رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"مما لا ينتطح فيه عنزان" إذ لا يختلف فيه اثنان أن اللانظام السوري قد وقع في "حيص بيص" بعد أن فقد كثيرا من زمام المبادرة وتهشم الكثير من أطراف أعضائه حتى وصل ذلك إلى القلب في العاصمة دمشق، ولا يزال الجيش الحر البطل عالي الهمة مرتفع المعنوية محققا على الأرض إنجازات تلو إنجازات من الانتصارات، ولا يزال الشعب الصامد رابط الجأش مؤمنا أن الحرب سجال ولم يعد يخامره أي شك في التقدم نحو التحرير ولو بعد حين، ذلك لأن دماء الشهداء لن تذهب هدرا وهي التي تصرخ في وجه طاغية دمشق وزبانيته إن دون انكسارهم خرط القتاد، وهنا وقد أجهد المبطلون ومن يدعمهم كان لابد من إعادة اللعبة في هذه الحلبة مع الكيان الصهيوني المؤيد الأكيد لإبقاء النظام الأسدي سابقا ولاحقا ولابد من الثبات على المحاولة لإنقاذ جزار سورية بالاتفاق معه في هذه الأيام بالذات للخبطة أوراق الثورة السورية ومنحه ولو فرصة أخيرة لإطالة عمر نظامه الدموي عساه بالتعاون معها تنقلب المعادلة لصالحه وتستطيع تأمين حدودها على الجولان حيث إن تسعين بالمائة من القرى والبلدات المحاذية لها قد أصبحت تحت سيطرة الجيش الحر، وهل ننسى قبل أسبوع كيف تدخلت المدفعية الصهيونية سريعا لقصف قوات من الجيش الحر كانت تحاصر قوات للأسد وتتفاوض معها على الاستسلام بهدف فك الحصار عنها، وقد علق نتنياهو رئيس وزراء العدو على ذلك بقوله: إن بلاده تواجه تحديا جديدا في سورية لقوى تابعة للجهاد العالمي وهي الأكثر عداء لإسرائيل، وثبت لكل مطلع متابع متجرد أن الموقف الإسرائيلي الفعلي في الدوائر الضيقة لصناعة القرار في النهاية وفيما ذهب إليه المحللون حتى الساعة هو تفضيل المراهنة على نظام بشار من أجل الأمن الإسرائيلي ولأنه أعلى ضمانا من أي نظام قادم، وقد ذكر العميد احتياط القائد الركن في شمال إسرائيل رافي نوي ليديعوت أحرنوت بتاريخ 13/11/2012 أن نظام الأسد أفضل من الثوار لهدوء جبهتنا أي وتوسيع المستوطنات وأن مصلحة إسرائيل هي أن يبقى الحكم العلوي في دمشق، صحيح أنه توجد نقطة واحدة تشكل بالنسبة لنا عقبة في نظام الأسد وهي الجسر الذي يستخدمه بين إيران وحزب الله ولكن الوضع يمكن أن يكون أسوأ بعد تغيير الحكم، إننا نعيش مع هذا النظام منذ عشرات السنين بنجاح وهدوء، وفي هذا الصدد يأتي أستاذ القانون الدولي وأحد مؤسسي مجلس شورى حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عضو البرلمان الألماني السابق "نورمان بيتش" ليقول باتصال هاتفي معه: إن مصلحة الكيان الصهيوني تكمن ببقاء بشار الأسد ونظامه على قيد الحياة لأن انتفاضة الشعب السوري مضرة بوجود هذا الكيان الذي يشعر بالخطر منذ الإطاحة بأنظمة مصر وتونس وليبيا ونجاح الإسلاميين في حكم بلادهم، ولذا فإن أعداء الثورة يتواصلون لرفع الضغوط الدولية عن دمشق وهو ما تعمل له إسرائيل، هكذا أفاد نورمان بيتش الذي كان ضمن أعضاء سفينة الحرية مرمرة التي كانت تريد فك الحصار عن غزة 31/ مايو 2010 وما قاله كان قد أكده وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر من أن ما يجري في سوريا انتفاضة شعب من أجل حريته، وبما أن الأسد اليوم يريد الهروب إلى الأمام فعلا، فلماذا تتدخل إسرائيل لإنقاذه من خلال خدمة أهدافه ولتستمر الأزمة السورية لسنوات، وهي تدرك يقينا أن مخالب الأسد تتكسر أمام المقاومة الشعبية والجيش الحر، وكما يقول الأستاذ صبحي الحديدي فإن اندلاع أولى المواجهات العسكرية بين القوات السورية والمقاومة الشعبية في القرى المحاذية لإسرائيل خصوصا ريف القنيطرة، البريقة وبيرعجم التي لا يجوز للجيش السوري النظامي أن يستخدم فيها أي أسلحة، لكنه قصف بشدة وبمعدل قذيفة لكل دقيقة وبقيت إسرائيل ساكتة ما عدا طلقات وردود خلبية لذر الرماد في العيون، وتفسير ذلك واضح وهو أن هذه العملية تخدم إسرائيل ولذا فإنها قبلتها وتقبلتها لأن الصهاينة يعرفون أن الحقيقة حماية أمنهم وليس زعزعتهم.
ولعل كلنا يعرف أن إسرائيل تريد الاستقرار والأمن في السلم والحرب ولأن هذا في تعهداتها مع نظام الأسد الأب والابن فإن ابن خال بشار رامي مخلوف أكد منذ 18 شهرا كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أنه إذا لم يتوافر استقرار هنا في سوريا فلا سبيل إلى الاستقرار في إسرائيل، وإسرائيل تعرف أنه إذا تآكل النظام الأسدي في البلاد فإن هذا سينتقل إلى هضبة الجولان فلا غرابة بعد ذلك أن يرسل وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك رسالة تسلم إلى بشار يحذره بفزاعة القاعدة ومقاتليها على الحدود وهذا ليس فيه أمان للأسد ولا لإسرائيل، وعلى هذا الضوء يفهم سيناريو المناوشات بين القوات السورية وجيش الاحتلال في الجولان وتطبخ الأمور لإخراجها بهذه المسرحية شأنها شأن عشرات المسرحيات التي أعدت وأخرجت في زمن حافظ وبشار، ولذا يرى الكاتب السياسي والمحلل الاستراتيجي اللواء أركان حرب عبد الحميد عمران "أن سيناريو نظام الأسد هو الاستمرار في افتعال الأزمات على الحدود تارة مع تركيا وأخرى مع الكيان الصهيوني المحتل كنوع من تصدير الأزمة وأقلمتها وهو السيناريو الأكثر قتامة". ولذلك ولمعرفة هذا الكيان بالحقيقة فإنه يسعني جاهدا إلى عدم سقوط الأسد إلا بعد الاطمئنان على خليفته ومن سيحمل راية الخيانة بعده وهذا ما أكده لافروف وزير الخارجية الروسي الخاضع للوبي الصهيوني في موسكو بعد لقائه مع وزراء مجلس التعاون الخليجي في الرياض من أن رحيل الأسد يعني المزيد من الدماء، وهو ما تبين أنه يصيب في الهدف نفسه عندما ذكر رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي السابق أفرايم هليفي في تصريح لإذاعة جيش الاحتلال أن التغيير في سوريا قد لا يكون لمصلحة إسرائيل وأن المرحلة المقبلة ليست بالضرورة ستكون باعثة على التفاؤل من نواح عديدة وستجلب المخاطر الكثيرة ومن الممكن أن تكون تبعات ما يجري صعبة على إسرائيل، ولذا هاجم نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الشؤون الإستراتيجية موشيه يعالون الربيع العربي وقال: إنه لن يجلب الديمقراطية إلى المنطقة.
