رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثلاثة سيناريوهات محتملة في سوريا تعكسها قراءة التطورات الراهنة
أمهل الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب الذي عقد يوم الاثنين الماضي بمقر الجامعة العربية بالقاهرة الحكومة السورية خمسة عشر يوما لعقد حوار وطني بمقر الجامعة لحل الأزمة السياسية العالقة في البلاد. كما قرر الاجتماع تشكيل لجنة برئاسة قطر لمراقبة الوضع.
وأشار معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية الذي ترأس الاجتماع الوزاري قائلا: "إن عقد حوار وطني خلال خمسة عشر يوما يعد من أهم القرارات التي اتخذت خلال اليوم". وستكون الخمسة عشر يوما المقبلة مهلة حاسمة لحكومة الرئيس السوري بشار الأسد والفرصة الأخيرة لإيجاد حل سلمي للازمة وللرئيس الأسد للاستماع لما يريده الشعب السوري من حكومته.
ودعا حضرة صاحب السمو الأمير المفدى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في مقابلة مع قناة الجزيرة الأسبوع الماضي إلى وقف عمليات القتل في سوريا قائلا: "إن هناك تحركا عربيا إزاء ما يحدث في سوريا"، وأضاف سموه: "طبعا الدول العربية وجامعة الدول العربية متحركة، لكن طبعا أهم شيء المطلوب الآن بشأن وضع سوريا هو غيقاف القتل وإيجاد مجال للناس لتناقش أمورها بين بعضها البعض وتبتعد عن عملية القتل شبه اليومية".
هذا وقد لقي ثلاثة آلاف سوري حتفهم منذ اندلاع الاحتجاجات في مارس الماضي وفقا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة مؤخرا. وأوضحت نافى بيلاي، المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، أن 187 طفلا على أقل تقدير قد لقوا حتفهم ضمن هؤلاء. لذلك تعتبر أعداد الأطفال ضحايا القتل والعنف في سوريا خلال السبعة أشهر الماضية من الاحتجاجات غير مسبوقة. ولم تشهد دول أخرى -عدا ليبيا- التي لا تتوفر عنها احصاءات في هذا الصدد والتي اجتاحتها رياح الربيع العربي، مثل هذا الرقم المهول من الأطفال الضحايا.
فكم من الأطفال السوريين يجب أن يسقطوا قتلى كي يتخذ الأسد إجراء ملموسا لوقف نزيف الدماء في البلاد؟ لقد جاءه الفتح لآن من قبل الجامعة العربية للجلوس والتفاوض مع أطراف المعارضة لإيقاف قتل أرواح الأبرياء.
علماً أن الرئيس الأسد أجرى محاولات عديدة سابقة لتطبيق إصلاحات سياسية في البلاد، كما أصدر مؤخرا قرارا بتشكيل لجنة وطنية لصياغة دستور جديد خلال أربعة أشهر. إلا أن الدستور الذي يصنعه النظام قابل للتغيير أيضا بواسطة النظام نفسه حيث جرى تغييرا للدستور عندما أتى الأسد للسلطة. ولهذه الأسباب لا يثق الشعب السوري في وعود الأسد الإصلاحية والمتعلقة بالدستور الجديد.
وبالرغم من قرار الجامعة العربية بمنح سوريا فرصة لوقف نزيف الدم وبدء حوار حقيقي مع المعارضة، إلا أن سوريا تبدو ممتعضة من هذا القرار، حيث قال يوسف أحمد سفير سوريا لدى الجامعة العربية في تصريح له: "إن أي حوار وطني يجب أن يجري داخل سوريا فقط". كما أبدى قلقه حيال الدور الذي تلعبه قطر فيما يتعلق بمراقبة الأوضاع في بلاده ، معلنا أن توقيت الاجتماع "غريب ومثير للريبة". وقد اتهمت سوريا علناً قطر بانحيازها ضد الأسد وامتلاكها لأجندة خاصة في البلاد.
غير أن معالي رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني أشار إلى أن الاجتماع لم ينعقد وفقا لأية أجندة خاصة بل لإبداء القلق تجاه ما يجري في سوريا والشعب السوري، مضيفا "يرغب أشقاؤكم في مساعدتكم".
وإن كان لقطر أية أجندة خفية في هذا الصدد، ما كان لها أن تنتظر طيلة هذه المدة لكي تتخذ إجراء حيال سوريا وكان بمقدورها أن تتحرك منذ بدء الاحتجاجات في مارس الماضي، إلا أن سياسة قطر الخارجية واضحة دوما منذ البداية حيث إنها تتفق مع سياسات الجامعة العربية أو المؤسسات الدولية على شاكلة ما حدث في ليبيا.
