رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نُشر في أولى صفحات الشرق يوم أمس، تحقيق أعدته الزميلة تغريد السليمان حول "تأسيس صندوق للطعام الفائض"، ويدور التحقيق حول اقتراح قدمه رجال وسيدات أعمال لإنشاء جمعية لاستقبال مخلفات الأغذية والأطعمة التي تفيض أو تزيد عن حاجة المستهلك في شهر رمضان المبارك، والكثير من التفاصيل تم نشرها في الملحق الاقتصادي يوم أمس.
الخبر فيه الكثير مما ينطبق على من يعيش على هذه الأرض الطيبة والخليج بشكل عام، ومحاولتهم لزرع بذرة في عمل الخير أو المسارعة والمشاركة والمساهمة في أعمال الخير، سواء في الداخل أو الخارج، خاصة أننا في قطر والخليج لدينا الكثير من الخيرات التي وهبنا إياها الخالق عز وجل، ولكن مع الأسف الشديد لم نُحسن حتى الآن كيفية الاستفادة من الفائض من الطعام، وغيره الكثير أيضا كالملابس، وكما أوضح التحقيق الذي استدل بتقرير أصدرته هيئة البيئة في أبوظبي أن دول الخليج تعتبر من أكثر الدول إنتاجا للفائض من الطعام على مستوى العالم! فتصل الكمية إلى أكثر من 150 مليون طن سنويا، وجاء في التقرير أنه من المتوقع أن يرتفع الرقم خلال هذا الشهر الكريم، ولك أخي وأختي القارئة أن تتخيّلا كم سيصل إليه الرقم في هذا الشهر الكريم دون غيره من الشهور!
إن ما ينبغي الإشارة إليه في موضوع تأسيس صندوق للطعام الفائض، مراعاة جمع مخلفات الأغذية والأطعمة التي تفيض عن الحاجة من جميع أفراد ومنتسبي المجتمع الذي نعيش فيه، ولا ننسى أكبر منتج لهذه الأغذية الفائضة خاصة في هذا الشهر الفضيل، كالمطاعم التي قد تنتج أضعاف ما تنتجه بعض الأسر في المجتمع، خاصة أننا نقرأ بعض الإعلانات لكبريات المطاعم لتناول وجبة الإفطار بسعر مخفض أو لنقل معقول، وهو ما يعني كثرة الإقبال عليهم مع ضمان ربحي في الكثرة، وإنتاج فائض كبير من الأطعمة والأغذية يزيد عن العدد المحسوب والمتوقع؛ فيكون مع الأسف طريقة إلى القمامة أعزكم الله، فكيف القياس على الفنادق والمطاعم الصغيرة وأصحاب الأيادي البيضاء من أهل قطر في فتح وإقامة الكثير من المواقع للإفطار وما تقوم به الجمعيات الخيرية أيضا من خيم رمضانية، قد تزيد عن حاجة المجتمع بكثير لو تم حصرها، فلله الحمد والشكر والمنّة.. ففي سفرة العائلة الواحدة تزيد الأطعمة والأغذية عن حاجة من تجمعوا حولها، فكيف بمن يقيم عزيمة ويدعو لها بعض الأقارب والأصدقاء والمعارف؛ تكون الكمية أكبر من حاجتهم بالتأكيد!
