رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
غبت عن السعودية نحو عشر سنوات، وعندما عدت إليها في الأسبوع الماضي لاحقتني المفاجآت حينما ذهبت، وأدركت أننا نرى السطح فيها ولا نعرف شيئا عما يجري تحته.
ــ1ــ
أولى المفاجآت كانت على الطائرة، حيث أتيح لي أن أطالع الصحف السعودية الصادرة صبيحة يوم 12/3.
واكتشفت أنها جميعا تتحدث عن أمور لم نسمع بها جرت في جامعة الملك خالد بمنطقة عسير جنوبي المملكة إذا نقلت وقائع لقاء استمر ثلاث ساعات لأمير منطقة عسير مع 500 طالب وطالبة لمناقشة المشكلات التي يعانون منها في الجامعة. وفي اللقاء لخص الطلاب مطالبهم في 23 بندا أولها المطالبة بإقالة إدارة الجامعة في مدينة أبها. وتحدث أمير المنطقة الأمير فيصل بن خالد، قائلا إن «ما تطالبون به حق مشروع لكم. فأنتم لم تطلبوا سوى تحسين وتطوير المستوى التعليمي الجامعي» ومما أسفر عنه الاجتماع أن الأمير رحب بتشكيل لجنة تمثل الطلاب لمتابعة حل المشكلات التي يعانون منها، ولجنة أخرى أكاديمية لإعادة النظر في المناهج. على أن تعقد اللجنتان اجتماعات شهرية لإنجاز مهامها.
ولم تكن تلك هي المفاجأة الوحيدة، لأنني علمت مما قرأت، ومما سمعت لاحقا، أن طالبات كلية الآداب كن من بدأ الاحتجاج والتمرد، وأن الموضوع الأساسي الذي أثار غضبهن كان تدني مستوى الخدمة والعوائق الإدارية التي يعانين منها. وقد أسهمت شبكة التواصل الاجتماعي في تعبئة الطالبات والطلبة، وفي حث الجميع على التعبير عن غضبهم وإيصال صوتهم إلى الجهات المسؤولة.
صحيفة «الوطن» علقت على ما جرى في الجامعة قائلة: إنه منذ انطلاق شرارة مطالب طالبات كلية التربية والآداب سعى مسؤولو جامعة الملك خالد إلى تحوير ذلك التوجه إلى ما أسموه عبثا وتخريبا وإخلالا بالأمن تقف وراءه أياد خفية، وأنه يتعين على الجميع إيقافه، متجاهلين أن للطلاب والطالبات حقوقا لم يعطوها.
الموضوع المثار واللغة المستخدمة في عرض الحدث وموقف السلطة إزاءه، ذلك كله كان جديدا بالنسبة لي. إذ كان علي أن أقرأ التفاصيل جيدا لكي أستوعب حقيقة أن ثمة غضبا معلنا تحدثت عنه الصحف حيث الأصل أن يتم كل ذلك في السرِّ. وأن الطالبات صار لهن صوت يرتفع في بلد يعتبر متشددوه أن جنس النساء عورة يجب سترها، وأن أمير عسير شخصيا التقى 500 طالب وطالبة واستمع إلى ملاحظاتهم على مدى ثلاث ساعات، وأنه تم الاتفاق على انتخاب لجنة تمثل الطلاب وأخرى أكاديمية للتعاون في حل المشكلات المشكو منها. وكان السؤال الذي خطر لي حينذاك هو: منذ متى يحدث كل ذلك في المملكة؟
ــ2ــ
أحداث طالبات وطلبة جامعة الملك خالد في «أبها» تحولت إلى مادة للتعليق اليومي في كل الصحف السعودية. ولاحظت أن مبادرة الطالبات إلى التمرد والاحتجاج احتلت قسطا ملحوظا من التعليقات حيث فتحت تلك المبادرة الباب لمناقشة أوضاع النساء وحقوقهن في المملكة. في هذا الصدد كتبت الباحثة مرام مكاوي تقول: النساء شقائق الرجال ونصف المجتمع وشريكات الوطن. ولهن حق مثل الرجال تماما في جميع مرافق الدولة وثرواتها وخططها المستقبلية وفي عصر الانفتاح والحرية الرقمية وزمن الإصلاح، فهن لن يقبلن إلا بأن ينلن هذه الحقوق كاملة غير منقوصة (الوطن ــ 14/3).
