رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على الرغم من الانطباع المباشر الذي قد يتشكل لدى القارئ حول جدوى التساؤل ودوافعه: مستندًا لضخامة حجم الدمار على كافة الصعد، وبأن المتضرر الأساسي من هذه الحرب هي فلسطين بالمجمل، وهي كذلك بكل أسف، إلا أن ذلك لا يمنعك عزيزي القارئ أن تتصور بأن نتنياهو أسهم في جعل هذا التساؤل يُطرح أيضًا إسرائيليًا، ولم يقف عند هذا الحد، بل امتد فضاؤه هذا إقليميًا ودوليًا. هذه ليست مبالغة - اقصد مستويات التساؤل - فحالة النشوة والبلطجة والتمرد التي يمارسها نتنياهو لا تتوقف على الرغم من الإجماع بين كل ما ذكر من مستويات على الأهمية والحاجة الملحة لوقف الحرب المُستعرة على فلسطين: سواء كانت بشكلها الحالي كحرب معلنة وظاهرة على القطاع، أو كحرب يومية «تصفوية» إحلالية تجريدية تمارس بحق الضفة الغربية، أو كحرب حقوقية إدماجية موجهة ضد فلسطينيي الداخل.
* لا يُمكن للعقل أو القلب أن يرضيا بتعطيل الأدوات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية وحتى العسكرية وانتظار ظروف مشابهة كتلك التي احاطت بإسحاق رابين للتخلص من نتنياهو لوقف الإبادة الجماعية التي يتعرض لها اهلنا في فلسطين. إن كلفة الانتظار عالية، سواء على المواطن الفلسطيني أو على المقاوم الفلسطيني، مع القبول بصحة وصف الأول بالثاني، ولكن، ولأغراض تناول الموضوع بمصداقية، تمت محاولة الفصل لبيان ذلك الأثر على المقاومة والحركات التحررية الفلسطينية في الميدان وعلى المواطن الفلسطيني الشجاع الأعزل.
* يؤدي استمرار الحرب الظالمة على فلسطين - قطاع غزة إلى إنهاك المقاومة وتآكل قدرتها على الصمود لآجل طويل، كما ينزع عنها بكل أسف الموقف التفاوضي الصلب والذي يحقق أدنى المتطلبات على الاقل بوقف الحرب والحفاظ على ما تبقى من بشر وحجر. للأسف، لا تعيش المقاومة الآن أجمل أيامها ولا نتمنى لها ولنا هذا، فهي حاليًا تعيش مرحلة ذاتية خالصة من حيث الإنتاج وإدارة المعركة، وتواجه محدودية في الخيارات، إلى جانب إغلاق الجبهات: لبنانيًا بشكل مطلق ويمنيًا بشكل جزئي.
* فيما يؤدي التأخير في التوصل لاتفاق إلى ضرر أبلغ مما هو بالغه حاليًا بحق المواطن الفلسطيني الأعزل المُطالب بالثبات والصمود دون وجود ما يسند ذلك إلا في حالات ضيقة إنسانيًا ودبلوماسيًا. فالإنسان له قدرات محدودة على الصمود والمقاومة، فعلى الرغم من إيماني باستثنائية صمود الفلسطيني، إلا أن قدرته على الصمود تتقوض بفقدان الغذاء والماء والمأوى نتيجة تجفيف منابع كل ما هو إنساني وذو منشأ دولي، وخفوت الأصوات الداعمة له تلك التي تتعرض لمحاولة قهر اعلامي وسياسي واقتصادي، وربما عسكري، مستثنى من ذلك محاولات جادة دبلوماسيًا تسهم فيها كل من قطر والأردن ومصر والسعودية. فلا يمكن ولا يكفي على الإطلاق تبني سردية «لا للتهجير» بمعزل عن وسائل دعم وإسناد تسهم في تثبيت صمودهم، فما يتعرضه له الفلسطينيون هو أكثر من مجرد حرب محدودة و»مسقوفة» بتحقيق جملة أهداف، إنها حرب تسعى لتصفية القضية والتخلص من كل ما هو فلسطيني.