وقد قال صاحب السمو الأمير في خطابه مؤخرا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: "من ناحية كانت لنا دائما سياسة واضحة في قواعد التعامل العربي والإقليمي والدولي، تقوم على قواعد التفاهم والتصالح والتوافق بين الشعوب والدول، وفي الوقت ذاته لم نكن نحن أو غيرنا قادرين على أن نغلق السمع والبصر إزاء نداءات جريحة تلتمس نجدة القريبين والبعيدين للمساعدة ضد قهر استبد وطغى".
وهنا لا بد من الاشاره الى أن معدلات القتل شبه اليومي وحملات المداهمة والقمع ضد المحتجين ومعدلات القتل العالية بين الأطفال هى ما دعت قطر للتحرك والمساهمة في إيجاد حل لوقف نزيف الدم وإنهاء العنف.
ونحن نكرر نداءنا مرة أخرى للمجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بعدم الالتفات لتهديدات الأسد واتخاذ مواقف قوية وفورية قبل فوات الأوان، خاصة بعد أن منحت الجامعة العربية حكومة الأسد فرصة للتفاوض للتوصل إلى حل يؤمن إجراء الإصلاحات المطلوبة في البلاد.
وبعد قراءتنا للأوضاع والتطورات الراهنة، نرى أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة الوقوع فيما يتعلق بالأوضاع في سوريا:
الأول: أن تنخرط حكومة الأسد في حوار وطني مباشر مع قادة المعارضة تحت إشراف الجامعة العربية. وعندها لا بد أن تتخذ الحكومة السورية إجراءات جادة وتفي بوعدها بإجراء الإصلاحات المطلوبة في البلاد بهدف وقف نزيف الدم والعنف.
غير أن هذا الأمر مشكوك في حدوثه، حيث كان بمقدور حكومة الأسد أن تفعل ذلك من قبل إن كانت جادة في تطبيق تلك الإصلاحات. واليوم مضت عشر سنوات على وصول الأسد للسلطة دون أن تطبق أية إصلاحات. إن الأمل بعيد في أن تطبق تلك الإصلاحات في الوقت القريب بالنظر لما تقوم به الحكومة الحالية من تصرفات وأفعال.
الثاني: وقوع حرب أهلية شاملة في سوريا كالتي حذرت منها الأمم المتحدة من قبل. وسوف يستمر الاقتتال لزمن طويل بين مختلف الجماعات في البلاد، الشيء الذي تريده الحكومة لتقسيم البلاد وتقنين شرعية حكمها للبلاد كما حدث في كل من السودان، الصومال، ولبنان.
الثالث: استمرار الاحتجاجات السلمية تحت مظلة المجلس الوطني السوري. وربما تنشق بعض المجموعات عن الجيش ويقدم بعض السفراء على النأي بأنفسهم عن الحكومة. وسيؤدي ذلك إلى توليد المزيد من القمع والعنف. كما سيؤدي تدهور الأوضاع إلى إرغام المجتمع الدولي على التدخل وفرض عقوبات قاسية على سوريا مثل فرض منطقة للحظر الجوي كما حصل في ليبيا والاعتراف بالمجلس الوطني السوري كممثل رسمي وشرعي للشعب السوري.
وعليه فإن مهلة الخمسة عشر يوما قد لا تمثل شيئا لحكومة الأسد تعني المجتمع الدولي قبيل البدء في اتخاذ موقف متشدد حيال سوريا، لأن الأسد إن كان يرغب فى إجراء إصلاحات، لأقدم على ذلك منذ توليه السلطة قبل عشر سنوات مضت.
في الوقت نفسه لا نملك إلا انتظار الأيام القليلة المتبقية من المهلة لنرى كيف تسير الأمور. إلا أننا نشعر أن الأوضاع ستستمر على ما هي عليه حتى يتم حدوث تغيير حقيقي وملموس في النظام الحاكم.
لقد قالها صاحب السمو الأمير في خطابه الذي ألقاه لدى زيارته خلال الأيام الماضية إلى مقدونيا إن وطننا العربي "ينشد هذه الأيام لشمس الحرية وهو على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخه"، معربا سموه عن أمله في أن تنقُلَهُ شمس الحرية إلى آفاق أرحب في الإبداع والعمل والإنتاج والحُكم الرشيد.
رئيس تحرير جريدة البننسولا khalid@pen.com.qa
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17628
| 16 يونيو 2026
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
10503
| 20 يونيو 2026
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
8424
| 14 يونيو 2026