ولأهمية هذا الموضوع كانت هذه القراءة مع أن التحقيق المذكور اقترح أن يكون هناك جهة تابعة لإدارة حماية المستهلك في تأمين الأطعمة الزائدة والإشراف على مدى صلاحيتها للاستهلاك، وأرى لو أنه يتم العمل على إنشاء "بنك للأطعمة" في الدولة وتعميمه في مختلف بلدان العالم العربي والإسلامي، يقوم بعملية الإشراف والمراقبة على الأطعمة الفائضة التي يتم جمعها، ومحاولة إعادة تصديرها للمستحقين سواء في الداخل أو الخارج، بعد عمل اللازم بالشكل المطلوب من نظافة الطعام وصلاحيته من عدمه، لما بقي في بلاد المسلمين من يبات وبطنه خاوٍ ويتضرع جوعا ولا يجد ما يسد به رمقه، وأرى أن يكون البنك ثابتا ويعمل على مدار العام، لأن الأطعمة والأغذية الفائضة والتي تزيد عن الحاجة في دول الخليج على مدار العام أيضا، فمناسبات الأعراس والحفلات والمطاعم والفنادق..... جميعها تنتج كميات كبيرة من الأطعمة ولا تجد طريقها إلا إلى حاويات القمامة مع الأسف! وينبغي على ذكر هذا الموضوع الإشادة بما تقوم به جمعية الشيخ عيد بن محمد آل ثاني متمثلة في "حفظ النعم" والتي تقوم على مدار العام بجمع الأطعمة الفائضة من الأعراس والمناسبات ومحاولة توزيعها على من يستحقون، ومن المؤكد أن لهم وجهة نظر حول تطوير هذا العمل الخيري الكبير لممارستهم محاولة الجمع والتوزيع، وأهم الإشكاليات والمعوقات التي تعترضهم، ولا يمنع أن تكون هناك أعمال ناجحة في هذا الموضوع في دول شقيقة أو صديقة ومحاولة التعاون معها لتنفيذ هذا المشروع الضخم، والذي لابد أن تكون هناك جهات حكومية داعمة له أو خاصة تحت إشراف إدارة حماية المستهلك، حتى تكون سببا في أن يحفظنا الله بحفظه لعدم إسرافنا! وإن حصل، وهو مع الأسف حاصل، يكون بتوزيعه عن طريق "بنك الطعام" لمستحقيه، ويجب قبل كل هذا أن نراعي الله في عدم الإسراف والتبذير؛ لأن ديننا الحنيف يحثنا على القسط والاعتدال، فآباؤنا وأجدادنا لم تتوفر لهم هذه الأطعمة وكانوا يحمدون ويشكرون ففتح الله علينا من بركاته، ونحن وأقصد أجيالنا الحالية- نشأنا على خيرات وبركات الخالق عز وجل، ونحن نرى الكثير من المآسي والمجاعات في دول عربية وإسلامية زرناها، كانت في الأمس القريب تنعم بما لذّ وطاب، واليوم يستفتون في بعض الحيوانات المحرّمة هل يجوز أكلها!؟ فيا حبذا من يأخذ هذه المبادرة ويعمل عليها ويعممها في دول الخليج والعالم العربي والإسلامي، حتى تنعم مجتمعاتنا بالطمأنينة والحياة الهانئة الرغيدة، فأهل قطر عُرِفَ عنهم حب فعل الخير على جميع الأصعدة، بل إن من يعيش على هذه الأرض الطيبة يتأثر بما يقوم به أبناء الوطن من أفعال خيرية شخصية أو بمشاركة الآخرين، وقد ذكرت ذلك إحدى الصحفيات المقيمات في قطر وتدعى "فيكتوريا سكوت" على الموقع الإلكتروني لصحيفة "التلجراف" البريطانية، أن أهل قطر كرماء ويسارع أبناء الوطن والمقيمون في تقديم لمسات إنسانية تجاه كل من يحتاج إلى المساعدة.
فيجب علينا الحمد والشكر لله عزّ وجل؛ حتى لا يحلّ بنا ما حلّ بغيرنا من كفر النعم، فالحمد لله والشكر لفضله على ما أنعم علينا به من نعم كثيرة لا نعدّها ولا نحصيها، ولا يكون الشكر بوجهه الصحيح إلا في القصد والاعتدال في مناحي الحياة التي نعيشها.
أبرز التطورات السياسية في تركيا لعام 2025
كما هو حال العالم العربي، شهدت تركيا هي الأخرى في عام 2025 أحداثًا بالغة الأهمية، حيث طرأت تطورات... اقرأ المزيد
45
| 05 يناير 2026
من بعد مادورو؟
بالنسبة لي وللعالم ككل فأنا أظن بأن الضربة التي نفذتها الولايات المتحدة على مواقع داخل فنزويلا هزّت انفجاراتها... اقرأ المزيد
69
| 05 يناير 2026
ماذا كشف «الأسبوع السيبراني 2025» عن حروب المستقبل؟
بات الأمن السيبراني اليوم أحد المفاتيح المركزية لفهم تحوّلات الصراع الدولي وإعادة تشكيل مفاهيم القوة والردع في النظام... اقرأ المزيد
42
| 05 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1548
| 04 يناير 2026
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
855
| 29 ديسمبر 2025
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
726
| 31 ديسمبر 2025