رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لن أغزل قصائد المديح للقرارات الأخيرة للرئيس الدكتور محمد مرسي مثلما فعل نفر من الكتاب ليس اقتناعا بالخطوة وإنما على خلفية كراهيتهم للعسكريين ولكنها على وجه الإجمال تمثل من منظور قراءة موضوعية خطوة ضرورية لإنهاء ما كان يبدو على السطح من ازدواجية في السلطة والتي تشكل على نحو أو آخر خطرا على الاستقرار السياسي في المحروسة غير أن ما لفت انتباهي ويستحق الثناء هو عملية إخراج هذه القرارات التي طالت رؤوسا كبيرة في المؤسسة العسكرية المصرية تتمتع بمناطق نفوذ شديدة التغلغل فيما يعرف بمؤسسات الدولة العميقة. فقد اتسمت بقدر كبير من الإنسانية - إلى جانب الاحترافية – بما حفظ لهذه الرؤوس كرامتها ووفر ما بات متعارفا عليه بالخروج الآمن والمشرف وهو أمر ينبغي التصفيق له لأنه ليس المطلوب إهانة من نفكر في إبعادهم عن مواقعهم أو التخلص منهم لمقتضيات الضرورة.
وأظن أن المنظومة القيمية التي يتكئ عليها الرئيس مرسي والنابعة من مرجعيته الإسلامية فضلا عن حسه السياسي الذي لا ينزع إلى الانتقام أو تصفية الحسابات شكلت الأرضية التي وقف عليها لحظة أن قرر القيام بخطوته المحسوبة والتي وصفها البعض بأنها تمثل البداية الحقيقية للمرحلة الانتقالية في المحروسة وأعطت لمؤسسة الرئاسة مكانها ومكانتها الصحيحة في المشهد السياسي المصري والذي بدا للوهلة الأولى بعد بلوغ مرسي المقعد الأول في الجمهورية الثانية أنها في حالة حذر وترقب وقلق.
شخصيا كنت أدرك أن ثمة صراعا على السلطة أو قل إن ثمة صراع إرادات بين مؤسسة الرئاسة من جهة والمجلس العسكري الذي استبق إعلان انتخابات الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة بإصدار الإعلان الدستوري المكمل الذي منحه السلطة التشريعية وإقرار الموازنة العامة للدولة في غيبة البرلمان الذي تعرض للحل بليل ولا أحد حتى الآن قادر على تفسير هذا الحل إلا في إطار الصراع الذي تجلى بشكل واضح بين حكومة الجنزوري وإلى حد ما المجلس العسكري من جهة وحزب الحرية والعدالة -الذارع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين - من جهة أخرى وتسبب هذا الصراع في غياب المرجعية لتدبير شؤون الوطن. فتعمقت الفوضى والانفلات الأمني واتسعت مختلف الظواهر السلبية وتفاقمت في الوقت نفسه مشكلات اقتصادية واجتماعية وبات رئيس الجمهورية محاصرا في قصره غير قادر على التطبيق الفعال لبرنامجه خاصة ما يتعلق منها بالمائة اليوم الأولى والتي تحتوي على خمس مشكلات رئيسية تتماس مع الحياة اليومية للمواطنين وأحسب أن ذلك كان متعمدا لإحداث تأثيرات سلبية على وضعية أول رئيس للجمهورية مدني منتخب لم يخرج من رحم النخبة الحاكمة القديمة أو بالأحرى المرتبطة بالنظام السابق والذي كاد ينجح في الدفع بأحد أركانه ليصل إلى موقع الرئيس وهو الفريق أحمد شفيق والذي حظي بدعم مؤسسات الدولة المصرية العميقة لآخر لحظة قبيل الإعلان عن نتائج الاقتراع بدقائق حيث كان المنتمون إليها يروجون لفوزه بأساليب شتى حتى أن أحدهم والذي ثبت أنه من أهم ناشطي الثورة المضادة رغم ركوبه موجة ثورة الخامس والعشرين أخذ يتواصل مع قناة فضائية شهيرة ويعلن عن وصول قوات الحرس الجمهوري إلى منزل شفيق بما يعني فوزه وهو ما تسبب في عملية حرق دم لي خلال متابعتي لهذه اللحظات الفاصلة في تاريخ المحروسة
لم تكن المسألة انقلابا ناعما ضد العسكر بدعم من الولايات المتحدة كما ردد البعض وإنما كانت تلك القرارات استجابة ملحة لضرورات المرحلة التي جاءت برئيس منتخب أقول منتخب ومن ثم فإنه يتعين أن يكون هو الرئيس صاحب القرار وليس غيره وإن كان لا ينبغي تجاهل المؤسسة العسكرية التي أعلن هو غير مرة احترامه لها وتقديره لدورها في حماية ثورة الخامس والعشرين من يناير والذي شكل أحد أهم المحفزات على سقوط مبارك ومشروع توريث السلطة لنجله جمال والتي كانت تعارضه بقوة وتستعد لإسقاطه حتى لو لم تندلع الثورة وفقا لما تكشف من معلومات فيما بعد
