشتمل على قواعد التداول السلمي للسلطة، والفصل الحقيقي بين السلطات، ينبغي أن تظهر المساحة المشتركة بين الإسلاميين من حركة النهضة وباقي أطراف المعارضة الليبرالية واليسارية والقومية، لجهة الإيمان الحقيقي بصوغ دستور ديمقراطي جديد يليق بالثورة التونسية، والتوجه الحقيقي نحو باء دولة مدنية ديمقراطية تعددية، تلك هي المساحة المشتركة التي يمكن اعتبارها الشرعية الحقيقية للنظام الديمقراطي الجديد الناشئ.
وعلى هذا الصعيد، لا يَنْفَع «لإخوان » تونس من حركة النهضة، نَعْتَ المعارضة التونسية بأنها مجرّد قوى متشرذمة وضعيفة تنظيمياً. فهي تمتلك قوة جماهيرية، ونخبوية، غير منظمة، بل إنها تمتلك الشرعية الشعبية، هذا ما أكدته جنازة الشهيد شكري بلعيد. وهذا ما يفسر الاضطراب الذي تلاقيه محاولات النهضة لفرض حكم إسلامي على تونس.
أمام حركة النهضة الإسلامية في تونس، اليوم، خياران مكلفان: إما التوجه نحو فرض شرعية إسلامية جديدة على الطريقة الإيرانية، وهذا من باب المحال في واقع تونس، وإما القبول بإقامة دولة مدنية ديمقراطية تعددية، تجعل خصومهم يقبلون بالاحتكام لصناديق الاقتراع.
من التجارب عبر ودروس
اعتدنا في كثير من الأحيان عدم التعلم من التجارب السابقة ومن أحداث سابقة كثيرة مشابهة لما يحدث اليوم... اقرأ المزيد
90
| 09 مارس 2026
الوفاء لدولة قطر ليس واجباً فقط.. بل شرف
كوني عراقيا مقيما على هذه الأرض الطيبة الكريمة المحمية بالله تعالى، اسطر هذه المشاعر النابعة من القلب أوجهها... اقرأ المزيد
138
| 09 مارس 2026
الأبعاد النفسية للحروب
للأسف، لا تُعد الحروب في منطقتنا أحداثًا استثنائية أو نادرة، فقد اندلعت الحرب في السودان بشكل مفاجئ، وأثّرت... اقرأ المزيد
93
| 09 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
2436
| 04 مارس 2026
-الفخر بقيادتنا الحكيمة.. والشكر لحكومتنا الرشيدة - دفاعاتنا الجوية نجحت في إسقاط صواريخ العدوان ومسيرات إيران - الاستهداف الصاروخي الإيراني أدى لترويع المدنيين وإزعاج الآمنين - إيران فقدت الضوابط الأخلاقية التي تحكم علاقاتها الخليجية! - تخطئ إيران كثيراً عندما تخلط الحابل بالنابل وتستهدف دول المنطقة - الدوحة عملت بلا كلل أو ملل لإخراج إيران من أزماتها الخارجية - إيران خسرت تعاطف الرأي العام الخليجي لجارة تتعرض لعدوان صهيو أمريكي بداية.. أوجه تحية مطرزة بالفخر، إلى قيادتنا الحكيمة، وتحية أخرى، مغلفة بالشكر، لحكومتنا الرشيدة، على إدارتهم الناجحة، لملف الأحداث الدراماتيكية، التي تشهدها المنطقة. وحرصهم على امتلاك قطر، كافة القدرات الدفاعية، وتوفير كامل الإمكانيات التكنولوجية، وجميع المتطلبات اللوجستية، لحماية أمن الوطن والمواطن والمقيم، والتصدي الناجح لأي تهديد خارجي. والتحية موصولة، بسرعة «فرط صوتية»، إلى قيادات وزارة الدفاع، وضباطها ومنسوبيها، لنجاحهم في صد الهجمات الصاروخية الإيرانية، التي استهدفت