رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يمثل تشكيل الحكومة المقبلة التي يقودها رئيسها يوسف الشاهد، والتي ستعلن تشكيلتها النهائية قريبا، انفراجًا حقيقيًا للأزمة التونسية، لسببين رئيسيين، أولهما: أن يوسف الشاهد كان عضوًا في حكومة الحبيب الصيد الفاشلة، والتي هي امتداد لحكومة مهدي جمعة المعروفة بخياراتها وتوجهاتها الليبرالية، حيث سيواصل رئيس حكومة الوحدة الوطنية الجديد السياسة عينها، وهي سياسة حكومة الصيد الفاشلة. وثانيهما، أن حكومة يوسف الشاهد لا تختلف خياراتها عن سابقاتها من الحكومات الثماني، التي عرفتها تونس بعد سقوط النظام الديكتاتوري السابق في 14يناير 2011، لاسيَّما أن البرنامج الاقتصادي والاجتماعي لرئيس الحكومة الجديد سيكون ملتزمًا بالتعهدات التي قطعتها تونس أمام صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية المانحة، والتي عادة ما تفرض شروطًا تعجيزية أمام الدول التي يمر اقتصادها بصعوبات هيكلية ظرفية مقابل إسنادها قروضا لتمويل ميزانياتها..
فحتى وثيقة قرطاج التي صادقت عليها أحزاب الائتلاف الحاكم الأربعة، إضافة إلى خمسة أحزب من المعارضة الديمقراطية (حركة مشروع تونس، الجمهوري، المسار الديمقراطي الاجتماعي، حركة الشعب)، باستثناء الجبهة الشعبية التي تمثل أكبر تجمع ديمقراطي للمعارضة بنحو 15نائبا التي رفضت أصلا المشاركة في الحكومة، ونالت دعما من الاتحاد العام التونسي للشغل، ومنظمة الأعراف، واتحاد الفلاحين، وهي التي ستكون برنامج الحكومة المقبلة بقيادة الرئيس يوسف الشاهد، ليست في المستوى التاريخي المطلوب لتقديم إجابات عقلانية وواقعية لمعالجة الأزمات التي تعاني منها البلاد.
إن التحدّي الأول الذي ستواجهه حكومة الشاهد، يتمثل في معالجة مشكلة البطالة، إذ يوجد ما يقارب 700 ألف عاطل عن العمل ومنهم 250 ألفا من حاملي الشهادات الجامعية، وغالبية العاطلين عن العمل تنتمي إلى فئة الشباب.
وقد بلغت نسبة البطالة لدى بعض الفئات وفي بعض المعتمديات 40 وحتى 50% وهو ما يهدد أسس البناء الاجتماعي والوطني التونسي، فضلا عن كونه إهدارا للرأسمال البشري بعدم إدماجه في التنمية بما ينذر بمخاطر كبيرة.
ويقتضي هذا الوضع مقاربة جديدة لمواجهة البطالة بوضعها ضمن الاهتمامات الأساسية للأطراف الاجتماعية التي لابد أن تشرف على تمويل وتسيير الخطط العاجلة لدعم قدرات العاطلين بإحداث الصندوق الوطني لتكوين وإدماج الشباب الذي يمول بمساهمة الدولة والمؤسسات الاقتصادية والشغالين وشركاء التنمية ويشرف على تسييره مجلس من أطراف الإنتاج الثلاثة.
لم تنجح الحكومات الثماني ما بعد الثورة في محاربة الفساد، بل إن الفساد ازداد انتشارًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، الأمر الذي أسهم بشكل مباشر في تأخير تطبيق تنمية حقيقية من شأنها أن تعيد الأمل لعموم التونسيين.. فهل ستنجح حكومة الشاهد في إعلان الحرب على الفساد كأولوية مهمة جدا، في الوقت الذي خسرت فيه تونس من 2 إلى 3 نقاط نُمُوٍ، حيث إن الفساد يعتبر من أهم أسبابها.
ثم إن محاربة الفساد من الحكومة الجديدة تقتضي أن تكون هذه الأخيرة حاملة لمشروع إصلاح وطني حقيقي، قوامه إعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية أي دولة القانون، بما تتضمنه دولة المؤسسات ومعها إرساء شروط الشفافية وعقلية المساءلة والمحاسبة التي من دونها لا مجال لكسب رهان الحرب على الفساد. كما تقتضي محاربة الفساد، تحقيق ضربات استباقية للوبيات والمافيات الكبيرة، حيث إن قياداتها تمول الحزب الحاكم الذي أوصل الشاهد إلى رئاسة الحكومة. ويشبه الأمر، هنا، أن يقطع الرجل الغصن الذي يجلس عليه فوق شجرة الإنقاذ.