إننا نؤكد أن فزاعة الحرب مع إسرائيل واستخدام نظام الأسد هذه الورقة ما هي إلا لتخفيف الضغط الداخلي عليه من جهة ومحاولة اكتساب تعاطف شعوب الدول العربية والإسلامية وبالتالي الاستعداء على الجيش الحر المقاوم ضده، وأما في التعليق بالحرب على غزة هاشم التي كلما هدأت بدأت فنرى أن المجاهدين يسحقون العدوان فيها كما نراهم في دمشق بني أمية وهم يحطمون رأس خادم الصهيونية الأسدي، ويدفعون ضرائب ذلك من دمائهم وممتلكاتهم، ولكن هكذا تجري سنة الله في عباده، بيد أن الذي يثير الضحك والاشمئزاز هو ما تصرح به الحكومة السورية عبر إعلامها من أنها تدين المجازر الوحشية في غزة، أما هم فكأنه ليس عندهم أي مجازر في الماضي والحاضر، لقد تفاخر أحد الجنرالات الإسرائيليين حين قال: إن نسبة ما يقتل في غزة بسيط بالنسبة لما يقوم به بشار، وهنا علق بعض المنافقين بقوله: إن مجزرة ترتكب على يد طاغية عربي أهون من المجازر على يد الصهاينة، على أن بعض المحللين يذهب إلى أن المؤامرة كبيرة، من أهمها أن اللوبي الصهيوني المتعمق في المسألة السورية يريد أن يضرب غزة ويضعف مصر ويجرها إلى حرب مفاجئة ويصرف أنظار العالم عما يجري من مذابح يومية في سوريا تشيب لهولها الولدان، وهذا صحيح لمن عرف حقيقة نظام الأسد وخياناته العديدة ولكن يجب ألا ننسى أنه في الوقت الذي يصب فيه الحميم الحارق على أهلنا في غزة تصب براميل البارود الجهنمية على النساء والأطفال والشيوخ والأحرار في دمشق وسوريا، ولن نعجب من ذلك فالولد سر أبيه وما أشبه الليلة بالبارحة ففي الوقت الذي كان فيه مناحيم بيغن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق عام 1981 ووزير دفاعه شارون يضم الجولان إلى الاحتلال كان حافظ الأسد منشغلا بالمجازر البشعة ضد أهلنا في سوريا بجبل الزاوية وسرمدا وحلب وتدمر والعباسيين في دمشق، ولذا فإن الدم الغزاوي والفلسطيني والسوري واحد والهدف واحد والعدو واحد، وإن انتصار إخوتنا في غزة وانتصار الثورة السورية بات مسألة حتمية في بلاد الشام بعون الله وإن غدا لناظره قريب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من نهائي كأس الأمم الإفريقية الذي جمع بين منتخب المغرب ومنتخب السنغال. مباراة كان من المفترض أن تعكس روح التنافس والاحتكام للقوانين، لكنها شهدت أحداثًا وأجواءً أثارت الاستغراب والجدل، ووضعت علامات استفهام حول سلوك بعض المسؤولين واللاعبين، وما إذا كانت المباراة حقًا تعكس الروح الرياضية التي يفترض أن تحكم مثل هذا الحدث القاري المهم. الموقف الأول يتعلق بتصرف مدرب منتخب السنغال، بابي ثياو، حين طلب من لاعبيه الانسحاب. هذا السلوك يثير علامات استفهام عديدة، ويُفهم على أنه تجاوز للحدود الأساسية للروح الرياضية وعدم احترام لقرارات الحكم مهما كانت صعبة أو مثيرة للجدل. فالمدرب، قبل أن يكون فنيًا، هو قائد مسؤول عن توجيه لاعبيه وامتصاص التوتر، وليس دفع الفريق نحو الفوضى. كان الأجدر به أن يترك الاعتراض للمسارات الرسمية، ويدرك أن قيمة الحدث أكبر من رد فعل لحظي قد يسيء لصورة الفريق والبطولة معًا. الموقف الثاني يتعلق بضربة الجزاء الضائعة من إبراهيم دياز. هذه اللحظة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه. هل كان هناك تفاهم صامت بين المنتخبين لجعل ضربة الجزاء تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المباراة؟ لماذا غابت فرحة لاعبي السنغال بعد التصدي؟ ولماذا نُفذت الركلة بطريقة غريبة من لاعب يُعد من أبرز نجوم البطولة وهدافها؟ برود اللحظة وردود الفعل غير المعتادة أربكا المتابعين، وترك أكثر من علامة استفهام دون إجابة واضحة، مما جعل هذه اللحظة محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن القول إن اللقب ذهب لمن لا يستحقه، فمنتخب السنغال بلغ النهائي بجدارة، وقدم مستويات جيدة طوال مشوار البطولة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب أثبت أنه الأجدر والأقرب للتتويج بما أظهره من أداء مقنع وروح جماعية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. هذا الجيل المغربي أثبت أنه قادر على تحقيق إنجازات تاريخية، ويستحق التقدير والثناء، حتى وسط لحظات الالتباس والجدل. ويحسب للمنتخب السنغالي، قبل النتيجة، الموقف الرجولي لقائده ساديو ماني، الذي أصر على عودة زملائه إلى أرض الملعب واستكمال المباراة. هذا القرار جسد معنى القائد الحقيقي الذي يعلو باللعبة فوق الانفعال، ويُعيد لكرة القدم وجهها النبيل، مؤكدًا أن الالتزام بالقيم الرياضية أحيانًا أهم من النتيجة نفسها. كلمة أخيرة: يا جماهير المغرب الوفية، دموعكم اليوم تعكس حبكم العميق لمنتخب بلادكم ووقوفكم معه حتى اللحظة الأخيرة يملؤنا فخرًا. لا تحزنوا، فالمستقبل يحمل النجاح الذي تستحقونه، وستظلون دائمًا مصدر الإلهام والأمل لمنتخبكم.
3930
| 20 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1461
| 16 يناير 2026
لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية أو الأرقام المجردة، بل كثيراً ما تتشكل من مشهد عابر، أو جملة قيلت بعفوية، أو انطباع صادق خرج من قلب تجربة حقيقية. وأنا أتابع مؤخراً أحد المقاطع المتداولة لسيدة خليجية تتحدث مع صديقتها، لم أجد إعلاناً سياحياً، ولا لغة ترويجية، بل وجدت دهشة صادقة وهي تكرر (في قطر شيء مختلف) جميلة، مناسبة، ومريحة. توقفت عند هذه العبارة طويلاً واستوقفني المقطع رغم بساطته، لأنها اختصرت ما تسعى إليه المدن حين تبحث عن مكان لها في ذاكرة زوارها. من هنا يبرز السؤال المشروع: هل الدوحة فعلاً الوجهة المناسبة للعائلة الخليجية؟ أم أننا أمام حالة عاطفية مؤقتة؟ الإجابة في تقديري تتجاوز الانطباع الفردي، وتتأسس على مسار واضح من العمل والرؤية. تصريح سعادة السيد سعد بن علي الخرجي، رئيس قطر للسياحة ورئيس مجلس إدارة Visit Qatar، على هامش أعمال ملتقى الاتصال الحكومي يؤكد أن فوز الدوحة بلقب عاصمة السياحة الخليجية لم يكن محض تكريم رمزي، بل اعتراف بجهد ممنهج استهدف تصميم تجربة سياحية تنسجم مع طبيعة المجتمع الخليجي. وحين تشير الإحصاءات إلى أن 35 بالمئة من زوار دولة قطر في عام 2025 هم من دول مجلس التعاون، فإننا أمام مؤشر واضح على مستوى القبول والثقة التي