بلادنا، وحسن تعاملهم الفوري، مع التحديات الأمنية، وإسقاطهم صواريخ العدوان، واصطياد مسيرات إيران، قبل وصولها إلى أهدافها. ولا بد من التأكيد، وإعادة التأكيد، على الحقيقة المؤكدة، بشكل أكيد، أن نجاح القوات المسلحة، في التصدي للصواريخ الإيرانية، هو نتيجة يقظة قطرية مستمرة، وعمل استباقي لا يتوقف، بعدما وضعتنا الجغرافيا، في جوار إقليمي مستهدف. ووسط هذه البيئة الحاضنة للتوتر، التي تعاني من التصعيد، يصبح الحفاظ على الأمن الوطني، هو العمود الفقري، لأي استقرار سياسي، وأي نجاح اقتصادي، وازدهار اجتماعي. والحمد لله، أن دولتنا باتت تملك واحدة، من أفضل منظومات الدفاع الجوي في العالم، وتتوفر لديها آخر ما توصلت إليه التكنولوجيات الدفاعية، والمستجدات العالمية، في هذا الشأن، وأثبتت الأحداث التي نعيشها، جودتها وحسن فعاليتها، وقدرتها على صد العدوان. وما من شك في أن الدعم اللامحدود، الذي يوليه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، لتطوير القوات المسلحة، جعلها تمتلك قوة ردع متطورة، قادرة على حماية الأجواء، وصيانة الأرجاء، والتدخل السريع، للتصدي لأي تهديد خارجي محتمل، أو عدوان منفعل، أو إشكال مفتعل. ولعل الأحداث الأخيرة، التي نعيشها، والتطورات التي نشهدها، أكدت للقاصي والداني و«الدنيء»، صحة هذه الحقيقة، بعد نجاح دفاعاتنا الجوية، في التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية، بالإضافة إلى التعامل الناجح مع الشظايا والمخلفات الصاروخية. ويعد نجاح عمليات الاعتراض الدفاعي الفوري، أمراً يدعو للفخر، بقدرات قواتنا المسلحة المتطورة، التي أصبحت تعتمد في عملياتنا الدفاعية، على هيكل تكنولوجي معقد، ونظام متعدد، يتكون من نطاقات مختلفة، وطاقات متنوعة، تشمل الدفاع الصاروخي الجوي والأرضي والبحري، وكلها تغطي الأراضي القطرية، وتحمي مياهنا الإقليمية، وتدافع عن أجوائنا بفاعلية. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يشمل الرادارات المتطورة، وأجهزة الإنذار المبتكرة، ذات الإشعارات، وصاحبة الإشارات المبكرة التي ترصد النشاطات الجوية المعادية، من مسافات بعيدة، خارج الأجواء القطرية، مثل «زرقاء اليمامة»، التي اشتهرت بامتلاكها جودة النظر، وحدة البصر. وفي داخل قطر، تستحق وزارة الداخلية، وضباطها وكوادرها، أن أوجه لهم التحية باعتبارهم «العيون الساهرة»، على أمن الوطن، وسلامة المواطن، وكل من يقيم ويسكن ويعيش آمناً في قطر. ولا شك في أن السياسات الأمنية الناجحة، التي تنتهجها وزارة الداخلية، والعمل البارز، الذي يقوم به رجالها، له دور مهم، في التصدي لمختلف التهديدات، ومواجهة جميع التحديات. ولا أنسى البيانات التوضيحية، التي تنشرها في هذه الظروف الطارئة، ولا أقول القاهرة، وحرصها على التنبيه، بأهمية رفع مستوى اليقظة الوطنية، في مختلف الأوساط المجتمعية. والتأكيد، على أهمية أن يتحول كل مواطن، إلى حارس للوطن، وهو في