إضافة إلى كل ذلك، على الحكومة الجديدة ضرورة الإسراع في طرح برنامج للإصلاح الديمقراطي الحقيقي في مختلف مؤسسات الدولة التونسية، من أجل تحقيق المحاسبة والمساءلة التي يجب أن تبدأ برموز الفساد، فهؤلاء بما استطاعوا تحقيقه من ثروات مادية كبيرة غير مشروعة، وبعلاقاتهم الداخلية والخارجية، أصبحت لديهم مافيات ولوبيات فساد كبيرة، قادرة بما لديها من إمكانات على إعاقة عملية الإصلاح، وكذلك عملية التنمية. واستطاع هؤلاء الفاسدون، الاستفادة من أجواء عالمية وإقليمية وداخلية، فعملوا على حرف مسيرة التنمية، وأعاقوا تصميم هذه المسيرة. ساعدهم في ذلك، هذا الفخ الإعلامي ـ الثقافي الذي يروج لثقافة السوق الحرة، وينادي بوحدانية السوق، وبالخيار الوحيد المطروح، ألا وهو الالتحاق بقطار العولمة (قبل فوات الأوان) والاندماج بالاقتصاد العالمي. إن جوهر ما تنادي به أحزاب الائتلاف الحاكم، مدعومة بمطالب الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية، هو أيديولوجية الليبرالية الاقتصادية الجديدة، التي أوصلت العالم إلى هذا الاستقطاب الحاد على الصعيد العالمي، الذي عمق مشكل الفقر وأرسى قواعد تهميش الشعوب.
سواء في عهد حكومة الترويكا أم في ظل حكومة مهدي جمعة، أو في ظل حكومة الحبيب الصيد، كان القاسم المشترك بين جميع هذه الحكومات، هو غياب البرنامج الوطني لمواجهة التحديات الكبيرة لتونس، لاسيَّما الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى الضغوطات الكبيرة التي تمارسها المؤسسات المالية الدولية المانحة على تونس لتمرير شروطها، ومسار المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حول مشروع اتفاق «أليكا». وإذا أرادت حكومة الشاهد أن تكون حكومة وحدة وطنية حقيقة وفعلية، عليها أن تبلور إستراتيجية وطنية تقوم على رفض الهيمنة الخارجية، والوقوف بحزم ضد التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لتونس، ولاسيَّما أن تعبر الحكومة الجديدة عن موقف وطني قوي في ملف التفاوض مع الاتحاد الأوروبي بخصوص ما يعرف بمشروع اتفاقية "أليكا" الشامل والمعمق والمتعلقة بتحرير الخدمات مع تونس والتي كانت موضوع انتقادات واسعة من قبل جل الخبراء والمنظمات الوطنية واعتبرت في غير وقتها باعتبارها تهدد قطاع الخدمات الوطني وتمس من سيادة القرار الوطني.
إن حكومة يوسف الشاهد، من الصعب عليها أن تتنصل من التعهدات التي قدمتها حكومة الحبيب الصيد لصندوق النقد الدولي، لاسيَّما فيما يتعلق بتطبيق برنامج الإصلاحات الهيكلية المفصل والذي يمتد من أواسط السنة الحالية وينتهي سنة 2019، وذلك في رسالة بـ37 صفحة موجهة من سليم شاكر وزير المالية والشاذلي العياري محافظ البنك المركزي، إلى رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاجارد بتاريخ 17 مايو 2016. وهذا التوجه الليبرالي للحكومة الجديدة يلبي شروط الإصلاحات الهيكلية المفروضة من جانب المؤسسات الدولية المانحة.
