رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"أي نفر يشوف ناس من طرف خشم مالهوا... ربي يعاقب هوا"
استغرب.. لا بل استحقر هذه النظرة الدونية من قبلنا تجاه الهنود.. فلماذا ننتقص من قيمتهم وهم أعلى شأنا منا؟! ليس لدي إجابة على ذلك.
يشارك منتخب الهند في بطولة كأس آسيا لكرة القدم التي تستضيفها الدوحة هذه الأيام، وشهدت مبارياته الثلاث التي خسرها جميعها تفاعلا وحضورا جماهيريا كبيرا، إذ ضربت الجالية الهندية هنا أروع مثل في حب الوطن بالوقوف خلف منتخب بلادها وتشجيعه بحماس كبير وقوة متناهية منذ قبل أن يطلق حكم المباراة صفارته إيذانا ببدء المباراة وحتى بعد أن يطلقها للمرة الأخيرة معلنا عن انتهائها. ولا تنقطع هذه الجماهير ولو لبرهة عن تشجيع لاعبي بلادهم، رغم تواضع مستواهم، ومهما كانت نتيجة المباراة سلبية ضدهم ولا عدد الأهداف المسجلة في مرماهم.
لكن العرب لم يرق لهم تواجد الهند في هذه البطولة، وكالوا بلد المليار نسمة ذما وقدحا وعنصرية ونظرة دونية لا حدود لها في وسائل إعلامهم المختلفة، هكذا من دون أي مبرر.
اقرأ على سبيل المثال هذا التصريح الذي ورد في صحيفة عربية: "ودع المنتخب السعودي كأول فريق يغادر من كأس آسيا بهزيمتين متتاليتين من سوريا والأردن فحتى المنتخب الهندي لا يزال ينافس على الصعود للدور الثاني". ومناسبة هذا الكلام خروج المنتخب السعودي الشقيق من البطولة بعد أن تعرض للخسارة الثانية على التوالي أمام شقيقه الأردني بهدف نظيف، وكان قد خسر قبلها أمام الأشقاء السوريين بهدفين مقابل هدف أيضا.. ولكن ضعوا خطين تحت فقرة "حتى المنتخب الهندي" في التصريح. لماذا نزج بالهند هنا؟ وما هي المناسبة التي جعلت هذا الصحفي السخيف يربط خروج السعودية بالمنتخب الهندي دون غيره من المنتخبات المشاركة في البطولة؟
عبارة "حتى المنتخب الهندي" تكرر استخدامها على سبيل الاستهزاء كثيرا في وسائل إعلامنا قبل مجالسنا ومنتدياتنا، ولا غرابة في ذلك فوسائل إعلامنا مرآة لمجتمعاتنا ومجتمعاتنا مرآة لإعلامنا.
كاتب آخر ينتقد خروج المنتخب السعودي من البطولة الآسيوية بالدوحة. وبعد شرح تفصيلي ممل كتب أيضا ".. وحتى الهند الأضعف في البطولة..".. هكذا من غير مقدمات ينتقص من الهنود. وعلى غراره كتب آخر ".. خيبة المنتخبين السعودي والكويتي اللذين خسرا مرتين تماماً مثل المنتخب الهندي.." فأصبحت الهند كالطوفة الهبيطة لكل من هب ودب.
وعندما لم يتمكن المنتخب الإماراتي من تسجيل أي هدف في مباراتيه الأولتين كتبت صحيفة عربية أخرى تقريرا أشارت فيه إلى فشل خط هجوم الأبيض، أي المنتخب الإماراتي كما يحلو لعشاقه أن يطلقوا عليه، بعد جولتين في بطولة أمم آسيا لكرة القدم، في فك عقدة التسجيل، والوصول إلى مرمى المنافس، حيث عجز عن إحراز أي هدف، واحتل المركز الأخير، في ترتيب خطوط هجوم المنتخبات المشاركة في البطولة الآسيوية، حيث تفوقت عليه كافة المنتخبات الأخرى، بما فيها الهند أضعف المشاركين، بعد أن سجل هجومها هدفين".
وقناة الجزيرة الرياضية، التي تنتمي إلى شبكة قنوات الجزيرة الفضائية صوت المواطن العربي لم تشذ عن القاعدة، وعندما استضافت سعادة محمد بن همام رئيس الاتحاد الآسيوي في برنامج "ليالي آسيا" الذي يبث على الهواء مباشرة يوميا ضمن برامجها الخاصة بكأس آسيا منذ يومين تقريبا حشرت الهند في الحوار.