بيته، من خلال التزامه بالتعليمات والتوجيهات، الصادرة من الجهات المختصة، التي تساهم في تشكيل وتفعيل اليقظة الوطنية. وفي إطار هذه اليقظة المجتمعية، لا ينبغي الاعتماد على الأجهزة المعنية وحدها، رغم دورها المحوري في حفظ الأمن. ولكن، المناعة الحقيقية، والمنظومة الدفاعية، تنبع من داخل المجتمع الواعي، الذي يدرك، أنه شريك فاعل ومتفاعل، في الدفاع عن وطنه، حتى وهو في بيته. وفي سياق ذلك، يتحقق الأمن الكامل، والنظام الشامل، عبر الوعي الوطني، الذي نكون خلاله حراساً للوطن، بقلوبنا وعقولنا، وعيوننا ووعينا، وفهمنا وحسنا، لما يجري حولنا، بعد استهداف دولتنا، بالصواريخ والمسيرات الإيرانية. وهنا تبرز نقطة محورية، يجب النظر إليها والوقوف عندها طويلا، وهي مدى مشاعر الاحترام الكبير لدور قطر في المجتمع الدولي، وجهودها الاستثنائية لإشاعة أجواء الأمن والاستقرار، منذ أن اتخذت مبدأ حل النزاعات بالوسائل السلمية والدبلوماسية الوقائية، والمساعي الحميدة بين جميع الدول، بعيدا عن الأثنيات أو القوميات أو الديانات، كأولوية في سياستها الخارجية، وهو التزام دستوري لدولة قطر، جعل من فض المنازعات بالطرق السلمية ركنا أساسيا من أركان سياستها الخارجية، وخير دليل على ذلك اتصالات قادة وزعماء العالم المستمرة بحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وإدانتهم العدوان الإيراني الغاشم. وما من شك في أن الاستهداف الصاروخي الإيراني، الذي شمل عواصم وحواضر مجلس التعاون، يعد انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية، وتجاوزاً على القانون الدولي، وعدواناً سافراً على ميثاق الأمم المتحدة. وهو يدخل في سياق السياسة الحمقاء، والدبلوماسية الخرقاء، التي باتت إيران تتعامل بها مع جيرانها. والمؤسف أن الاعتداءات الصاروخية الإيرانية المتواصلة، أدت إلى ترويع المدنيين، وإزعاج الآمنين، والإضرار بمشاعر الساكنين. وبهذه الأفعال، أقولها بلا انفعال، إن إيران خسرت كثيراً من مكانتها في دول الخليج العربية. وخسرت الكثير من الثقة المتآكلة في نظامها السياسي. وخسرت الكثير من التعاطف الخليجي معها. وخسرت الرغبة، في مساعدتها لتسوية أزماتها الداخلية والخارجية، وما أكثرها. وخسرت تحسين علاقاتها مع جيرانها. وتخطئ إيران كثيراً، عندما تخلط الحابل بالنابل، وتستهدف دول المنطقة، بصواريخها وطائراتها المسيرة. وهي بذلك، تخسر تعاطف الرأي العام الخليجي، بحكم أنها جارة، تتعرض لعدوان «صهيوأمريكي». لكن اعتداءاتها على جوارها الإقليمي، تؤكد أنها تريد إشعال المنطقة، وإشغال سكانها، بمشاكلها مع الولايات المتحدة. وبهذه الأعمال العدائية الإيرانية، تثبت إيران أنها جارة جائرة، لا تستحق الثقة. ولا يمكن أن تكون شريكاً موثوقاً، في منظومة الأمن الإقليمي، أو التعاون السياسي، حاضراً ومستقبلاً. وأستطيع القول، إن إيران، خسرت علاقاتها مع دول وشعوب الخليج العربي الذين كانوا يتعاطفون