رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تخيلت لو أن جيشا من جيوشنا – مجرد تخيلت ! - تحرك لتحرير ألف وسبع وعشرين أسيرا فلسطينيا وعربيا من سجون ومعتقلات الاحتلال الصهيوني وتسنت له كل ظروف النجاح في مهمته .. وتساءلت .. كم كان يجب أن يكون عديد هذا الجيش وعتاده ؟ وكم رتبة لواء وعميد وعقيد ومقدم ورائد ونقيب كان يجب أن يكون عليه ؟ ومن أي أرض سينطلق ؟ ومن الزعيم الذي سيتبناه ؟ ومن من أنظمتنا سيقف معه ويؤيده ؟ ومن منهم سيطعنه في الظهر ؟ وتساءلت : كيف سيكون أثر ذلك على المنطقة لعشرات السنين القادمة ؟ فكانت الصورة شائكة ومعقدة .. ثم نظرت فيما فعلته حماس يوم أسرت شاليط وما أنجزته يوم بادلته بكل هذا العدد من الأسرى وكيف أنها بيضت السجون من الأسيرات ومن الأطفال .. فقلت الحمد لله تعالى وحده الذي يكيد للمؤمنين وينصرهم ويمكر بالكافرين ويخيبهم ..
وأعود بذاكرتي إلى يوم الأحد 29 جمادى الأولى 1427هـ الموافق 25 حزيران يونيو 2006 م حيث قامت مجموعة لا تزيد على ثمانية من المجاهدين الذين ( صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) من المقاومة الإسلامية الفلسطينية المجيدة – حماس وألوية الناصر صلاح الدين وجيش الإسلام – بالعملية التي أسمتها " الوهم المتبدد " واستهدفت فيها الموقع العسكري لجيش الاحتلال على الحدود قرب مدينة رفح .. واستطاعت في وقت لا يزيد على خمس عشرة دقيقة ما بين الساعة 5.13 – إلى 5.28 من فجر ذلك اليوم التاريخي أسر الجندي " شاليط " وصالت وجالت وجاست خلال ديارهم وعلت وتبرت حصونهم تقتل وتجرح وتدمر ثم تنسحب مخلفة وراءها لواء جفعاتي - المييز والموصوف – يتحسس رأسه وجنبيه ويلطم ويبكي مصابه وخيبته كما تبكي النساء ..
وأنظر إلى مشهد تحرير الأسرى اليوم ونافذة الأمل التي فتحت وإبداع القيادة السياسية لحماس وإخوانها في الفصائل الآسرة الذين جعلوا نتنياهو يجثو على ركبتيه يتوسل الصفقة – كما يقول إعلام العدو نفسه – فأراه نصرا لا يقل عن نصر ذلك اليوم ، وأنظر فرحة الأمهات والأخوات والآل والأحبة بتحرير أبنائهم من محكومي المؤبدات وتحرير النساء والأطفال .. فأحمد الله تعالى أنه لا يزال فينا من يسد عن الجيوش الجرارة ومن يعوض فارق القوة ، ومن يختصر الزمن باتجاه النصر ..
جميل هو هذا الإنجاز وجميل ما منحه الله تعالى للمقاومة بهذا النصر المؤزر وجميل ما أنعمه تعالى علينا بالمقاومة الإسلامية .. وجميل أن تعود الكرة على الكافرين وأن تدور عليهم الدوائر كما دارت على أسلافهم وجميل أن يأتيهم الله من حيث لم يحتسبوا وأن ينبت لهم حماس كما أنبت موسى عليه السلام لفرعون الأول .. وجميل أن تهزم حماس كبرياء هذا العدو المتعنت المتغطرس الذي لا يعجبه شيء ولا يردعه شيء وجميل أن تهتك ردعه وأن تحط قدره وأن تخسئ مكره .. فالحمد لله رب العالمين ..
صحيح أن كلمة " جميل " في مقام وصف هذا الإنجاز وهذا الإبداع كلمة صغيرة ضئيلة وأقل من أن تعبر عن طعم الحرية بالنسبة للأسرى وأهاليهم وشعبهم وقضيتهم ، وعن أثر ذلك على جدارة المقاومة وجدواها وأهليتها واستحقاقها للثقة ، وهي كلمة لا تعبر عن معنى النصر المؤزر الذي انتزعته المقاومة انتزاعا من وجه العدو وشحمه ولحمه وأعصابه وكرامته وهيبته وردعه .. ولكن بريق الحقيقة وروعة المعنى أهم من أن تتنازعه كلمات الإطراء .. والحمد لله رب العالمين ..
