رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان حافظ الأسد طاغية بامتياز، لكنه كان أيضاً قارئاً ماهراً لخارطة التوازنات والتحالفات في الشرق الأوسط خاصة والعالم عامة.
وقد عرف كيف يلعب على أكثر من حبل ببراعة فائقة خدمة لمصلحة نظامه. فرغم خلافاته الكثيرة مع الأنظمة العربية، إلا أنه لم يقطع معها شعرة معاوية، وظل يحصل منها على معونات اقتصادية ومالية كبيرة، محافظاً في الوقت نفسه على تحالف وثيق ومدروس مع إيران خصم الكثير من الدول العربية.
ولم نر تذمراً عربياً قوياً من علاقة حافظ الأسد الوثيقة مع إيران، وقد نجح إلى حد كبير في أن يكون بيضة القبان بين العرب والإيرانيين، مستفيداً من الطرفين.
لقد أدار الأسد الأب مع إيران تحالفاً متوازناً يخدم الإيرانيين، لكنه في الوقت نفسه يخدم نظامه بالدرجة الأولى، ولم يسمح للإيرانيين أبداً في أن يتجاوزوا حدودهم، وقد ساعده في ذلك أن أوضاع المنطقة كانت أفضل مما هي عليه الآن بكثير، فاستطاع أن يمسك العصا من المنتصف مع الإيرانيين، لهذا لم تكن القيادة الإيرانية سعيدة تماماً بالطريقة الندية التي كان يتعامل بها معها حافظ الأسد، وكانت تحلم دائماً بأن تصبح سوريا ولاية إيرانية كاملة في يوم من الأيام.
ويذكر السفير السوري السابق صقر الملحم في كتاب مليء بالأسرار والمعلومات أن حافظ الأسد لم يترك الحبل على الغارب للإيرانيين أبداً كي يسيطروا على سوريا، بل وقف سداً منيعاً في وجوههم.
ويقول الملحم قبل أن يصبح سفيراً لاحقاً في أمريكا اللاتينية حرفياً: "خلال الفترة ما بين عامي 1997 -2002 خدمت في إيران، تعلمت خلالها اللغة الفارسية، وأقمت علاقات مع عدد لا بأس به من المواطنين الإيرانيين من مختلف التيارات الإيرانية، كان الإيرانيون يهابون حافظ الأسد، رغم تظاهرهم بأنهم أصدقاؤه. وفي إحدى زياراته لإيران، وبكوني كنت مسؤولاً عن كثير من الملفات، رافقتُ السفير السوري في طهران لمقابلة الرئيس في مكان إقامته في طهران. سأل الرئيسُ حافظ الأسد السفير: "هل لديك اقتراحات لتطوير عمل السفارة؟"، فرد السفير قائلاً: "لديَّ اقتراح صغير فقط، أن يتم السماح للإيرانيين بدخول سوريا بدون تأشيرات دخول كما يُسمح للإخوة العرب، إذا استحسنتم ذلك سيدي؟"، حتى الآن لم أستطع نسيان منظر عيون الرئيس حافظ الأسد وهي المرة اليتيمة التي قابلته فيها عن قرب، فقد شعرت أن الأرض ستزلزل تحت أقدامنا لانزعاجه الشديد من طلب السفير، وأخذ يتلفتُ يميناً ويساراً خوفاً من وجود أجهزة تنصت، رغم أنه تم فحص مكان الإقامة عشرات المرات من قبل لجنة خاصة قبل وصوله، وأشار بأصبعه للسفير، أي انتهت المقابلة".
ويمضي السفير الملحم قائلاً: "مضت الأيام وتوفي الرئيس حافظ الأسد، وفي مراسم تقبُّل العزاء بوفاته التي أقامتها السفارة في طهران، كان عدد الوفود والمعزّين الإيرانيين بالألوف، ولكني لم أنسَ أيضاً ما همس به أحد القادة الإيرانيين الكبار لأعضاء الوفد الذي كان يرافقه في تقديم العزاء. وكان يعتقد أنّ لا أحد من أعضاء السفارة يعرف اللغة الفارسية، حيث قال بما معناه: "لقد أزاح اللهُ الجبل من أمامنا (قاصداً حافظ الأسد) وقريباً ستنهض زينب من غفوتها في دمشق، وسترسو سفننا في البحر المتوسط، والبقية سأنشرها لاحقاً".
صحيح أن حافظ الأسد رفع شعاراً قومياً عربياً كاذباً، بينما تحالف إستراتيجياً مع الفرس ألد أعداء العرب والعروبة. وصحيح أنه ساند إيران في حربها الفاشية ضد العراق الشقيق، وصحيح أنه ولغ بدم السوريين والعرب، لكنه لم يسمح لإيران أن تبتلع سوريا، وتهيمن عليها، كما هو حاصل الآن، حيث "نهضت زينب من غفوتها في دمشق"، كما توّعد المسؤول الإيراني الكبير. وقد تحولت سوريا في عهد الوريث بشار إلى الولاية الإيرانية الخامسة والثلاثين كما أعلن أحد كبار الملالي في طهران قبل مدة.
وقد أصبحت دمشق مربط خيل الإيرانيين على الملأ، وصار المسجد الأموي وسوق الحميدية الدمشقي مكان اللطم المفضل للإيرانيين في سوريا، وانتشر التشيّع الإيراني في كل مدينة وقرية سورية، وقد اشتكى أحد كبار المسؤولين السوريين قبل سنوات من أن أزمة نقص الأسمنت في الأسواق السورية كانت عائدة إلى أن معظم إنتاجها يذهب لبناء الحسينيات الإيرانية في عموم سوريا، ولا ننسى أن دمشق العاصمة ربما تصبح بعد مدة كبغداد مدينة شيعية بعد تهجير أهلها أو تشييعهم.
وبينما رفض حافظ الأسد السماح للإيرانيين بدخول سوريا دون تأشيرة، أصبح الإيرانيون الآن حاكمين بأمرهم في سوريا يدخلون ويخرجون دون أن يعلم بهم حتى أجهزة الأمن السورية التي صار كبار ضباطها مجرد موظفين لدى الحرس الثوري، لا بل إن الجيش السوري نفسه أصبح تحت إمرة قاسم سليماني وشركائه. وأصبح الإيرانيون هم من يفاوض الجماعات المقاتلة بدل النظام السوري كما في حمص والزبداني والفوعا.
لقد أراد حافظ الأسد أن تكون العلاقة مع إيران علاقة تحالف ندية، حتى لو لصالح نظامه الديكتاتوري فقط، بينما، في عهد بشار، صارت سوريا مجرد تابع ذليل ومجرد ممر للإيرانيين إلى البحر المتوسط، تماماً كما حلم بذلك المسؤول الإيراني الكبير أثناء تقديم العزاء بوفاة حافظ الأسد في السفارة السورية في طهران.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
3279
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2592
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2352
| 15 أكتوبر 2026