وحيث إنها قناة عربية، فمن الطبيعي أن تستهين بمشاركة الهند في البطولة، وتنقل إلى بن همام الانتقادات التي وجهت إلى الاتحاد الآسيوي لمشاركتها في الدورة، علما بأن هذه الانتقادات مصدرها فقط المنطقة العربية، وبشكل أكبر منطقة الخليج. وكم كان بن همام حكيما في رده مشيدا بهذا البلد العظيم عندما أكد قائلا: "الهند هي بلد المليار نسمة ولا يجوز شطبها بهذه البساطة من معادلة الكرة الآسيوية بالرغم من المستوى المتواضع التي ظهرت به، بل على عكس ما يقال وانطلاقاً من قاعدة أن كرة القدم للجميع يجب دفع الهند وحثها على المشاركة وبذل المزيد من المجهود بغية تقديم نتائج أفضل وبالتالي إعطاء كرة القدم فرصة للتوسع والانتشار في هذا البلد الكبير".
رسامو الكاريكاتير من جهتهم انضموا إلى قافلة المستهزئين والمستهترين بالشعب الهندي، ولا أبالغ عندما أشير إلى أن صحفنا الخليجية تشهد بشكل شبه يوميا كاريكاتيرا رياضيا يسخر من الهنود.. فعندما نجد رسما كاريكاتيرا يوضح أحد الجماهير العمانية ينظر وهو في المدرجات بحسرة إلى لاعب هندي لا يجيد ركل الكرة فتلك إهانة غير مقبولة، وتكشف عن نظرة دونية وعنصرية تجاه شعب عريق.
الشعب الهندي له دور بارز في بناء دول المنطقة وتكاد الحياة لا تقوم هنا من غير دعمهم وعملهم وجهودهم.. تخيلوا حياتنا من غير الهنود أو من غير الوافدين. يقيم في قطر وغيرها من دول الخليج جنسيات متعددة ومن بينهم الهنود وقد تكون هي الجالية الأكبر عندنا، وهذا أمر طبيعي لأن الهند دولة ذات كثافة سكانية كبيرة ويهاجر أبناؤها إلى مختلف دول العالم بحثا عن العيش.
ولا يقتصر التواجد الهندي في الدوحة أو دول الخليج على الطبقة العاملة فقط، وتحديدا من الخدم وعمال النظافة والبناء ذوي الأجور الضعيفة، إنما هناك الكثير من الكفاءات والكوادر الهندية تعمل في قطاعات الهندسة والبترول والغاز والصحة والتعليم. والحقيقة أن العلاقات الخليجية والعربية والإسلامية مع الهند هي علاقة وثيقة تعود جذورها إلى سنوات بل عقود طويلة.
وكما يقول كاتب هندي إن هذه العلاقات تطورت عبر سنوات طويلة منذ فجر التاريخ ولا يبالغ أحد في القول إن علاقات الهند مع العرب قديمة قدم التاريخ نفسه، وكانت هناك دواع كثيرة تشجع العرب والهنود معا في تحقيق تواصل اكبر بين الثقافتين العربية والهندية. وليس مستغربا أن كثيرا من الأسر العربية المتميزة والنبيلة يلقبون أنفسهم بالهندي ويسمون بناتهم بالهند.
مدرب منتخب الهند الإنجليزي بوب هاوتون أعلن بعد انتهاء مشاركة فريقه في البطولة قائلا بكل فخر: "نعود إلى الهند مرفوعي الرأس رغم الخسائر".. وعلى أي فتاة اسمها هند أن تشعر بالفخر لأنها تحمل هذا الاسم.
وعلى الذين ينتقصون من قيمة الهنود وينظرون لهم من طرف أنوفهم أن يتعلموا من الرجل الهندي البسيط الذي يأتي إلى دول الخليج معدوما وهو لا يحمل مالا ولا شهادة ولا يجيد اللغة العربية حتى. لكنه يعمل ليل نهار لإعالة أسرته، ثم يعود لبلده بعد سنوات وقد أسس نفسه وأعتمد عليها. قم بزيارة أي صراف أو فرع لـ "فرست يونيون" وراقب صفوف العمال، ومنهم الهنود، الذين يحولون مدخولهم إلى بلادهم.
مكرمة مسيعيد
لست هنا بصدد الحديث عن الحلال والحرام في شراء أسهم شركة مسيعيد للبتروكيماويات القابضة، التي تنتهي عملية اكتتابها... اقرأ المزيد
1737
| 06 يناير 2014
العاشق لمهنته
"لك الإكبار يا عملي .. أحبك دونما ملل". هذا بيت شعر جميل من أنشودة قرأتها منذ اسبوعين تقريبا... اقرأ المزيد
1153
| 30 ديسمبر 2013
4000 تغريدة
في رأيي أن المجتمعات الخليجية هي أحوج ما تكون إلى ثقافة تقبل النقد من جهة، وإلى ممارسة النقد... اقرأ المزيد
849
| 02 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4902
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4299
| 23 سبتمبر 2026