رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لايوجد عنصرٌ أثَّرَ سَلباً، ويؤثرُ، في تعامل النظام العربي مع المشروع الإيراني للهيمنة على المنطقة أكثر من التأخير في اتخاذ المواقف الفاعلة، خاصةً في اللحظات المفصلية الحساسة.
كثيرةٌ هي الأمثلة السلبية على الحقيقة المذكورة، لكن المثال الإيجابي الواضح، بالمقابل، يكمنُ في انطلاق (عاصفة الحزم) في الوقت المناسب قبل حصول مالا يُحمدُ عقباه. كانت السعودية تُدرك أن قيادة العملية المذكورة في اليمن لن تكون نزهةً سريعة، فهذا ليس من طبيعة مثل هذه القضايا الكبرى. من هنا، يُصبح الحديثُ عن أعباء العملية حتى الآن سخيفاً وأقربَ لتنظير من يملك ترفَ التنظير. والمؤكد أنﱠ أصحابهُ إما أنهم لايُدركون ما كان يمكن أن يجري لو لم تنطلق العاصفة في وقتها، أو أنهم يُدركون، لكنهم يمارسون فوق التنظير عمليات (الاستغباء) و(التذاكي).
ما من شكٍ أن اتفاق إيران الأخير مع الغرب عاملٌ مؤثر في رسم ملامح المنطقة وسياساتها في المراحل القادمة، لكنه ليس (نهاية العالم) بالنسبة للعرب كما يحاول البعض أن يوحوا، صادقين كانوا في (عويلهم) أو مُغرضين..
والمؤكدُ أن التعامل مع الاتفاق وتداعياته يحتاج إلى رؤيةٍ سياسية متطورة ومتعددة المسارات على المَديين المتوسط والبعيد، بمعنى ألا ينطلق أيﱡ فعلٍ سياسي من التشنج وردود الأفعال. ففي جميع الأحوال، لن تحصل إيران على الأوراق التي ربحتها نتيجة الاتفاق ما بين ليلةٍ وضُحاها. وهناك الكثير من الملابسات الدبلوماسية والسياسية والتشريعية التي يجب إنجازُها داخل إيران وداخل أمريكا وما بينهما.
وهي ملابساتٌ يستطيع النظام العربي أن يستهدفها باختراقات مدروسة بشكلٍ مباشر وغير مباشر.. خاصةً بعد أن اتضحت بشكلٍ كامل تفاصيل الاتفاق، وأصبح بالإمكان معرفةُ (المفاصل الرخوة) فيه، وبالتالي مداخل الاختراقات المذكورة..
لا توجد اتفاقاتٌ في هذا العالم تُنحتُ في الصخر، وكما كان ديغول يقول دائماً: "المعاهدات كما تعرفون كالأزهار والفتيات اليافعة، تدومُ فقط بقدر دورة حياتها". وهذه فرصةٌ ليتصرف العرب بشكلٍ مهنيٍ محترف يحقق مصالحهم من خلال تشكيل فرق عمل لخبراء ومختصين (حقيقيين) في الحقول ذات العلاقة، يَدرسُون الاتفاق وكل ما يُحيط به من ملابسات، ليكتشفوا ثغراته وتناقضاته ومكامن تضارب المصالح فيه، فتكون تلك أرضية السياسات التي يتم رسمُها للتعامل مع الاتفاق.
لامجال هنا أبداً لمشاعر الخيبة واليأس ومشاعر الاستسلام، فهذه عناصر الانهيار النهائي والكبير نفسياً وسياسياً. على العكس من ذلك تماماً، هذا أوان التحدي المدروس المتوازن الذي يمكن أن يقلب الطاولة على الجميع. وهو يتطلب درجاتٍ من القوة النفسية والإرادة السياسية والتخطيط العملي ربما لم تظهر الحاجة إليها بهذه الدرجة في الظروف السابقة.
رغم كل هذا. يبقى الإسراعُ في خلق أمرٍ واقعٍ جديد في سوريا، تحديداً، عنصراً رئيساً يقع في القلب من الإستراتيجية المتكاملة المطلوبة للتعامل مع هذا التطور الحساس.
ثمة فخٌ ينصبهُ البعض للعرب في هذا المجال من خلال الإيحاء بأن مهادنة إيران، خاصةً في سوريا، والسماحَ لها باستمرار سياساتها هناك سيدفعُها للتنازل في مواقع أخرى.. هذه الطريقةُ في التفكير هي تحديداً ما يريد الإيرانيون إشاعتهُ في بعض أوساط صناعة القرار، حتى العربية منها، بعد إنجاز الاتفاق مع الغرب. وستكون أيﱡ قناعةٍ بها أولَ نجاحٍ إستراتيجي (سياسي نفسي) لإيران بعد الاتفاق، لأنه سيُسهِلُ عليها إلى درجةٍ كبيرة إكمال مشروعها بأقل قدرٍ من الممانعة.