معها، ويحاولون التوصل إلى تسوية سلمية لمشاكلها مع الإدارة الأمريكية، وأزماتها المزمنة مع الولايات المتحدة. ومن الواضح، أن الجمهورية الإيرانية، دخلت مرحلة اللاوعي، وفقدت الضوابط الأخلاقية والسياسية، التي تحكم علاقاتها مع دول الخليج العربي، وأصبحت تتصرف بلا توازن سياسي، وبلا اتزان قانوني، وكأن من يحكمها الآن، عصابة خارجة على القانون وخصوصاً بعد قيامها باستهداف سلطنة عُمان بصواريخها ومسيراتها، وضرب ميناء «الدقم»، التابع للسلطنة. وهي الدولة المسالمة، التي كانت تتوسط لها، وتسعى لإيجاد الحلول السياسية، لبرنامجها النووي، والوصول إلى تسوية سلمية، لمشكلتها الكبرى مع الإدارة الأمريكية. وبطبيعة الحال، وفي جميع الأحوال، لا يوجد أي تفسير، لقيام إيران باستهداف ميناء «الدقم» العُماني، المخصص للنشاط التجاري وليس العسكري، وضرب الميناء بطائرتين مسيرتين، استهدفت إحداهما سكن عمال متنقلا! بالإضافة، إلى هجومها غير المبرر، على ناقلة النفط «سكاي لايت»، شمال ميناء «خصب»، بمحافظة «مسندم» العُمانية. ولا يمكن لأي مراقب محايد، تبرير استهدافها إحدى صالات المطار في الكويت. ولا يستطيع أي متابع تمرير، استهدافها أحد المباني السكنية في البحرين. أو استهداف، أحد الفنادق في دبي. ووسط هذا التدوير العدواني، والتدمير الإيراني، لا يمكن السكوت، أو السكون، على أفعال طهران العدائية، وأعمالها العدوانية، ضد العواصم العربية والحواضر والمدن الخليجية، وخصوصاً الدول التي سعت بكل جهدها، لإيجاد تسوية عادلة للملف النووي الإيراني، يحفظ كرامة الجمهورية الإسلامية. وحسناً فعلت وزارة الخارجية، عندما استدعت السفير الإيراني، وأبلغته برسالة قطرية حازمة، ذات مفردات حاسمة، وعبارات واضحة، عبرت خلالها عن احتجاجها الشديد، واستيائها البالغ، ورفضها القاطع، واستنكارها الواسع، لاستهداف أجواء وأراضي قطر، بالصواريخ والمسيرات الإيرانية. وإدانتها، لهذا الفعل العدواني، الذي يشكل انتهاكاً سافراً لسيادة قطر، وتعدياً على حدودها، وتهديداً لأمنها، وترويعاً لأهلها، ورعبا لسكانها، وخرقاً صارخاً للقانون الدولي. وتم خلال الاستدعاء، ولا أقول الاستعداء، التأكيد، بأن هذا العدوان، يعد تصرفاً طائشاً، يتنافى تماماً مع مبدأ حسن الجوار، والعلاقات الودية، بين البلدين. لا سيما أن الدوحة، عملت بلا كلل أو ملل، أو وجل، أو عجل، لدعم الحلول الدبلوماسية، لإخراج إيران من أزماتها الخارجية. وسعت جدياً، لخفض التصعيد جذرياً، وتصرفت بمسؤولية أخلاقية، للحفاظ على المصالح الإيرانية. وبذلت المساعي الدبلوماسية الحثيثة، والجهود السياسية الصادقة، لخفض منسوب التصعيد في المنطقة. ثم فوجئت، مثل غيرها من عواصم الخليج، بأن إيران، تستهدفها بصواريخها ومسيراتها. وهذا يثبت تصرفها الطائش ضد دول مجلس التعاون، الذي لا يغيض صناعة، ولا يقل جودة، ولا ينقص كفاءة عن منسوجاتها وأعمالها المعدنية، وحياكة خيوط سجاداتها الفارسية !
