رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يتورع قطعان بني صهيون عن صب نيرانهم وكراهيتهم, لا يهمهم اتفاقيات وقعوها مع هذا الطرف أو ذاك كل ما يهمهم هو فرض هيمنتهم وسطوتهم على المنطقة والعرب وبالذات الفلسطينيين الذين يشكلون بصمودهم ومثابرتهم وقدرتهم على التصدي لعدوانيتهم المفرطة بالرغم من قوتهم المحدودة.
لا يختلف العدوان على قطاع غزة عن هذا السياق الذي لم يتوقف منذ ما أطلق عليه الانسحاب من طرف واحد خلال حكم الإرهابي أريل شارون في عام 2005 وسوف يستمر مادام الفلسطينيون يفضلون خيار الانقسام عوضا عن الوحدة ورص الصفوف وما دامت الأمة العربية مصرة على المضي في اتجاه التشظي وتكريس حالة الدولة القُطرية بدلا من الدخول في أي مشروع تكاملي ولا يفعلون اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي لم تشهد حركة نشطة إلا عندما تحركت الجيوش العربية ضد دولة عربية إثر قيام العراق بغزو الكويت في أغسطس 1990 وهو أمر لا اعتراض عليه ,فقد كان ضروريا لتحرير الكويت من هذا الغزو غير المبرر الذي اتضح فيما بعد أنه لم يكن بمنأى عن المخططات الأمريكية لتقويض قدرات الجيش العراقي وإدخال المنطقة في صراع عربي عربي ولاشك أن القيادة العراقية آنذاك ارتكبت خطيئة التجاوب مع المخطط سواء بإدراك أو دون إدراك وهو ما أدخل المنطقة منذ ذلك التاريخ في موجات من الاحتقانات والتداعيات السلبية والتي دفعت ثمنها من مقوماتها وطاقاتها وقدراتها
صحيح أن وزراء الخارجية العرب تبنوا خلال اجتماعهم الطارئ بالقاهرة مساء أمس الأول جملة من القرارات التي تشكل تحولا نوعيا في الخطاب السياسي العربي تجاه عدوانية الكيان الصهيوني من قبيل المطالبة بوقف كافة أشكال التطبيع مع الكيان وإعادة النظر في مبادرة السلام العربية بل وفى عملية السلام برمتها بيد أن مثل هذه الخطوات لا تعيرها النخبة السياسية والعسكرية التي تقود قطعان بني صهيون الانتباه الكامل فهي لن تجبره على التراجع عن مخططاته التوسعية والعدوانية.
ومع ذلك فإن المرء يعتبر هذا التحول في مسار تعامل النظام الإقليمي العربي مع الكيان تطورا إيجابيا ينبغي البناء عليه وتحويله من دائرة الشعارات التي أراحت بقدر ما المقاومين في غزة وفي مختلف أنحاء فلسطين وخاصة ما يتعلق بالإسراع بوقف خطوات التطبيع وتقديم كل أشكال الدعم المادي والمالي والسياسي للشعب الفلسطيني والوفاء بشبكة الأمان التي قررتها غير قمة عربية خلال الأعوام الثلاثة الفائتة.
ووفق قراءاتي لوقائع الشعوب التي كابدت الاحتلال على مدى التاريخ فإن العنصر الفاعل والقادر على قصم ظهر عدوانية قطعان بني صهيون هو امتلاك القوة والقوة وحدها، وبكل معانيها وتجلياتها وعناصرها وهو ما يفتقر إليه العرب والفلسطينيون وفي الوقت نفسه تغيب عنهم الإرادة السياسية لاستخدام ما لديهم من أوراق ضغط - أو قل تجاوزا قوة – ولن يكون من بين هذه الوسائل الكلام أو الاتصالات الدبلوماسية المكثفة التي يحرص عليها الجانب العربي مع هذا الطرف الدولي أو ذاك وإن كنت لا أقلل من شأنها بحسبانها تظهر حرص النظام الإقليمي العربي على الخيارات السياسية والتي تعد مقبولة من حيث الشكل في النظام الدولي الراهن غير أن التعامل مع كيان بهذا القدر من العدوانية والشعور المفرط بغطرسة القوة لا تجدي معه هذه الوسائل فهي بعيدة عن ذهنية النخبة السياسية والعسكرية التي تحكمه والتي تربت عقائديا على منطق الإبادة والتطهير العرقي للعرب والفلسطينيين وبالتالي يتعين التفكير فيما هو مجد وفاعل وقف هذه العدوانية والتي تتمحور في تقديري فيما يلي:
أولاً: العمل على وضع إستراتيجية حقيقية وليست شكلية باتجاه إعادة بناء مقومات القوة العربية سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا ولعلنا نتذكر أن الزعيم العربي الراحل جمال عبدالناصر عندما بدأ في الاستعداد لتجاوز هزيمة يونيو 1967 لم يركز على الخطط الحربية فحسب وإنما وظف كل إمكانات مصر بالتنسيق مع الدول العربية في كل القطاعات مما شكل أرضية قوية استندت إليها تحرك الجيشين المصري والسوري في تحقيق انتصار أكتوبر 1973.