وبالمقابل تتمثل انتظارات الشعب التونسي في ميلاد حكومة وطنية تلتزم ببرنامج وطني قوامه القيام بالإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الذي ينطلق من سياسات التنمية الشاملة والمستدامة، وتحقيق هدف زيادة معدلات النمو الاقتصادي مع تحقيق عدالة التوزيع. والعدالة الاجتماعية، وحُسن توزيع الدخل والثروات، وترشيد كفاءة السياسات الاستثمارية، والتفاعل الإيجابي بين التوجه التنموي للدولة والمشروع الخاص، وتحقيق العلاقة الإيجابية بين فوائد السوق والتدخل الحكومي، وإدارة عملية التقدم التكنولوجي والمعرفة، بما في ذلك إصلاح التعليم، والتوجه على نحو عملي وفعال لمعالجة مشكلة الأمية والبطالة في المحافظات الفقيرة التي عانت من التهميش وغياب مشاريع التنمية، من أجل منع استقطاب الشباب المهمش والعاطل عن العمل من قبل التنظيمات الإرهابية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من نهائي كأس الأمم الإفريقية الذي جمع بين منتخب المغرب ومنتخب السنغال. مباراة كان من المفترض أن تعكس روح التنافس والاحتكام للقوانين، لكنها شهدت أحداثًا وأجواءً أثارت الاستغراب والجدل، ووضعت علامات استفهام حول سلوك بعض المسؤولين واللاعبين، وما إذا كانت المباراة حقًا تعكس الروح الرياضية التي يفترض أن تحكم مثل هذا الحدث القاري المهم. الموقف الأول يتعلق بتصرف مدرب منتخب السنغال، بابي ثياو، حين طلب من لاعبيه الانسحاب. هذا السلوك يثير علامات استفهام عديدة، ويُفهم على أنه تجاوز للحدود الأساسية للروح الرياضية وعدم احترام لقرارات الحكم مهما كانت صعبة أو مثيرة للجدل. فالمدرب، قبل أن يكون فنيًا، هو قائد مسؤول عن توجيه لاعبيه وامتصاص التوتر، وليس دفع الفريق نحو الفوضى. كان الأجدر به أن يترك الاعتراض للمسارات الرسمية، ويدرك أن قيمة الحدث أكبر من رد فعل لحظي قد يسيء لصورة الفريق والبطولة معًا. الموقف الثاني يتعلق بضربة الجزاء الضائعة من إبراهيم دياز. هذه اللحظة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه. هل كان هناك تفاهم صامت بين المنتخبين لجعل ضربة الجزاء تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المباراة؟ لماذا غابت فرحة لاعبي السنغال بعد التصدي؟ ولماذا نُفذت الركلة بطريقة غريبة من لاعب يُعد من أبرز نجوم البطولة وهدافها؟ برود اللحظة وردود الفعل غير المعتادة أربكا المتابعين، وترك أكثر من علامة استفهام دون إجابة واضحة، مما جعل هذه اللحظة محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن القول إن اللقب ذهب لمن لا يستحقه، فمنتخب السنغال بلغ النهائي بجدارة، وقدم مستويات جيدة طوال مشوار البطولة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب أثبت أنه الأجدر والأقرب للتتويج بما أظهره من أداء مقنع وروح جماعية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. هذا الجيل المغربي أثبت أنه قادر على تحقيق إنجازات تاريخية، ويستحق التقدير والثناء، حتى وسط لحظات الالتباس والجدل. ويحسب للمنتخب السنغالي، قبل النتيجة، الموقف الرجولي لقائده ساديو ماني، الذي أصر على عودة زملائه إلى أرض الملعب واستكمال المباراة. هذا القرار جسد معنى القائد الحقيقي الذي يعلو باللعبة فوق الانفعال، ويُعيد لكرة القدم وجهها النبيل، مؤكدًا أن الالتزام بالقيم الرياضية أحيانًا أهم من النتيجة نفسها. كلمة أخيرة: يا جماهير المغرب الوفية، دموعكم اليوم تعكس حبكم العميق لمنتخب بلادكم ووقوفكم معه حتى اللحظة الأخيرة يملؤنا فخرًا. لا تحزنوا، فالمستقبل يحمل النجاح الذي تستحقونه، وستظلون دائمًا مصدر الإلهام والأمل لمنتخبكم.