1089
| 02 مارس 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر ما هو محرج. الجدة تجلس بفرحة تنتظر أحفادها. يدخل الطفل، بملامحه الخليجية السمراء وعينيه الواسعتين. تسأله الجدة بلهفة وحنان: "شلونك يا وليدي؟ بشرني عن دراستك؟". ينظر الطفل إليها بجمود، ثم يلتفت لأمه سائلاً بلسان أعوج: "Mom, what is she saying?". فتتدخل الأم، وهي تضحك بخجل لتغطي الموقف، لتقوم بدور "المترجم" بين حفيد وجدته، وكأننا في اجتماع للأمم المتحدة، لا في صالة منزل خليجي! دعونا نضع هذا المشهد تحت مجهر "الثقافة والهوية" لنفهم أين الخلل. هل الخلل في أن الطفل يتقن الإنجليزية؟ قطعاً لا. فإتقان اللغات الأجنبية هو من أقوى أدوات "الثقافة المعاصرة"، وهو سلاح ضروري لتأمين مستقبله الوظيفي والعلمي في سوق عمل عالمي. وسعي الآباء لإدخال أبنائهم مدارس دولية هو سعي محمود لـ "جودة التعليم". إذن، أين الكارثة؟ الكارثة ليست في "كسب" لغة جديدة (وهذا تطور)، بل في "خسارة" اللغة الأم (وهذا طمس للهوية). نحن لا نربي جيلاً "عالمياً" كما نوهم أنفسنا، بل نربي "أجانب" بملامح خليجية، لأننا سمحنا لـ "الأداة" (الإنجليزية) أن تأكل "الأصل" (العربية).. اللغة ليست مجرد كلمات تترجم. اللغة هي "وعاء القيم". عندما يفقد طفلك اللغة العربية، هو لا يفقد "المفردات" فقط، بل يفقد "الشفرة الهوياتية" التي تربطه بمجتمعه وبدينه. كيف ستشرح له معنى "السنع" بالإنجليزية؟ كيف سيفهم معنى "المروءة"، و"الحشمة"، و"الفزعة"، و"صلة الرحم"؟ هذه مفاهيم ليس لها مرادف حقيقي في قواميس الغرب، لأنها نبتت من أرضنا وديننا. عندما يقول "Hi" بدلاً من "السلام عليكم"، هو لا يغير كلمة بكلمة، بل يستبدل "دعاءً بالسلام والرحمة" (قيمة) بـ "تحية عابرة" (عادة). الطفل الذي يكبر ولسانه "مكسّر"، ينشأ وفي داخله "كسر" في الهوية. يشعر بالغربة في مجالس الرجال لأنه لا يفهم نكاتهم ولا أمثالهم. يشعر بالملل عند سماع القرآن لأنه لا يتذوق بلاغته. يتحول تدريجياً إلى "سائح" في بلده؛ شكله منا، لكن عقله وروحه معلقة بثقافة أخرى. المعادلة الذهبية: لسانان لوظيفتين نحن لا ندعو - حاشا لله- للانغلاق. الإنجليزية اليوم هي "لغة العلم والعمل" (ثقافة)، ومن الضروري إتقانها كـ "مهارة" (Skill). ولكن العربية هي "لغة الوجود والانتماء" (هوية)، ومن الواجب الحفاظ عليها كـ "روح" (Soul). الخطر هو أن تتحول الإنجليزية من "لغة عمل" إلى "لغة أم" داخل البيت. أيها الآباء والأمهات.. "المدارس" ستعلمهم الإنجليزية والعلوم، هذه مهمتها (الثقافية)... لكن "العربية" و"الدين" و"السنع" هي مهمتكم أنتم، وهي مسؤوليتكم الحصرية التي لا تقبل التفويض (الهوياتية).. لا تقطعوا "الحبل السري" الذي يربط أطفالكم بتاريخهم. تحدثوا معهم بالعربية في البيت. اقرأوا لهم قصص الأنبياء. اجعلوهم يحفظون الشعر. لا تجعلوا طفلكم يحتاج إلى "مترجم" ليفهم دعوات جدته له، فتلك الدعوات هي أغلى ما سيحمله معه في رحلة الحياة. فاللغات يمكن تعلمها في أي عمر كـ "مهارة"، لكن "الانتماء" إذا كُسر في الصغر.. لا يجبره شيء في الكبر......
1053
| 04 مارس 2026