رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الثامن من أكتوبر من العام الماضي 2013 وبعد أن فشلت الحكومة العراقية في تقديم أدلة جنائية كافية ووثائق على مستوى من المقبولية الدولية قررت سكرتارية منظمة الإنتربول شطب (النشرة الحمراء) ذات الرقم 297774/2012 التي كانت أصدرتها بحقي وعممتها على الدول 190 الأعضاء في المنظمة وذلك في مارس من عام 2012، وهكذا أسدل الستار على محاولة يائسة من جانب نوري المالكي للتضييق علي والحد من حرية تحركي عالميا.
خلال سبعة عشر شهرا وهي الفترة الفاصلة مابين 7/5/2012 و8/10/2013 قصة، هكذا بدأت.
على غير المألوف وفي صباح يوم السابع من مارس في عام 2012 تزاحمت وكالات الأنباء على مكتبي تلتمس تعليقاً على (نشرة حمراء)، أصدرتها بحقي منظمة الإنتربول، وكانت مفاجئة، لم أتحسب لها ولم أتوقعها إطلاقاً أولا لثقتي بمهنية المنظمة وثانيا لأن دستور المنظمة يمنعها من الانخراط في متابعة الجرائم ذات الطبيعة السياسية أو الدينية أو العشائرية القبلية.. كان فهمي هكذا أن المنظمة لن تورط نفسها في ضوء ذلك بخلاف سياسي جمع قطبي السلطة في العراق نائب رئيس جمهورية وهو يمثل مكوناً رئيسا من مكونات المجتمع العراقي ورئيس الوزراء يمثل مكون رئيس آخر، لم أتوقع أن منظمة رصينة كمنظمة الإنتربول سوف تتعامل مع أي طلب يصلها من الداخلية العراقية بهذه البساطة وبهذه السرعة، دون تحرٍ أو تدقيق، رغم الانحطاط في سمعة حكومة نوري المالكي على الصعيد الدولي طال جميع مجالات الحياة وعلى وجه الخصوص ملف حقوق الإنسان.. لكن حصل ما لم يكن في الحسبان. ومع ذلك لم أجزع ولم اقلق بعد أن كنت فوضت أمري إلى الله سبحانه.
وبعد أن تأكد الخبر أصدرت بياناً أحدهما بالعربية والآخر مترجم للإنكليزية وعبرت عن أسفي واستعدادي للطعن بقرار الإنتربول. نظرت من نافذة شقتي في إسطنبول ورأيت حشداً كبيراً من الصحفيين ومراسلي وكالات الأنباء، وكنت في يومها مدعواً للقاء شخصية سياسية في أنقرة، حيث غادرت اليها وعقدت هناك مؤتمراً صحفياً قرأت فيه البيان باللغتين وأجبت على أسئلة الصحفيين وكلفت مكتب محاماة متخصص لمتابعة الموضوع مع المنظمة ثم تبرع محامي فرنسي اخرفي وقت لاحق وهو متمرس في قضايا الإنتربول قدم طعناً رائعاً سلط الضوء على المخالفات التي ارتكبتها المنظمة في تعاطيها مع مذكرة وزارة الداخلية العراقية.
حكومة بغداد لم تكتف بذلك بل خاطبت الدول التي أقيم على أراضيها برسائل عن طرق الخارجية تطالبها بإلقاء القبض علي وتسليمي إليها؟! وهو ما تجاهلته تلك الدول جملة وتفصيلاً، ليقينها بان جميع التهم مفبركة ليس إلا.