3924
| 20 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1458
| 16 يناير 2026
لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية أو الأرقام المجردة، بل كثيراً ما تتشكل من مشهد عابر، أو جملة قيلت بعفوية، أو انطباع صادق خرج من قلب تجربة حقيقية. وأنا أتابع مؤخراً أحد المقاطع المتداولة لسيدة خليجية تتحدث مع صديقتها، لم أجد إعلاناً سياحياً، ولا لغة ترويجية، بل وجدت دهشة صادقة وهي تكرر (في قطر شيء مختلف) جميلة، مناسبة، ومريحة. توقفت عند هذه العبارة طويلاً واستوقفني المقطع رغم بساطته، لأنها اختصرت ما تسعى إليه المدن حين تبحث عن مكان لها في ذاكرة زوارها. من هنا يبرز السؤال المشروع: هل الدوحة فعلاً الوجهة المناسبة للعائلة الخليجية؟ أم أننا أمام حالة عاطفية مؤقتة؟ الإجابة في تقديري تتجاوز الانطباع الفردي، وتتأسس على مسار واضح من العمل والرؤية. تصريح سعادة السيد سعد بن علي الخرجي، رئيس قطر للسياحة ورئيس مجلس إدارة Visit Qatar، على هامش أعمال ملتقى الاتصال الحكومي يؤكد أن فوز الدوحة بلقب عاصمة السياحة الخليجية لم يكن محض تكريم رمزي، بل اعتراف بجهد ممنهج استهدف تصميم تجربة سياحية تنسجم مع طبيعة المجتمع الخليجي. وحين تشير الإحصاءات إلى أن 35 بالمئة من زوار دولة قطر في عام 2025 هم من دول مجلس التعاون، فإننا أمام مؤشر واضح على مستوى القبول والثقة التي تحظى بها الدوحة لدى العائلة الخليجية. مدينة الدوحة لا تسعى لأن تكون مدينة صاخبة أو وجهة ترفيهية منفصلة عن محيطها الاجتماعي، بل تقدم نفسها كمساحة متوازنة، يشعر فيها الزائر بالألفة دون أن يفقد عنصر الاكتشاف. هذا الإحساس بالراحة لا يُفرض، بل يتشكل تدريجياً من خلال التفاصيل اليومية، وسهولة الحركة، وطبيعة التعامل، وغياب التوتر. ولعل أكثر ما يلفت في التجربة القطرية هو عامل الأمن والاستقرار، الذي لا يُطرح كشعار، بل يُمارس كواقع. فحين تكون المدينة آمنة، فإن العائلة تتحرك بثقة، وتستمتع دون قلق، وتعود بذاكرة إيجابية. وقد أكد رئيس قطر للسياحة أن دولة قطر تُعد من أكثر دول العالم أمناً، وهو عنصر لا يمكن فصله عن قرار السفر، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والدولية. وفي المشهد الحضري، نجحت الدوحة في تحقيق معادلة صعبة، تقوم على التحديث دون اقتلاع الجذور. فالأسواق التقليدية، وفي مقدمتها سوق واقف، لا تزال حاضرة كفضاء حي، لا مجرد معلم للزيارة. وإلى جانب ذلك، برزت المتاحف في قطر كعنصر جذب ثقافي مهم، بما تحمله من تنوع في المضامين والرسائل، حيث لا تكتفي بعرض التاريخ، بل تفتح نوافذ على الهوية، المعرفة، الفكر، والتفاعل مع العالم. هذا التنوع الثقافي يمنح العائلة الخليجية، كما السائح الدولي، تجربة معرفية تكمّل الجانب الترفيهي وتمنحه عمقاً. ولا يمكن تجاهل دور المواسم والفعاليات التي صُممت بروح عائلية، سواء تلك المرتبطة بالتراث، أو الفعاليات الغذائية ذات الطابع المحلي، أو البرامج الرمضانية التي تعكس خصوصية المجتمع القطري. هذه الأنشطة لا تبدو مفروضة على المكان، بل نابعة منه، ما يعزز شعور الزائر بأنه جزء من المشهد لا مجرد عابر فيه. من زاوية أوسع تبدو السياحة في قطر جزءاً من رؤية أشمل للأمن الوطني بمفهومه المتكامل. فالدولة التي تنجح في بناء صورة ذهنية إيجابية، واستقطاب الزوار في بيئة منظمة، وتحويلهم إلى رواة للتجربة، إنما تعزز استقرارها، وتدعم اقتصادها، وتكرس قوتها الناعمة. السياحة هنا ليست قطاعاً خدمياً فقط بل أداة لبناء الثقة داخلياً وخارجياً. اللافت أن كثيراً من الترويج لدولة قطر اليوم لا يأتي من الإعلانات الرسمية فقط، بل من أصوات الزوار أنفسهم. تلك المقاطع العابرة والرسائل العفوية، والنصائح التي يتبادلها السياح الخليجيون فيما بينهم، تحمل أثراً أعمق من أي حملة منظمة. وهي بالنسبة لنا لحظات تستوقفنا، وتبعث فينا شعوراً بالاعتزاز والفخر، لأن الدوحة لم تعد مجرد خيار محتمل، بل وجهة يُدافع عنها ويُوصى بها. في ضوء ذلك، أجد أن السؤال لم يعد هل الدوحة مناسبة للعائلة الخليجية؟ بل أصبح: كيف نجحت الدوحة في أن تكون كذلك دون أن تتنازل عن هويتها؟ الإجابة تكمن في التوازن بين الأمن والخصوصية، وبين الحداثة والأصالة، وبين التخطيط والروح الإنسانية التي يشعر بها الزائر قبل أن يراها. وهكذا، تثبت الدوحة أنها ليست محطة عابرة في خريطة السياحة الخليجية، بل وجهة حقيقية، وذاكرة جميلة، وخيار صحيح للعائلة الخليجية والعربية الباحثة عن تجربة تجمع الراحة والهوية.
714
| 16 يناير 2026