بعد أيام معدودة من أحداث أبها، حدث تمرد آخر في كلية التربية للبنات في محافظة بلقرن.
إذ نشرت صحف الخميس 15/3 عن وقوع تذمر من جانب الطالبات «حاولن فيه تقليد طالبات جامعة الملك خالد. فتظاهرن مطالبات بإبعاد العميدة وتحسين الخدمة بالكلية إلى جانب سوء معاملة المشرفات. وحسب جريدة الوطن فإن مدير العلاقات العامة بالكلية ذكر أن الطالبات عبثن بطفايات الحريق بالمبنى وبباب المقصف. ومن الواضح أن صداما حدث داخل الكلية لأن تقرير الجريدة تحدث عن إسعاف 13 حالة في مقرها ونقل 6 طالبات إلى المستشفى لعلاجهن إضافة إلى إصابة أستاذة جامعية وذكرت تقارير أخرى أن إصابتهن كانت نتيجة للإغماء وتحدثت صحف أخرى عن أن سيارات الشرطة هرعت إلى موقع الكلية لاحتواء الموقف وفرض الوجود الأمني.
في هذه الأجواء استوقفني في صحف الأربعاء 14/3 ثلاث ملاحظات لها دلالاتها هي:
ــ تصريح لنائب وزير التعليم العالي الدكتور أحمد السيف أعلن فيه إلغاء تفتيش طالبات الكليات بصفة نهائية والسماح باستخدام الهواتف الجوالة داخل الكليات، وتحذيره من «عقوبات رادعة» لمن يسيء استخدام الجوال/ وذكرت صحيفة الوطن التي وضعت الخبر على صدر صفحتها الأولى أن هذه الخطوة اتخذت «على خلفية أحداث جامعة الملك خالد الأخيرة».
ــ إصدار توصية لوكلاء الجامعات السعودية للشؤون الأكاديمية تقضى باشتراك الطلاب في صناعة القرارات التي تخصهم وتستجيب لتطلعاتهم.
ــ تصريح وزير الدولة ورئيس الحرس الوطني الأمير متعب بن عبدالله (ابن الملك) بأن معالجة الأخطاء والمطالبة بالحلول لا تكون بالطرق التي تخل بالأمن والاستقرار، وإشارته إلى أن «هناك جهات خارجية تسعى إلى زعزعة الاستقرار في وطننا». وتحدث الأمير عن «الاضطرابات» التي شهدتها العديد من الدول العربية وأخلت بالاستقرار فيها.
أيضا أثار انتباهي في صحيفة الشرق (في 13/3) تعليق أشار فيه الكاتب (عصام الزامل) إلى أن رئيس جامعة «طيبة» فصل طالبا انتقده، فألقى عليه صاحبنا السؤال التالي: ألا تدري يا دكتور أن هناك «تويتر» ملمحا أن باب النقد بات مفتوحا على مصراعيه لكل أحد على ذلك الموقع. وحينما سألت من لقيتهم من الشباب عن الواقعة فإنهم أكدوها، وأضافوا عن أمثال تلك الحوادث أنها باتت شائعة على شبكة التواصل الاجتماعي، التي تحولت مع موقع تويتر إلى نشرة أخبار لا تدع شاردة ولا واردة إلا وتذكرها. في هذا الصدد ذكروا أن ما جرى في جامعة الملك سعود في الرياض بات معلوما للكافة من خلال موقع تويتر. سألت فقالوا إن طلاب السنة التحضيرية (التي تمتحن خريجي الثانوية العامة وتوزعهم على الكليات المختلفة) اشتبكوا مع العميد منذ شهرين. ورشقه أحدهم بحذائه، الأمر الذي شجع آخرين على التطاول عليه. الأمر الذي انتهى بإعفائه من منصبه وتعيين مدير جديد بدلا منه.