لماذا تحركت حكومة نوري المالكي وفاتحت منظمة الإنتربول وطالبت بتسليمي إليها بعد أن كان المالكي حريصاً على إبعادي من العراق باي ثمن بل حتى إخراجي حتى من كردستان!! الم يطلب من السيد مسعود البارزاني تهريبي؟ وهو ما كان السيد البارزاني قد استهجنه ورد عليه بقوة قائلاً (هل يحسب نوري المالكي إقليم كردستان مجموعة من المهربين؟) لقد تحقق لنوري المالكي ما أراد ورغم ذلك لجأ إلى منظمة الإنتربول بعد أن أغضبها استقبال الدوحة لي بتاريخ 16 مارس 2012 بشكل رسمي ومقابلتي في اليوم التالي أمير دولة قطر في حينه الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ونشر المقابلة في وسائل الإعلام تأكيدا بان وضعي القانوني وموقعي الوظيفي لم يتغيرا، إيمانا من دولة قطر ببراءتي ونظافة سيرتي من جميع التهم التي فبركها نوري المالكي، التقيت فيما بعد أيضاً بولي العهد في حينه الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وكذلك بالشيخ حمد بن جاسم آل ثاني رئيس الوزراء آنذاك وكانت لقاءات طيبة كالعادة تأكد لدي من خلالها أن دولة قطر كانت متفهمة لاستهدافي، شكرتهم على موقفهم ثم زرت بعد قطر المملكة العربية السعودية والتقيت بالأمراء ومن بينهم الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية، ونشر خبر اللقاء في الإعلام.
لكن موقف التحدي جاء من تركيا حيث صرح الأخ رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء في رده على موقف الحكومة العراقية التي أرعدت وأزبدت حنقا وغضبا، أن تركيا سوف تفتح أبوابها لضيافتي للفترة التي أشاء وأنها ستدافع عني لثقتها ببراءتي منتقدة بمرارة نهج المالكي الطائفي من سنة العراق. ربما فوجئت حكومة المالكي بموقف تركيا وكانت تتوقع أنها اشترت موقفها ببضعة عقود، وحقيقة العراق وليست تركيا بحاجة إليها.
جن جنون المالكي، وحرك ماكينته الإعلامية الرديئة في النيل من دولة قطر ومن تركيا، وهدد بملاحقتي عن طريق منظمة الإنتربول وهذا هو ما فعله.
تجاهلت تركيا ودولة قطر النشرة الحمراء التي أصدرها الإنتربول لأسباب موضوعية وليقينها بان القضية مسيسة من ألفها إلى يائها وبالمناسبة النشرة لاتستدعي القبض بل تحديد التنقل بين الدول والإخبار عن المكان. وهذه ليست المرة الأولى بل سبق لهاتين الدولتين أن تحفظتا على ملاحقة الانتربول لشخصيات عربية معارضة، دولتان أصبحتا بحق ملاذا للمظلومين.
لم أتقدم بطلب زيارة أي دولة أخرى، ولم أكن بحاجة لذلك، وجاءت زيارتي لبروكسل بتاريخ 17 تشرين ثاني 2013 استثناءً حيث وجهت لي دعوة من لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الأوروبي، لبيت الدعوة، قابلت وحاورت وألقيت محاضرات.. أنجزت المهمة وغادرت بروكسيل ولم أكن اعلم في حينها أن الإنتربول كان ألغى النشرة الحمراء قبل أيام. وأبلغت بذلك فيما بعد لكني لم احصل على الوثيقة الرسمية إلا مؤخرا عندما اطلعت بنفسي على محضر اجتماع السكرتارية العامة للمنظمة والتي قررت إلغاء النشرة الحمراء في اجتماعها يوم 8 أكتوبر 2013 للأسباب التي وردت أنفا.
إضافة لجهود المحامين فإن دولة شقيقة وفت بما وعدت به، وبذلت ما في استطاعتها لإثبات أن قضية الهاشمي (سياسية بامتياز) وبالتالي لا ينبغي أن تكون المنظمة طرفا فيها طبقا لدستورها. نجحت المساعي بحمد الله، فلها ولكل من أسهم في هذا النجاح شكري وخالص دعائي.
قرار الإنتربول بإلغاء النشرة الحمراء سابقة محمودة آمل انها ستدفع المنظمة إلى إعادة النظر بقائمة الشخصيات التي طلبت الحكومة العراقية ملاحقتها لأسباب مختلفة وستكتشف المنظمة أن هناك الكثير من القضايا التي لا تختلف كثيرا عن قضيتي حيث يقتضي العدل مراجعتها. أصبحت الآن أتمتع بهامش لا حدود له في التحرك على الصعيد العالمي وهو ما سأوظفه بإذن الله تعالى من أجل نقل معاناة أبناء شعبي للعالم اجمع من المسلوبين حقهم في الحريات العامة والخاصة، الراقدين خلف القضبان وهم أبرياء كانوا أخذوا بالشبهة، المهمشين والجياع والمشردين والمحرومين من ثروات بلدهم.. سأكون لهم المنبر والصوت والموقف.. حتى يبرأ بلدي مما أصابه من ضر ونؤسس بتوفيق الله لدولة القانون والمؤسسات والعدل.
