رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في بلد تصنف كجزء من العالم الديمقراطي المتحضر تختل الموازين سياسيا وإعلاميا، حتى تجاه صحفهم وصحفييهم المخضرمين عند التعبير برأي حر، عن المجازر والاعتداءات الضارية التي يشنها الكيان الصهيوني على قطاع غزة منذ يوليو الماضي.. أسوق لكم مثالا مؤلما فقد طرد الصحفي الكبير والمخضرم مارك كارلتون، 68 عاما، بسبب مقال رأي له في صحيفة سيدني مورنينج هيرالد الأسترالية؛ معلقا على ان ما يحدث في غزة من قبل الإسرائيليين "مجزرة" فقامت الدنيا ولم تقعد، وتم إيقاف مارك الذي طلب منه الاعتذار فقدم استقالته فوراً محتجاً على قرار إيقافه واصفاً التعنت بحقه في تغريداته: بـ "الحملة الضخمة التي يقودها اللوبي الصهيوني في أستراليا"،وفي ذات السياق وبسبب كاريكاتير نشر في ذات الصحيفة (أرفقته بهذا المقال هنا ليطلع عليه القارئ) هوجمت الصحيفة ومارَسَ اللوبي الإسرائيلي ضغوطا كبيرة عليها حتى أجبرها مؤخرا على الاعتذار، بل وأجبرت مؤسسة "فيرفاكس ميديا" مالكة الصحيفة على تقديم اعتذار رسمي في افتتاحية للصحيفة تحت عنوان "نحن نعتذر"، والتي جاء فيها: "نعتذر على خلفية كارتون توضيحي صاحب مقال رأي للكاتب مايك كارلتون بشأن الصراع في غزة، ونود أن نعتذر عن أي مشاعر ألم سببها الرسم الكاريكاتيري الذي يظهر رجلاً مسناً بأنف كبير، يجلس بمفرده، حاملا في إحدى يديه جهاز ريموت كونترول، ويشرف على تفجيرات غزة، كما ظهرت نجمة داود على الكرسي الذي يجلس عليه الرجل الذي كان يرتدي القلنسوة اليهودية"!! الغريب ان التعليق في الصحيفة جاء فيه أيضا: "إن هذا الكارتون يشبه الرسوم التي انتشرت في العهد النازي لألمانيا، والتي من شأنها أن تروع أجيال الشعب اليهودي"!! وهنا أود أن أذكركم فقط بموقف سلبي من غيرها من الكاريكاتيرات العنصرية والنمطية المشبعة التي ابتلينا بها بوصف نبي ديننا بالإرهاب، بل حتى بالتهكم على الرسل والأنبياء بل والذات الإلهية، ولم يتحرك لها إعلام الديمقراطيين الذي يدعي ويشرع لإسرائيل المعتدية الغاشمة حرمة ودفاعاً، يحرمه على الذات الإلهية ذاتها.. لا عجب، فكيف لا تجبر الصحيفة على الاعتذار والخنوع لمعايير الصهاينة قبل معايير الإعلام وأخلاقياته، وعلى طرد أحد أكبر مهنييها بتهمة قول الحقيقة؟!! كيف لا تجبر وقد احتشدت انتقادات "المجلس التنفيذي ليهود أستراليا" ضدها؟!! كيف لا وقد حورب سوقها، حيث طالبت صحيفة "الأستراليان جويش نيوز" المهتمة بالشأن اليهودي القراءَ بإلغاء اشتراكاتهم في مؤسسة "فيرفاكس ميديا" اعتراضاً على الرسم الكارتوني. كيف لا وقد انبرت أكبر صحيفة في استراليا "ذي استراليان" لإبراز رسائل الردود أو التغريدات المضادة للصحفي على متن صحيفتها، رغم تلقيه عديداً من رسائل وتغريدات التضامن والدعم من ناحية أصحاب المهنة من الصحفيين والناشطين والجمهور أيضاً؟!!.
كيف لا تخنع ويرغم أنفها وقد تصدى لها المدعي العام الفيدرالي لأستراليا "جورج براندس" الذي لم يبرد ألم المسلمين من تصريحاته العنصرية تجاه الحق الفلسطيني والقضية الفلسطينية والقدس الشرقية، بعد معركة إعلامية ودبلوماسية حامية الوطيس ضد تصريحه في يونيو الماضي، بسبب رفضه إطلاق مسمى أرض فلسطينية عربية محتلة على القدس الشرقية، مما يعني إعطاء الشرعية في تسميتها أراضيَ إسرائيلية، في مخالفة لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، واتفاقية جنيف لعام 1949. وقد كانت صحيفة سدني مورننغ هيرالد وقتها هي الرائدة في الاستغراب من هذا الطرح الجائر، الذي تبناه المدعي العام، والذي أوردته في تقرير لها بتاريخ 6 يونيو 2014 بعنوان" Aquestion for Attorney — General: George Brandis: Occupied land or Occupied Mind ?
وقد عاود "براندس" الكرّة في انتقاد الصحفي والصحيفة بما وصفه بـ " المعاداة للسامية". فصرّح لصحيفة "ذي استراليان" بقوله: "إن تغطية الصحف المملوكة لفيرفاكس ميديا لصراع غزة، مناهض للسامية بشكل علني، إن مثل هذا الكارتون يبعث على الأسى. وأضاف: "لم نشاهد مثلها منذ حقبة الثلاثينيات في ألمانيا". رغم أن رئيس تحرير الصحيفة نفسه "دارين جوتسير" رد بداية، بأن: “الكارتون لم يقصد إثارة بغض عنصري".. ما هذا التناقض؟ إذن؟ كيف يعبر الصحفيون عن آرائهم في بلد تدعي الحرية والديمقراطية في ظل هذه المعايير المزدوجة؟ وهل يجب ان يمر الرأي في الدول المتقدمة كأستراليا على فلتر السياسات الحكومية؟!!.. الواضح لنا ان التعليق على مجازر إسرائيل في إعلام دول بعينها "تابوهات محرمة" إذ تخرج من سلطتها الى سلطة اللوبيات الصهيونية فيها، بل ويخرج من قاعدة الديمقراطية وحرية الكلمة الى سياسة "تكميم الأفواه"، التي يتهمون بها غيرهم.