واللافت أن القيادات العسكرية وفي مقدمتها المشير محمد حسين طنطاوي والفريق سامي عنان مع غيرهما من قيادات الأسلحة الرئيسية في القوات المسلحة أبدوا انضباطا شديدا في سرعة تنفيذ قرارات الرئيس مستندين في ذلك بالأساس إلى أرضية وطنية صلبة يتمتعون بها فضلا عن تعهد شديد الوضوح بتسليم السلطة كاملة للرئيس المنتخب بعد أن أشرف المجلس العسكري على إجراء انتخابات رئاسية تميزت بقدر كبير من الشفافية والنزاهة وذلك على عكس أصحاب الهوى الذين استغلوا وسائط الإعلام في الترويج لأنباء عن تداعيات سلبية لقرارات مرسي وحدوث نوع من التمرد داخل بعض أوساط الجيش وقيام مرسي بوضع طنطاوي وعنان قيد الإقامة الجبرية وهو ما نفته الوقائع الصحيحة فيما بعد والتي تجلت في تكريم مرسي للرجلين عبر منحهما قلادة النيل وقلادة الجمهورية لدورهما الوطني وخدمتهما المشرفة والأهم تعيينهما ضمن فريقه الرئاسي كمستشارين له وهو ما أسكت هذه الأصوات الناشزة التي حاولت ضرب العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية في مقتل
إن طنطاوي وعنان وغيرهما من قيادات المؤسسة العسكرية لعبوا أدوارا شديدة الأهمية في تاريخ مصر المعاصر وهو أمر لا ينكره إلا جاحد بيد أن ذلك لا يعني بقاءهما على رأس سلطة موازية للسلطة الشرعية المنتخبة وفي تقديري المتواضع فإنه كان يتعين عليهما أن يبادرا بترك مواقعهما مع التشكيل الحكومي الجديد ولكن ربما التخوف من الملاحقات القضائية دفعهما للبقاء حتى يحصلا على ضمانات تحول دون ذلك وهو ما تم بالفعل ضمن تفاهمات تمت بالتأكيد معهما من قبل مؤسسة الرئاسة وذلك لا يتعارض مع قواعد اللعبة السياسية التي تتطلب مثل هذه التفاهمات في مرحلة كالتي تمر بها المحروسة خاصة في ظل غياب دستور يحدد صلاحيات رئيس الدولة وهو ما دفع مرسي إلى إصدار إعلان دستوري مكمل من قبله ليشكل الإطار العام لحركته خلال الفترة التي تسبق إصدار الدستور الجديد الذي تقوم الجمعية التأسيسية بصياغة مواده على نحو يحقق أهداف ثورة الخامس والعشرين من يناير
ورغم التأييد العام الذي حظيت به قرارات مرسي إلا أن ثمة مخاوف من أن تكون خطوة نحو ما يسمى بـ"أخونة " مؤسسات الدولة وهو أمر عبرت عنه رموز وطنية عديدة من بينها الدكتور محمد البرادعي وعلاء الأسواني وكثيرون لدرجة أن بعض الدوائر قررت تنظيم مليونية يوم الجمعة القادمة لإسقاط حكم مرسي وحكم الإخوان وهو ما يتناقض مع حقائق الواقع فلا الإخوان سيطروا على مؤسسات الدولة فهم يمثلون الأقلية في حكومة الدكتور هشام قنديل ولا هم اخترقوا القوات المسلحة أو قوات الأمن وما زالت هذه المؤسسات قائمة بتكويناتها منذ نظام مبارك فضلا عن ذلك فإن مرسي رئيس جاء من رحم انتخابات قامت على الاقتراع المباشر وامتطى صهوة جواد السلطة منذ حوالي الشهرين فقط فهل تجوز محاسبته على هذه الفترة الوجيزة
إنها القوى المرتبطة بمبارك وشفيق والثورة المضادة تريد أن تستيقظ وتثير فتنة في المحروسة وهو أمر يتطلب صحوة قوى الثورة الحقيقية لتدافع عن مصالحها وعن الوطن وإلا فإنه لن يدخل دائرة الاستقرار التي ما زالت مخاصمة للواقع
السطر الأخير:
أبحث عنك في المدائن
في حروف المفردات
في سواحل البلاد
أجوس خلل ديارك
فأسكنيني خيمتك
أيا بدوية العشق
وأصيلة الرهط
فيك تكويني
وصيرورة رحيلي
ولك وجدي وولعي
وبك أحظى بمطري
ولغتي وشعري
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
383
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
446
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
316
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3426
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3219
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1242
| 01 أكتوبر 2026