هذه صفحة من صفحات الصراع بين الحق والباطل، بين الظلم والعدل، انتصر فيها الحق والعدل، ولابد أن هذه الحادثة ستثير انتباه المعنيين بالعدالة وحقوق الإنسان في العالم اجمع وتلفت أنظارهم إلى الوضع الحقوقي والإنساني الذي تراجع بشكل حاد منذ أن ابتلي العراق برئيس حكومة لا يحترم قانونا ولا دستورا ولا عرفا ولا تقليداً بل جعل الشيطان له قرينا فساء قرينا.
في سجون المالكي اليوم السرية والعلنية الآلاف من الأبرياء من العرب السنة اخذوا بالشبهة وحرموا من حقهم بالحرية ومضى على الكثيرين منهم سنوات دون إذن بالقبض، ودون تحقيق أو محاكمة، أما الناشطين منهم فإن المادة 4 إرهاب لهم بالمرصاد، ولدى الحكومة الظالمة مشروع كامل للظلم ابتداء من المخبر السري، إلى انتزاع الاعترافات الكاذبة بالإكراه، إلى شهود الزور، إلى الجرائم المقيدة ضد مجهول، إلى القضاة الفاسدين، إلى إصدار أحكام الإعدام إلى تنفيذها... من لهؤلاء المظلومين بعد الله سبحانه وتعالى غير ناشطين شجعان من شرفاء العالم يتصدون معنا لهذا الظلم ويعينونا في إقامة دولة المؤسسات والعدل.
لقد كانت مفارقة تدعو للاستغراب أن يرد الظالم نوري المالكي بالرفض على طلب الأمين العام للأمم المتحدة خلال زيارته الأخيرة لبغداد بإيقاف تنفيذ أحكام الإعدام بعد أن ثبت للامين العام من خلال المنظمات المتخصصة بحقوق الإنسان أن حكومة نوري المالكي بذريعة الاتهام الباطل بالإرهاب إنما تسوغ لقتل شباب العرب السنة في إطار حملة التطهير المذهبي التي لم تتوقف منذ 2005، لكن ماذا بعد؟ فهل ستتحرك المنظمة الدولية وتدافع عن القيم التي انبثقت من اجلها منظمة الأمم المتحدة أم ستغض النظر عن انتهاكات حكومة نوري المالكي وتكتفي بإصدار بيانات لاتغني ولاتسمن من جوع؟ لننتظر ونرى.
لقد هيمن نوري المالكي على القضاء بالتواطؤ مع رئيسه مدحت المحمود وفقد استقلاليته وحياده، ولهذا لابد أن يعوض القضاء الدولي ما فقده المواطن العراقي من مؤسسات عدلية حرفية كان يلجا اليها وهو مطمئن أن حقه لن يضيع.
هذه قضيتي مع الإنتربول عززت إيماني بنصر الله سبحانه للصابرين ولو بعد حين.
بسم الله الرحمن الرحيم (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) الآية 39 - الشورى
النظام في إيران بين خطاب التبرير وسياسات التصعيد
دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر الأمني مع اتساع رقعة الحرب التي اندلعت في 28 فبراير... اقرأ المزيد
657
| 17 مارس 2026
وداعاً أيها الراقي المتميز
يوم الأحد الماضي وردنا خبر وفاة مذيع قناة الجزيرة المتألق الراحل جمال ريان، رحمه الله وغفر له، والذي... اقرأ المزيد
504
| 17 مارس 2026
رمضان ليس موسماً للتسول
يأتي شهر رمضان كل عام محملًا بقيم الرحمة والتكافل الاجتماعي، وهو شهر تتضاعف فيه أعمال الخير، ويحرص الناس... اقرأ المزيد
162
| 17 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
1821
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1521
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1275
| 11 مارس 2026