ــ3ــ
ذهبت إلى السعودية مدعوا إلى معرض الكتاب الذي يقام في مدينة الرياض. ولم أكن أعلم أن ثمة مفاجآت أخرى في المعرض، الذي أريد له أن يكون رمزا للانفتاح وتحريك المياه الراكدة. وهو ما تمثل في فتح الأبواب لعرض الكتب دون قيد أو رقابة. حتى وجد في المعرض كتب ليست متاحة في المكتبات. الأمر الثاني الجديد في المملكة أن المعرض ظل مفتوحا طوال الوقت للجميع رجالا ونساء. وكان التقليد المتبع في السابق أن يخصص يوم لهؤلاء ويوم آخر لهؤلاء. بل وخصصت جلسة لثقافة الحقوق تحدثت فيها ثلاث جامعيات، اثنتان من السعودية والثالثة من المغرب، ذلك إضافة إلى هامش الحرية الواسع الذي أتيح في أمسيات المعرض.
هذه الأجواء أثارت غضب السلفيين، فقاطع المعرض 40 دار نشر سعودية وثيقة الصلة بهم. وقام خمسة منهم ذات مساء باقتحام قاعة المؤتمرات التي تعقد فيها الأنشطة الثقافية وسعوا إلى إيقاف ندوة جلس فيها الرجال والنساء على طاولة حوار واحدة. إلا أن رجال الأمن والمنظمون تعاملوا معهم بحزم وأخرجوهم من القاعة، وحين حاولوا التجول في المعرض لفحص الكتب فإنه تم اقتيادهم إلى مركز الشرطة، وطلب منهم أن يسجلوا اعتراضاتهم كتابة ثم ينصرفوا في هدوء، إلا أن نفرا منهم «نجحوا» في يوم سابق في منع النساء من حضور ورشة نشر الكتاب الإلكتروني التي عقدت على هامش المعرض، بحجة منع اختلاطهن بالرجال.
مما أثار الانتباه أيضا أن ثلاثة من المعتقلين السابقين دعوا إلى الحديث في إحدى الأمسيات، وأن أحدهم (اسمه فؤاد الفرحان) قال صراحة إنه لا يجوز في بلد مهم وكبير مثل المملكة السعودية ألا يكون لديه مجلس نيابي منتخب. وقيل لي إن واحدا من الحاضرين وجه التحية لأحد الناشطين المعتقلين في جلسة علنية، إلا أنه لم يظهر بعد ذلك في القاعة.
الانطباع الذي خرجت به مما سمعت وقرأت أن ثمة تجاذبا تشهده البلاد على مختلف الأصعدة بين المتشددين والمعتدلين، الأمر الذي يعد نقلة إلى الأمام، من حيث إنه يعلن تراجعا نسبيا لهيمنة المتشددين المهيمنين، ويعني أيضا أن حضور المعتدلين المنحازين إلى الانفتاح والحريات العامة يتزايد حينا بعد حين. ببطء صحيح ولكنه يعكس تقدما في الاتجاه الصحيح. وهذا التجاذب يلاحظه المرء في حضور بعض الرموز الثقافية في المجال العام، مثل الدكتور سلمان العودة والأستاذ محمد سعيد طيب، في الوقت الذي تدرجهم جهات أخرى ضمن الممنوعين من السفر.