يُغفل التفكير أعلاه حقيقة أن إيران قدمت التنازلات التي قدمتها للغرب لسببٍ واحدٍ ووحيد يتمثل في أنها أدركت، ببراغماتيتها المعروفة، أنها لاتستطيع المواجهة على جبهتين. من هنا، اختارت الرجوع خطوةً إلى الوراء على المستوى الدولي لتتقدم خطوات إلى الأمام في الفضاء الإقليمي.
لم يعد خفياً على مراقبٍ جدي أن سياسة إيران على المدى الطويل ستكون محكومةً بعاملين. هيمنةُ غرور القوة، من جانب، على العقل السياسي الإيراني، فيما يخص المنطقة العربية بطبيعة الحال. والمضي، من جانبٍ آخر، في مشروع السيطرة الكامل على هذه المنطقة، مع أولويةٍ واضحة للجزيرة العربية، بكل مقوماتها المادية والروحية والبشرية. خاصةً بعد قناعة الإيرانيين أن ثمة ضوءاً أخضر عالمياً فيما يتعلق بهذا الموضوع، وأن بإمكان النظام الدولي التعامل مع واقعٍ إقليمي جديد بمعادلات جديدة ومُبتكرة يمكن من خلالها الحفظ على مصالحه.
كل هذا، مع عدم استبعاد احتمال أن يكون (الإيحاء) بوجود الضوء الأخضر عمليةً إستراتيجيةً كبرى، يضمنُ من خلالها النظام الدولي توريط المنطقة بشكلٍ شاملٍ وسريع، اعتماداً على غرور القوة الإيراني المذكور.
وأهم ما في الأمر أن الإيرانيين يُدركون، أو يَظنون، أن الخطوات التي سيكسبونها في مُحيطهم الجغرافي هي التي ستعود لتعطيهم إمكانية العودة للتقدم عالمياً خطوةً وخطوتين، ولو بعد عقدٍ من الزمن. فحسابات هذا الزمن لديهم ممتدة، وتُعبرُ عنها القصة التي تقول إن صانع السجاد الإيراني يُمضي خمس سنوات ليحيك السجادة، ثم إنه يفاوض على بيعها لمدة عشر سنوات!..
من هنا، يُصبحُ مُلحاً ومطلوباً كسرُ حلقة التقدم الإيراني في المنطقة في الموقع الحساس الذي يُعتبر المفصل الجيوإستراتيجي الرئيس للمخطط الإيراني. فهذا ما سيُربك المُخَططَ بِأسرِهِ ويُخلخل حساباته وتوازناته. ويُقللُ بما لا يُقاس، مهما كان ثمنه، تكاليفَ لاحقة باهظة ستتحملها المنطقة في حال عدم إنجازه.
المفارقةُ، بحسابات الربح والخسارة الدقيقة، أن إكمال ترتيباتٍ تخلق أمراً واقعاً جديداً في سوريا هي، في النهاية، أكثرُ جدوى من أي عمليةٍ أخرى. فالسوريون أثبتوا، مرةً بعد أخرى، قدرتهم على إنجاز المهمة دون الحاجة لأي دعمٍ من الخارج في مجال العمليات الأرضية. وباتَ معروفاً أن حداً أدنى من العون النوعي لهم سيجعلهم قادرين على اكتساح الأرض السورية ميدانياً.
أما فيما يتعلق بالمسار السياسي الانتقالي وما بعده، فالمؤشرات وفيرةٌ على إمكانية (جمعِ) المعارضة السياسية والعسكرية على رؤيةٍ تتعلقُ به. فـ (الواقعية) تحكمُ اليوم صفوف تلك المعارضة بأكثر مما يتصور الكثيرون.. لهذا، يمكن جداً للرؤية المذكورة أن تتضمن ما يمكن أن تُقدمه الدول الداعمة للثورة على أنه (البديل) لنظام الأسد، وترتكز عليه في تحركها لخلق الأمر الواقع الجديد.
هذه هي المعادلة الحساسة التي تسمح بفرض أمرٍ واقع: إرادةٌ سياسية لا تنتظر الإذن لتحقيق مصالحها، وإخراجٌ مدروس يأخذ بعين الاعتبار الخطوط الحمراء الكبرى. هذا أيضاً ما يمكن، على الأقل، أن نتعلمهُ من الدرس الإيراني.
تحية مطرزة بالفخر.. لمنظومتنا الدفاعية
-الفخر بقيادتنا الحكيمة.. والشكر لحكومتنا الرشيدة - دفاعاتنا الجوية نجحت في إسقاط صواريخ العدوان ومسيرات إيران - الاستهداف... اقرأ المزيد
324
| 02 مارس 2026
دعم وتضامن عالمي مع قطر ودول التعاون
تواصلت، خلال اليومين الماضيين، الاتصالات التي تلقاها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد... اقرأ المزيد
111
| 02 مارس 2026
الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل
شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهي حرب لا تقتصر آثارها... اقرأ المزيد
504
| 02 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2622
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2127
| 25 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
1200
| 01 مارس 2026