ثانياً: من الضروري أن توقف الدول العربية كل أشكال التطبيع مع الكيان سواء الديبلوماسي أو الاقتصادي أو حتى التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني، فثمة عواصم عربية ما زالت تحتفظ بسفرائها لدى الكيان وتحتفظ بسفرائه وهو أمر بات لا يتسق مع حالة السيولة العدوانية التي يتسم بها أداء الكيان مع الدول العربية ويمكن أن تقتدي باقي الدول العربية بالخطوات التي قررها الرئيس الدكتور محمد مرسي باستدعاء السفير المصري من تل أبيب وتقديم احتجاج شديد اللهجة لسفير الكيان بالقاهرة مما دعاه إلى مغادرة العاصمة المصرية بليل ربما خوفا من تكرار وقائع الهجوم على سفارة كيانه في أكتوبر من العام المنصرم والتي كانت كائنة بكورنيش النيل.
وبمناسبة مصر فإنه بات يتعين على حكومتها التخلي عن اتفاقية الكويز التي تحمل رجال الأعمال المصريين عبء المواد الخام التي يقدمها الكيان لبعض المنتجات المصرية المصدرة إلى الولايات المتحدة ووفقا لمعلوماتي فإن هناك تبرما من قبل رجال الأعمال من ذلك خاصة أن سلطات الكيان تصر على فرض أسعار باهظة للمكونات التي تقوم بإرسالها إلى مصر وأنها لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من المنتج الذي يقومون بتصنيعه.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاتفاقية تم التوقيع عليها خلال حكم نظام مبارك الذي قدم تنازلات عديدة للكيان واستجاب لضغوط واشنطن التي اشترطت إضافة المكون الصهيوني في المنتجات المصرية في الوقت الذي رفضت فيه إبرام اتفاقية التجارة الحرة حتى تغلق أبواب التواصل المباشر مع مصر على الصعيد التجاري وهو ما يطالب به رجال الأعمال المصريون.
ثالثاً: هناك جوانب من العلاقات الخفية بين دوائر عربية من قبيل رجال أعمال وأجهزة أمن واستخبارات ومراكز البحوث العلمية وغير ذلك وهو ما يستوجب اتخاذ خطوات حاسمة بوقفه حتى يشعر الكيان بأنه معزول وغير مرغوب فيه ولا في التعاون معه وليس ثمة حاجة للاستفادة من أي إمكانية لديه والأهم تطبيق قرارات المقاطعة الاقتصادية مع كل الشركات التي تتعامل مع الكيان وفي هذا السياق فإنه يتعين على دول مجلس التعاون الخليجي التخلي عن قرار اتخذته قبل سنوات في سياق دعمها للسلام الذي لم يتحقق أبدا بإلغاء المقاطعة مع الكيان من الدرجة الأولى وهو أمر استفاد منه الكيان الذي يضع عينه دوما على منطقة الخليج التي ينزع إلى الاستفادة من فوائض أموالها في تكريس مشروعه الاستيطاني الاستعماري في المنطقة.
في قناعتي أن الكيان الصهيوني لا يمتلك رغبة حقيقية في السلام مع العرب بالرغم من كل ما قدموه له من تنازلات ومبادرات لكنه لم يحترمها أبدا بل تعامل معها باستخفاف مثلما ما فعل مع المبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت في عام 2002 ومن ثم فإنه يجب التفكير في خطوات مستقبلية تعيد بناء القوة العربية استعدادا لاستعادة فلسطين كل فلسطين.
السطر الأخير :
أيا مسافرة عودي إلى خيمتي
اغزلي مسافة عشقي
أنا في انتظارك
متكئا على قصائدك القديمة
لا تبرحي كوني
هو لك، وأنت لي
قلبك حنطتي الأخيرة
وعيناك حضور الروح في أزمنة الغياب
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
383
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
446
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
316
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4665
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1176
| 01 أكتوبر 2026