ــ6ــ
كانت محاضرتي في إحدى أمسيات المعرض حول الخطاب العربي الإسلامي في ظل المتغيرات الدولية. والفكرة التي أثرتها اعتبرت أهم متغير أثر في العالم العربي هو النقلة الهائلة التي حدثت في ثورة الاتصال. ذلك أنها نقلت العالم بأسره إلى ما أسميته طور الاختراق العظيم الذي تغلب على كل الحدود والحواجز، وحول القرية العالمية الصغير إلى كتاب مفتوح بوسع الجميع أن يطالعوه أو يثبتوا حضورهم فيه. هذا التطور أضعف من قبضة الحكومات على الشعوب، ووفر للشعوب سلاحا قواها في مواجهة الأنظمة المستبدة. الأمر الذي عالج الخلل في موازين القوة بين الطرفين. فلا الأنظمة صارت بالقوة التي تدعيها ولا الشعوب أصبحت بالضعف التي تصورته.
أضفت أن أهم مشكلة في العالم العربي أن الجسم فيه كبر والطموحات زادت، في حين أن الرأس فيه ظل على حاله. وضربت مثلا بالحاصل في سوريا حين انتفض الشعب في عام 2011 ولكن النظام فيها تعامل معه بعقلية الثمانينيات، حين سحق الأسد الأب التمرد في حماة عام 1881، وقتل أكثر من 15 ألف شخص ودمر المدينة، ثم نسي الجميع ما جرى بعد ذلك.
أما في الوقت الراهن فإن حملات القمع والسحق تعم العالم بعد وقوعها بدقائق وربما أثناء وقوعها، وهو ما فضح الجريمة ومكن الثورة من الاستمرار طوال العام المنقضي.
قلت أيضا إن المطلوب في العالم العربي الآن أن يتصالح الجسم مع الرأس، بحيث يكون تعبيرا طبيعيا عنه، وليس خصما مشتبكا معه. ولا سبيل إلى ذلك إلا بإطلاق الحريات العامة وإشاعة الديمقراطية الأمر الذي يفض اشتباك الجسم مع الرأس أو العكس، وأن يعقد بينهما معاهدة سلام ووئام تقود الشعب إلى بر الأمان والاستقرار والرخاء.
خلال 20 دقيقة قلت ما عندي، لكن الحوار حول العلاقة بين الجسم والرأس استمر في الفندق إلى ما بعد منتصف الليل، حيث كان علي أن أجيب على العديد من الأسئلة البريئة والخبيثة التي بات يطرحها جيل يتحلى بدرجة عالية من الوعي والجرأة. وصار يلح على أن يجسد في واقعة حيوية وأحلام عالمه الافتراضي.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1027
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3438
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3237
| 06 أكتوبر 2026
في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات الخارجية مجرد أرقام كبيرة في التقارير. أما في الأزمات، فتتحول هذه الأرقام إلى قدرة حقيقية على حماية الاقتصاد واستمرار الخدمات وتوفير احتياجات الناس. وهذا ما ظهر خلال أزمة هرمز، التي وضعت قطر أمام اختبار صعب لم يقتصر على تراجع الإيرادات، بل امتد إلى صادرات الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد. وعلى الرغم من شدة الأزمة، حافظت الدولة على استمرار الخدمات، ووفرت الاحتياجات الأساسية للمواطنين والمقيمين، وأدارت آثارها بما حافظ على استقرار الحياة اليومية ومتانة الاقتصاد. وهذا نجاح يستحق الإشادة، لكنه يستحق أيضًا أن نتوقف عنده لفهم أسبابه واستخلاص ما يفيدنا في المستقبل. لم تبدأ قوة قطر المالية مع الأزمة، بل بُنيت على مدى سنوات من خلال الاحتياطيات المالية والأصول السيادية والاستثمارات