جميل أن تأتي هذه الصفقة بعد خمس سنوات من أسر الجندي الصهيوني .. سنوات خمس كان كل يوم فيها وكل ساعة وكل عشر دقائق نصرا إضافيا في سجل عز المقاومة بقدر ما كانت صحيفة سوداء مشبعة بالخزي والعار في سجل الجيش الذي لا يقهر والأمن الذي أقام دولة ..
جميل أن تكون الأمور صعبة عليهم كما عبر عن ذلك رئيس وزرائهم السابق المهزوم والخاسئ " ايهود أولمرت " عندما قال " لقد رافقني أسر شاليط ساعة بساعة ولقد اتخذنا قرارات حيال قضية أسر شاليط وفعلنا أمورا لا يمكن التحدث عنها ولكن مازال جلعاد ليس معنا وهذا أمر مؤلم وصعب ! " وجميل أن يفشل وأن يعجز رئيس وزرائهم الحالي " المدلل والمتباهي " وأن يقول : " جربنا كل الطرق الممكنة لإعادة شاليط ولم ننجح " ، وجميل أن يبرز للعدو من صفوفنا من يجعل المفاوضات سلاحا لنا لا علينا ، وأن يجلس لها بندية وشموخ لا يتوسل ولا يترجى وتأتيه الوساطات ليقرر هو ما يقبل وما يرفض من العروض .. وجميل أن لا تقوم المفاوضات على وفاض خال ورجاء خائب .. وجميل أن يقول رئيس وزرائهم " لقد كانت مفاوضات صعبة ومتعبة " ..
جميل أن نرى طهارة وصلابة المقاومة ووعيها وصبرها واقتدارها في التفاوض والعمل السياسي كما رأينا دائما طهارتها وصلابتها ووعيها وصبرها واقتدارها في الميدان والمواجهات البطولية الفدائية والعسكرية .. جميل أن يرى العدو إصرار قيادة المقاومة على الوفاء للأسرى ليعلم أنها عصية على التدجين ، وأن يرى ثباتها ليعلم أن في شعبنا من لا تهزه عواصف الإغراءات وصوارف التسيد والبريستيج .. فالحمد لله رب العالمين ..
ربما سيكتب شاليط مذكراته وقد يعدل في القول فإن فعل فسيذكر العجائب من حسن تعامل حماس معه عبر ألف وثمانمائة يوما عايشوه فيها ورعوه وحموه لكن ليس على حماس أن تنتظر ذلك فقليل من الناس من ينصف عدوه .. فلتكتب وبالتأكيد قد وقع بينها وبينه – الأسير - من المجاملات والجوانب الإنسانية في لحظة مرض مرضها أو خوف خافها أو دمعة شوق دمعتها عينه ما يعلم العالم كله أن رجال حماس إنما هم مقاومون إنسانيون ومحترمون وعادلون وليسو إرهابيين ولا عدميين ولا معتدين .. وأن الإرهابي هو الاحتلال الذي يمارس على الأسرى كل صنوف الترويع والعزل واجتياح حقوقهم وتعذيبهم وتقطيع أجسادهم وسرقة أعضائهم وتجريب الأدوية وتعليم الأطباء المتدربين عليهم ..
جميل أن يفهم وأن يقتنع بعض ذوي القربى أن خطف الجندي الصهيوني كان إنجازا استراتيجيا كسر معايير التبادل التي كان العدو يصر على تثبيتها عبر عشرات السنين وعبر كل إفراجاته التي كان يمتن بها عليهم وكان يقتطع مقابلها مواقفهم ، جميل أن يفهموا أن أسر شاليط كان يستحق التضحيات التي عيّروا بها حماس يوم قالوا : " هل خطف جندي واحد يستحق 450 شهيدا " جميل أن يفهموا أن تحرير الأسرى تحريرا محتشدا بالثورة والعز ومليئا بالمجد ومشبعا بالندية لا توازيه ولا تعادله ولا تقاربه إفراجات العدو على مقاييس العدو ، جميل أن يفهموا أن المقاومة ليست عدمية وليست عبثية وأن لعملياتها نتيجة سوى " توريط الشعب الفلسطيني " كما كانوا يقولون .. هي تحرير الأسرى وكسر إرادة العدو وإخضاعه ورسم البسمة على شفاه الآباء والأمهات وعلى سحب السماء وغدران المياه وأشجار التين والزيتون ..
آخر القول : جميل كل ما في الصفقة وجميلة كل رسائلها .. وجميل أنها رسمت خطا عريضا باتجاه التحرير الكبير .. وباتجاه المصالحة مع شركاء الوطن .. وما النصر إلا من عند الله "ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم" .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3030
| 24 سبتمبر 2026