*على الرغم من الضرر الذي وقع بشكل مباشر على فلسطين فنحن مأخوذين بالسياق أيضًا، إن تقزيم صورة العربي والمسلم المُقصر في نصرة أخيه، هي أيضًا ضرر بالغ قد سوّد صورتنا وزادها قتامة في نظر الشعوب المقابلة، كما أن عدم قدرتنا على النصرة لأسباب عديدة قد أورث في قلوبنا سكونًا، وجرحًا لا يبرأ، فكيف لنا ممارسة أدوار الفروسية والشجاعة والنصرة في ظل هذا التقصير. وبذات الوقت لا يمكن استثناء مجتمع الكيان من آثار تلك الحرب، فالضرر طال ايضًا الداخل الإسرائيلي: نتنياهو لم يقصر أيضًا في هذا المستوى: إسرائيل تشهد مرحلة التراجع على كافة الصعد بسبب مواقفه المتعجرفة من هذه الحرب فلقد كان وما زال السبب الوحيد أمام أي تسوية محتملة معبرًا عن لاءاته الأربع خلال مفاوضات باريس 2: لا لوقف إطلاق النار، لا لانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، لا لعودة النازحين الفلسطينيين إلى شمال القطاع، ولا لصفقة تبادل الأسرى.
*ولقد شكلت هذه المواقف تحديات عديدة لإسرائيل: من حيث الديموغرافيا والهجرة؛ حيث شهدت إسرائيل في عام 2024 انخفاضًا في معدل النمو السكاني بنسبة 1.1%، مقارنة بـ1.6% في عام 2023؛ من حيث الضغوط الاقتصادية: حيث خصصت ميزانية إسرائيل لعام 2025 مبلغًا قياسيًا قدره 756 مليار شيكل، منها 136 مليار شيكل لسداد الديون الوطنية، وخصصت حوالي 110 مليارات شيكل للقطاع الدفاعي الذي يستنزف بشكل أساسي في الحرب على غزة؛ ومن حيث تآكل البنية التحتية: أثرت الصراعات المستمرة، خاصة الحرب على قطاع غزة، على البنية التحتية والمجتمع بشكل عام وخاصة سكان المناطق الشمالية؛ أما من حيث الانقسام الاجتماعي والسياسي: حيث شهدت إسرائيل ارتفاعًا في حدة الانقسامات والتصدعات العميقة إلى درجة غير مسبوقة، عكست عمق التناقضات الاجتماعية والعرقية وحتى الموقفية تجاه الحرب، مما أثر ولا يزال على استقرار المجتمع.
* لقد أسهمت هذه الأضرار في ردة فعل موحدة، وإن كان بعضها ظاهريا، فتجد أن الجميع يضغط على نتنياهو لوقف الحرب: الداخل الإسرائيلي على مستويات منظمة كقادة وضباط حاليين وسابقين في الأجهزة الأمنية والعسكرية يقدمون عرائض لوقف الحرب؛ الشارع الإسرائيلي متقد منذ بداية الحرب؛ الدول العربية والإسلامية؛ الرأي العام العالمي؛ الدول الأوروبية وروسيا والصين، والولايات المتحدة والمحكمة الدولية والأمم المتحدة، والنتيجة: نتنياهو لا يستجيب! فكيف يمكن وقف عجرفته وصلفه؟ إن الرغبة في الحصول على نتائج مختلفة عما هي الآن، يتطلب تغييرًا في الأدوات والإستراتيجيات من حيث الشكل والمضمون والحدة. يفيض صدري ألمًا وخلافه ولا أستطيع البوح بكل مكنوناته هنا، ولكني أقول بأن الدول العربية والإسلامية قادرة على وقف نتنياهو ولكنها تحتاج لإجماع مواقفها، على الأقل، حول هذا الموضوع، وأنا كفيل بأن الحرب ستتوقف خلال ساعات.