الخارجية، إلى جانب قوة الجهاز المصرفي والقدرة الائتمانية للدولة. كما استفادت قطر من خبرتها في أزمات سابقة، خصوصًا في الأمن الغذائي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية. وهذا الاستعداد لم يكن مجرد انطباع، بل تؤكده التقارير الدولية. فقد أشار صندوق النقد الدولي، قبل الأزمة، إلى قوة الوضع المالي والخارجي لقطر وسلامة قطاعها المصرفي، مؤكدًا أهمية مواصلة الإدارة المالية الحصيفة. وقد أثبتت التطورات أن هذه القوة وفرت للدولة مساحة للتحرك عندما تعرضت الإيرادات ومنافذ التصدير لضغوط مفاجئة. لكن متانة الاقتصاد لا تعني أن الأزمة مرت من دون تكلفة. فقد أظهرت بيانات وزارة المالية ارتفاع عجز الموازنة إلى نحو 21.2 مليار ريال في الربع الثاني من عام 2026، بعد أن بلغ 10.3 مليار ريال في الربع الأول. ولا تعني هذه الأرقام أن الاقتصاد فقد قوته، بل تكشف حجم الضغط الناتج عن تأثر صادرات الغاز وحركة الملاحة. وفي مثل هذه الظروف تظهر قيمة ما راكمته قطر من احتياطيات وأصول سيادية؛ فقد وفر ذلك للحكومة هامشًا لمواصلة الإنفاق الضروري، وتلبية احتياجات الدولة والمواطنين والمقيمين، والمحافظة على الاستقرار رغم تراجع الإيرادات. وإلى جانب ذلك، برز دور الاستثمارات الخارجية عبر جهاز قطر للاستثمار؛ فهي تحقق عوائد للأجيال القادمة، وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الظروف الاستثنائية، وتخفف اعتمادها الكامل على الإيرادات السنوية للطاقة. غير أن الأزمة كشفت أن القوة المالية، على أهميتها، ليست كافية وحدها. فالمال يستطيع تعويض جزء من تراجع الإيرادات، لكنه لا يوفر فورًا موردًا بديلًا لمادة أساسية، ولا يفتح مسارًا بحريًا متعطلًا، ولا يعيد تشغيل خدمة تعتمد على نظام تقني خارجي واحد. ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كم نملك من الاحتياطيات فقط؟ بل أيضًا: ما البدائل الجاهزة، وكم نحتاج من الوقت لتشغيلها؟ وتزداد أهمية هذا السؤال لأن أزمات اليوم لا تبقى داخل حدودها الأولى. فقد أشار تقرير المخاطر العالمية لعام 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى ترابط المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية؛ فقد تبدأ الأزمة في ممر بحري، ثم تنتقل إلى الطاقة والشحن والتأمين والإنتاج والأسعار. كما توضح تقارير الأونكتاد أن تأخر السفن ليس سوى بداية لسلسلة من التكاليف التي تصل في النهاية إلى الشركات والمستهلكين. وفي الاتجاه نفسه، تذكر ورقة «الصمود الاقتصادي في ظل الأزمة الجيو-اقتصادية»، الصادرة عن المركز الدولي للتنمية، أن الاحتياطيات والمخزونات تمنح الدولة وقتًا ثمينًا، لكنها لا تصنع الصمود بمفردها. فالاحتياطي يساعد الدولة على التحرك، أما البدائل الجاهزة فتحدد نجاح هذا التحرك وسرعته. ومن المفيد، في ضوء هذه التجربة، تشكيل فريق وطني مؤقت لدراسة دروس أزمة هرمز ووضع برنامج عملي لزيادة مرونة الاقتصاد القطري. والغاية ليست إضافة تقرير نظري جديد، بل تشكيل فريق محدد المدة والصلاحيات والمخرجات، يجمع الجهات المعنية بالمالية والاقتصاد والطاقة والنقل والموانئ والغذاء والدواء