وحتى تعرف الأبعاد أيها القارئ يجب أن تعلم أن الأمر لم يقف عند هذا الحدّ، بل تم اعتبار مقال الكاتب المحرض الأكبر على حادثة اعتداء وقعت في سدني 6 أغسطس الجاري بعيد قوة المجازر، وكأنهم يعتبرون سكّانهم مغيبون لا رأي لهم، بل "صم بكم عمي" لا يسمعون ولا يرون ولا يفقهون ما تنقله وسائل الإعلام المرئي والجديد، وذلك حين قام ستّة طلاب مراهقين استراليين على متن حافلة مدرسية عامة، بتهديد طلاب أصولهم يهودية بقطع حلوقهم هاتفين: "يحيا هتلر. اقتلوا اليهود وحررّوا فلسطين!!". ورغم تواصل الأمن مع مجلس نواب اليهود لتقديم الدعم النفسي للطلاب ضد "الصدمة"، وتأمين استقبال الطلاب المهددين وعائلاتهم يومها في حراسة مشددة على ابواب المدارس، في عملية أمنية غير مسبوقة في سدني، وتأمين النقل لهم مستقبلا بحراس، ورغم ان الأمن قد أكد أن الحادثة عشوائية، وأظهر او ربما قرر سلفا كالعادة ـ أن الصبية المتهمين "مخمورون" إلا ان الراباي اليهودي البارز في استراليا، إيلي فيلدمان أنحى باللائمة على كتابات الاعلامي السابق الذكر، وتعليقاته التي وصفها بالعنصرية ضد السامية، مشددا على ان الحادث ليس مجرد صدفة.. ومع استنكار وقوع مثل حوادث الكراهية في استراليا هذه، إلا إن المفارقة هنا ـ كما هي الحوادث في الإعلام او الأمن الغربي والأمريكي أيضا ـ غالبا ما يوصف المتهمون بها من بنيه دون العرقيات الأخرى بالمخمورين أو المرضى النفسيين. ولا نعلم اذا كان لجنسيتهم وعرقهم النقي دور في وصفهم بالمخمورين فقط، وما إذا كان الوصف سيظل نفسه ام سيتغير اذا كانوا على ذات الجنسية ولكن اصولهم من اعراق ودول أخرى، كتلك التي تصور أي عمل يخرج من ذي أصل إسلامي بـ "الإرهابي".
السخرية هنا هي مدى الكراهية والعزلة والعداء التي سيعاني منها الإسرائيليون واليهود بصفة عامة في كل مكان، بسبب إجرام الكيان الإسرائيلي المستمر ضد أصحاب الأرض والشرعية والمقدسات، والتي يقللّ منها من يشبهها بالنازية.
فنفوذ الإعلام الصهيوني تجاوز بروبوغاندا النازية ومجازر كيانه تجاوزت حتى التشبيه بـما يسمى "هولوكوست هتلر"، والحق الذي يجب أن يعيه الإعلام الدولي ان سياسة الانحياز لإسرائيل، والكيل بمكيالين، وتكميم الأفواه في ظل الطفرة التكنولوجية الرقمية، والتعددية الإعلامية لم تعد مجدية.
وأن الانتهاك الغاشم ضد الإنسانية، والحق الأبدي الفلسطيني لا بد من فضحه، وحشد المجتمع الدولي ضده، مع وجوب تسليط الإعلام العربي الضوء على مثل هذا الرأي الحر، تجاه قضايانا المصيرية القانونية الشرعية!! والذي تقوم الدول المتشدّقة بالديمقراطية بمناهضته، ومصادرته، ومحاربته، بل وممارسة العنف على أصحابه ومؤسساته، خصوصاً أن الإعلام العربي ـ ومنه "الجزيرة" بلغتيها العربية والإنجليزية أيضا ـ الإعلام مقصّر في تسليط الضوء على مناحي طرق قضايانا، وعلى المناصرين لها في هذه البقعة الجنوبية من الأرض (أستراليا ودول الباسيفيك)، التي يلعب فيها اللوبي الصهيوني دوراً كبيراً في حشد المناصرين والمؤيدين.. هذا مع إقرارنا جميعا بأن التنوير الإعلامي للجمهور الدولي حول دولة فلسطين العربية، والمقدسات الإسلامية في هذه البقعة أيضاً، يجب أن يكون أم القضايا ببساطة يا عرب، لأنني سمعت طلابا جامعيين هنا في العاصمة الأسترالية لا يعلمون كيف نشأ الكيان، ومن أنشأه، بل أين كان الإسرائيليون قبل عام 1948، وكيف اجتمعوا من شتات الأرض في إحداثية بلفور الاستعمارية، بوعد بدولة على دماء وأشلاء أهلها.. هذا ويبقى التضامن المهني عموماً مع المدافعين عن الشرعية وحقوق الإنسان، وحرية الكلمة من الصحفيين المنتهكين في كل بقعة، ضرورة لا بد ان نتكاتف من أجلها جميعاً..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8988
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4272
| 23 سبتمبر 2026