* ما يلزم لتحقيق ذلك هو حالة من تبني خطاب ولغة وسلوك سياسي واقتصادي جديد، والإبقاء على الابواب مع المجتمع الدولي مفتوحة. من حيث الخطاب، تحتاج التصريحات سواء من قبل جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي، بأن تصاغ هذه البيانات بحدة أكثر تفتح باب التأويلات المختلفة على مصراعيه، على أن يرافق ذلك مصداقية مجدولة مع تسلسل سياقي واضح من التوجيه باتخاذ مواقف إسلامية وعربية موحدة في ظل استمرار الحرب، بما يوازي ذلك من ضغوط اقتصادية وخاصة على الداعمين لنتنياهو، أن مجرد الطرح بتجميد أي مستقبل اقتصادي لاتفاقيات شراكة وربطها بممارسة أدوار أكبر من الضغط على إسرائيل من شأنه أن يأتي بنتائج إيجابية، ويضاف لذلك الدول العربية المرتبطة مع إسرائيل بمعاهدات سلام، يتوجب عليها التنسيق واتخاذ مواقف موحدة من شأنها دفع نتنياهو للتفكير بجدية في مدى عقلانية مواقفه ودفعه لإخراج ميزان الكلفة والفائدة ليختار على اساسه. بظني، دون هذه الخطوات سنبقى ندور في فلك متاهة استخدام مصطلح «المجتمع الدول» والذي قد يريح البعض وذلك بإلقاء اللوم عليه، في حين أنه قد ينسى أحيانًا بأنه جزء أساسي منه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2565
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2343
| 15 أكتوبر 2026
حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في شركتها، فإن طريقة التعامل مع طلبه تكشف كيف تُدار المؤسسة. هل تُراجع خبرته وحاجة العمل، أم تكفي موافقة والده؟ وإذا اختلف الملاك على تعيينه، فمن يحسم الأمر؟ قد يبدو السؤال متعلقًا بوظيفة واحدة، لكنه يختبر قدرة الشركة على اتخاذ قرارات تحظى بالقبول، خصوصًا حين تتسع العائلة ويتوزع أصحابها بين أجيال وفروع متعددة. تقدم مجموعة يوسف بن أحمد كانو مثالًا خليجيًا يستحق التأمل. فبحسب تقرير نشره معهد الشركات العائلية بجامعة سنغافورة للإدارة في أبريل 2019، امتدت أعمال المجموعة عبر ستة أجيال. ونقل التقرير عن فيصل خالد كانو ممارسات لتنظيم مشاركة العائلة في الأعمال. ومن هذه الممارسات يمكن استخلاص منهج عملي لمعالجة مشكلات تواجه كثيرًا من الشركات العائلية. يبدأ المنهج بإعداد أفراد العائلة قبل منحهم المسؤولية. فقد ذكر التقرير اشتراط عملهم خارج المجموعة ثلاث سنوات قبل الانضمام إليها، وربط شغل الوظائف بالكفاءة. يتيح هذا الإجراء للابن اكتساب خبرة في بيئة يُقيَّم فيها بعيدًا عن مكانة والده، ويتعلم خلالها تحمل المسؤولية والتعامل مع مدير وزملاء يحتاج إلى كسب ثقتهم بأدائه. ويقدم المسار المهني لمشعل حمد كانو مثالًا على اكتساب الخبرة خارج أعمال العائلة. فبحسب سيرته المنشورة على موقع مجموعة كانو في الإمارات، التحق بالشركة عام 1991 مساعدًا لمدير الملاحة، ثم عمل مدققًا لدى آرثر أندرسن في دبي، قبل العودة إلى المجموعة نائبًا للرئيس عام 1997. وهكذا تضمن مساره إلى القيادة خبرة داخل الشركة وخارجها. ولنأخذ مثالًا افتراضيًا لتطبيق المبدأ: يتقدم أحد الأبناء لإدارة المبيعات. إذا كانت سياسة التوظيف واضحة، تُراجع خبرته ونتائجه ومتطلبات الوظيفة، ويُقيَّم وفق معايير معلومة. وإذا لم يكن جاهزًا، يُحدد له ما يحتاج إلى استكماله. بذلك يتحول النقاش من «لماذا لم يُعيَّن ابننا؟» إلى «هل استوفى شروط الوظيفة؟». وهذه نقلة تحمي الشركة، وتساعد العائلة على تقبل القرار. لكن تنظيم التوظيف لا يكفي؛ فهناك ملاك لا يعملون في الشركة، ولهم مصالح تحتاج إلى تمثيل. ولهذا تناول التقرير وجود مجلس عائلي في كانو يضم أجيالًا مختلفة، إلى جانب دستور عائلي قابل للتطور يؤكد اتباع الإجراءات واحترام التسلسل الإداري. يعالج هذا الترتيب مشكلة انتقال مطالب الملاك مباشرة إلى الموظفين. فقد يفضل أحدهم توزيع الأرباح، ويريد آخر تمويل التوسع، ويعترض ثالث على أداء نشاط. وتحتاج هذه المسائل إلى قناة للنقاش، حتى لا يجد المدير نفسه أمام تعليمات متعارضة من أفراد يحمل كل منهم صفة المالك. والدرس القابل للتطبيق هو تحديد مسار كل مسألة: أين تُناقش مطالب العائلة؟ وما الذي يُرفع إلى مجلس الإدارة؟ وما الذي يدخل ضمن صلاحيات الإدارة التنفيذية؟ وضوح هذه القنوات يسمح للمالك بعرض ملاحظته ومتابعتها، وللمدير بأداء عمله وفق مرجعية معلومة. وتحتاج العلاقة إلى اتفاق مكتوب يُرجع إليه عند الخلاف. يمكن أن يبدأ بشروط عمل أفراد العائلة، وحدود التدخل في الإدارة، وتعارض المصالح، وآلية تسوية النزاعات، وطريقة مراجعة الاتفاق. ويُختبر نجاحه عندما يطبق على شخص صاحب نفوذ؛ فالتزامه يمنح بقية الأفراد سببًا للثقة في القواعد. بعد تنظيم العلاقة بين العائلة والشركة، يأتي تنظيم القرار التجاري. فقد أوضح تقرير 2019 أن اللجان التنفيذية للأقسام السبعة آنذاك جمعت قيادات من العائلة وأعضاء من الإدارة العليا، بحيث يُتخذ القرار عبر اللجنة بدل انفراده بيد شخص واحد. تكمن فائدة هذا الترتيب في إخضاع المقترح لأكثر من زاوية نظر. عند بحث توسع جديد، قد يرى صاحب الفكرة فرصة نمو، ويسأل المسؤول المالي عن التمويل، ويتحقق مدير التشغيل من القدرة على التنفيذ. وتساعد المراجعة على كشف ما قد يغيب عن صاحب المقترح، مهما كانت خبرته. وللاستفادة من المبدأ، تحدد الشركة القرارات التي تحتاج إلى مراجعة جماعية، والبيانات المطلوبة لاعتمادها، والمسؤول عن تنفيذها. ثم تراجع النتائج: هل تحقق المتوقع؟ وأين اختلف الواقع عن الافتراضات؟ بذلك يصبح القرار قابلًا للتقييم والتصحيح، ويقل احتمال تحول نقده إلى خلاف شخصي مع من اقترحه. ويمتد تنظيم القرار إلى تحديد هدف الأموال المستثمرة. فقد ميّز التقرير بين توجه مكتب العائلة نحو حفظ الثروة على المدى الطويل، وتوجه الأعمال الأكثر ريادية واستعدادًا لاقتناص الفرص. وهذا يعالج اختلافًا شائعًا بين من يريد دخلًا مستقرًا ومن يبحث عن نمو ويتقبل مخاطره. فقبل السؤال عن جاذبية الاستثمار، ينبغي تحديد الغرض من الأموال: هل تحتاجها الأسرة لاستقرار دخلها؟ أم خُصصت لتوسع تجاري؟ وما حاجتها إلى السيولة؟ وما حجم الخسارة الذي تستطيع تحمله؟ وضوح الإجابات يمنع مناقشة الاستثمار نفسه بأهداف متعارضة، ويجعل تقييمه أكثر انضباطًا. وتكتمل هذه الترتيبات بمراجعة مهنية. ويُظهر الموقع الرسمي الحالي لكانو وجود أعضاء مستقلين في مجلس الإدارة، إلى جانب إطار للحوكمة ومدونة للسلوك وآلية للإبلاغ عن المخالفات. وتتيح هذه الأدوات مساءلة القرارات والممارسات متى توفرت المعلومات والصلاحيات اللازمة. لا تثبت المعلومات المنشورة أن هذه الممارسات وحدها صنعت استمرار كانو، لكنها تكشف ترتيبات يمكن الاستفادة منها: خبرة تسبق المنصب، وقناة تنظم مطالب العائلة، وقواعد تضبط الصلاحيات، ومراجعة جماعية للقرارات، وأهداف واضحة للاستثمار. ويمكن البدء بتحويل هذه المبادئ إلى سياسة توظيف، واتفاق بين الملاك، وجدول للصلاحيات، ثم اختبار استخدامها في القرارات اليومية. وتضع تجربة كانو أمام كل مؤسس سؤالًا مباشرًا: إذا غبت غدًا، فهل يعرف أبناؤك كيف يختارون المدير، ويعتمدون الاستثمار، ويحاسبون المقصّر، ويحسمون الخلاف؟ إذا كانت الإجابة تعتمد على حضورك، فبناء المؤسسة لم يكتمل بعد. يبدأ العمل بتحديد هذه القواعد وتجربتها في حياتك، حين تستطيع تصحيحها وترسيخ احترامها. فالمؤسس يترك لأبنائه ثروة، لكنه يترك لهم أيضًا طريقة إدارتها؛ وقد تتبدد الأولى إذا ترك الثانية لاجتهاداتهم.
1107
| 18 أكتوبر 2026