والتكنولوجيا، إلى جانب المصارف والقطاع الخاص. وتكون الخطوة الأولى إعداد خريطة للاعتماد الاقتصادي الحرج. والمقصود ليس حصر جميع السلع المستوردة، بل معرفة المواد والخدمات التي قد يؤدي تعطلها إلى توقف وظيفة أساسية. فقد تكون قطعة غيار صغيرة أهم من سلعة مرتفعة الثمن إذا كان غيابها قادرًا على إيقاف محطة إنتاج أو منشأة صحية أو نظام تقني كامل. وبعد تحديد هذه النقاط، يمكن اختبار قدرة القطاعات الحيوية على الصمود لفترات تمتد إلى 30 و90 و180 يومًا. فإذا تعطل المسار البحري المعتاد، فكم يكفي مخزون الغذاء والدواء والمواد الصناعية؟ وما المدة اللازمة للانتقال إلى مورد آخر؟ وهل لدينا عقود ومسارات بديلة جاهزة، أم سنبدأ البحث عنها بعد وقوع الأزمة؟ وينبغي أن تقود هذه الاختبارات إلى مؤشرات واضحة، مثل عدد أيام تغطية السلع الحيوية، والحد الأعلى للاعتماد على مورد واحد، والوقت المطلوب لتشغيل البديل، ومدى جاهزية الأنظمة الرقمية الاحتياطية. فمن دون مقاييس محددة، قد تبقى المرونة الاقتصادية فكرة جيدة يصعب معرفة مدى تحققها. وليست الفكرة أن نخزن كل شيء أو ننتج كل ما نستهلكه؛ فهذا مكلف وغير عملي. المطلوب هو معرفة ما يمكن شراؤه بسهولة من الأسواق العالمية، وما لا ينبغي أن نعتمد فيه على مصدر أو مسار واحد. وقد يكون المورد الأقل تكلفة مناسبًا في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح مكلفًا إذا أدى تعطله إلى توقف قطاع حيوي. وعندها تصبح تكلفة المورد الثاني أو المخزون الإضافي أشبه بقسط تأمين يحمي الاقتصاد من خسارة أكبر. وتعرض الورقة نفسها خمس خبرات دولية يمكن الاستفادة منها. فقد حددت اليابان المنتجات والخدمات الحيوية لأمنها الاقتصادي، وطورت فنلندا تعاونًا منظمًا بين الحكومة والقطاع الخاص لضمان استمرار الخدمات الأساسية، بينما اعتمدت سنغافورة على مزيج من تنويع مصادر الغذاء والمخزون والإنتاج المحلي والشراكات الخارجية. والمطلوب ليس نسخ هذه التجارب، بل الاستفادة من منطقها وتكييفه مع احتياجات قطر. وبالتوازي مع تعزيز الجاهزية داخل الاقتصاد، تظل الاستثمارات الخارجية ركيزة أساسية في بناء القوة المالية للدولة. ولذلك ينبغي مواصلة تنميتها وتنويعها، مع تحقيق توازن بين الاستثمارات طويلة الأجل والأصول التي يمكن تحويلها إلى سيولة عند الضرورة، وزيادة الاستثمارات التي تجمع بين العائد المالي والمصلحة الاستراتيجية في الغذاء والدواء والتكنولوجيا والنقل والخدمات اللوجستية. لقد أثبتت أزمة هرمز أن قطر تمتلك احتياطيات وأصولًا ومؤسسات قادرة على امتصاص صدمة كبيرة، وأن الحكومة أحسنت إدارة الأولويات وحماية احتياجات المجتمع. لكن أفضل طريقة لتقدير هذا النجاح هو البناء عليه، وتحويل ما تعلمناه إلى سياسات وبدائل جاهزة تعزز استعداد الدولة لأي أزمة مقبلة. فالهدف ليس أن نعود إلى ما كنا عليه قبل الأزمة، بل أن نخرج منها أفضل مما كنا: باقتصاد أكثر تنوعًا، ومؤسسات أسرع استجابة، وسلاسل إمداد أكثر أمانًا. وعندها تتحول الأزمة، رغم كلفتها، من مرحلة صعبة تجاوزناها إلى فرصة جعلت الاقتصاد القطري أكثر مرونة وصمودًا.
1044
| 04 أكتوبر 2026