تحظى بها الدوحة لدى العائلة الخليجية. مدينة الدوحة لا تسعى لأن تكون مدينة صاخبة أو وجهة ترفيهية منفصلة عن محيطها الاجتماعي، بل تقدم نفسها كمساحة متوازنة، يشعر فيها الزائر بالألفة دون أن يفقد عنصر الاكتشاف. هذا الإحساس بالراحة لا يُفرض، بل يتشكل تدريجياً من خلال التفاصيل اليومية، وسهولة الحركة، وطبيعة التعامل، وغياب التوتر. ولعل أكثر ما يلفت في التجربة القطرية هو عامل الأمن والاستقرار، الذي لا يُطرح كشعار، بل يُمارس كواقع. فحين تكون المدينة آمنة، فإن العائلة تتحرك بثقة، وتستمتع دون قلق، وتعود بذاكرة إيجابية. وقد أكد رئيس قطر للسياحة أن دولة قطر تُعد من أكثر دول العالم أمناً، وهو عنصر لا يمكن فصله عن قرار السفر، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والدولية. وفي المشهد الحضري، نجحت الدوحة في تحقيق معادلة صعبة، تقوم على التحديث دون اقتلاع الجذور. فالأسواق التقليدية، وفي مقدمتها سوق واقف، لا تزال حاضرة كفضاء حي، لا مجرد معلم للزيارة. وإلى جانب ذلك، برزت المتاحف في قطر كعنصر جذب ثقافي مهم، بما تحمله من تنوع في المضامين والرسائل، حيث لا تكتفي بعرض التاريخ، بل تفتح نوافذ على الهوية، المعرفة، الفكر، والتفاعل مع العالم. هذا التنوع الثقافي يمنح العائلة الخليجية، كما السائح الدولي، تجربة معرفية تكمّل الجانب الترفيهي وتمنحه عمقاً. ولا يمكن تجاهل دور المواسم والفعاليات التي صُممت بروح عائلية، سواء تلك المرتبطة بالتراث، أو الفعاليات الغذائية ذات الطابع المحلي، أو البرامج الرمضانية التي تعكس خصوصية المجتمع القطري. هذه الأنشطة لا تبدو مفروضة على المكان، بل نابعة منه، ما يعزز شعور الزائر بأنه جزء من المشهد لا مجرد عابر فيه. من زاوية أوسع تبدو السياحة في قطر جزءاً من رؤية أشمل للأمن الوطني بمفهومه المتكامل. فالدولة التي تنجح في بناء صورة ذهنية إيجابية، واستقطاب الزوار في بيئة منظمة، وتحويلهم إلى رواة للتجربة، إنما تعزز استقرارها، وتدعم اقتصادها، وتكرس قوتها الناعمة. السياحة هنا ليست قطاعاً خدمياً فقط بل أداة لبناء الثقة داخلياً وخارجياً. اللافت أن كثيراً من الترويج لدولة قطر اليوم لا يأتي من الإعلانات الرسمية فقط، بل من أصوات الزوار أنفسهم. تلك المقاطع العابرة والرسائل العفوية، والنصائح التي يتبادلها السياح الخليجيون فيما بينهم، تحمل أثراً أعمق من أي حملة منظمة. وهي بالنسبة لنا لحظات تستوقفنا، وتبعث فينا شعوراً بالاعتزاز والفخر، لأن الدوحة لم تعد مجرد خيار محتمل، بل وجهة يُدافع عنها ويُوصى بها. في ضوء ذلك، أجد أن السؤال لم يعد هل الدوحة مناسبة للعائلة الخليجية؟ بل أصبح: كيف نجحت الدوحة في أن تكون كذلك دون أن تتنازل عن هويتها؟ الإجابة تكمن في التوازن بين الأمن والخصوصية، وبين الحداثة والأصالة، وبين التخطيط والروح الإنسانية التي يشعر بها الزائر قبل أن يراها. وهكذا، تثبت الدوحة أنها ليست محطة عابرة في خريطة السياحة الخليجية، بل وجهة حقيقية، وذاكرة جميلة، وخيار صحيح للعائلة الخليجية والعربية الباحثة عن تجربة تجمع الراحة والهوية.
714
| 16 يناير 2026