رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
زرت العاصمة الأمريكية لمدة أسبوعين في الفترة الأخيرة حيث حصلت على فرصة لتعزيز فهمي للدولة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم بلا منازع. لغرض المقارنة ليس أكثر، يتوقع أن يبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة مع نهاية العام 2011 نحو 15.2 تريليون دولار استنادا لمبدأ القوة الشرائية. يشكل هذا الرقم نحو 20 في المائة من الاقتصاد العالمي وعليه يقترب من الناتج المحلي للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مجتمعة وعددها 27 دولة.
بذلت جهودا خلال الرحلة للوقوف على بعض التحديات الجوهرية التي تواجه الاقتصاد الأمريكي في هذه الفترة الحساسة أي في ظل حالة اختناق الاقتصاد العالمي من معضلة المديونية خصوصا تلك المتعلقة بدول اليورو مثل اليونان. حقيقة القول، تعاني الولايات المتحدة نفسها من معضلة مديونية بدليل ما حدث قبل عدة شهور عندما وافق الكونجرس على رفع سقف الدين العام لتحاشي الوقوع في الخطأ أي عدم القدرة على تسديد بعض الالتزامات المالية المترتبة على الحكومة الفيدرالية.
من جملة الأمور، لفتت نظري الأحاديث المتكررة عن ضرورة إيجاد فرص العمل للمواطنين ولأسباب مفهومة. فحسب أفضل الإحصاءات المتوافرة، تبلغ نسبة البطالة في أوساط العمالة النشطة والباحثة عن العمل نحو 9.1 في المائة. ولا توجد غرابة للحقيقة المرة وتحديدا تمثيل الشباب قرابة 25 في المائة أي الغالبية العظمى من العاطلين. ويعود الأمر بشكل نسبي لرغبة الشباب في الحصول على وظائف مناسبة تتناسب وطموحاتهم بعد سنوات من التعليم، تماما كما هي الحال مع نظرائهم في دول أخرى.
بيد أنه تقل نسبة البطالة في أوساط الأمريكيين من الأصول الآسيوية حيث تبلغ 7.8 في المائة أي الأقل مقارنة بالفئات الأخرى. وربما هذا يفسر وجود رغبة عارمة لدى الآسيويين بشكل عام للعمل بغض النظر عن مستوى الوظائف.
يتميز الاقتصاد الأمريكي بتمثيل نحو نصف السكان في سوق العمل، وربما هذا يفسر جانبا من البطالة المرتفعة نسبيا ما يعني وجود عدد كبير من الناس في السوق بحثا عن وظائف مناسبة. في المقابل، تتميز أسواق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي بمحدودية نسبة المشمولين فيها تصل لحد الثلث. ومرد هذا التمايز هو وجود نسبة كبيرة من المواطنين والذين بدورهم لم يدخلوا سوق العمل في اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بسبب عامل الديمغرافية. يشكل الشباب دونما سن العمل نسبة مؤثرة من السكان في دول مجلس التعاون الخليجي، تصل لحد 40 في المائة من المجموع.
الأمر الآخر مثل التساؤل هذه الأيام يعود لتجدد الحديث حول الدور المحتمل لأسواق المال بالتسبب في المعضلات الاقتصادية التي تعيشها البلاد بدءا من البطالة وليس انتهاء بالمديونية. لا شك، تعاني الولايات المتحدة من أزمة مديونية صعبة حيث تطلب الأمر خلال فصل الصيف الماضي موافقة الكونجرس على رفع سقف المديونية بواقع 2.1 تريليون مقابل وعود بخفض النفقات العامة بنفس المستوى على مدى 10 سنوات. الوعود هذه هي سياسية بالدرجة، وعادة لا يشتهر السياسيون بتنفيذ وعودهم. وقد فاق حجم الدين العام في الولايات المتحدة حاجز 14 تريليون دولار أي ليس قريبا من القيمة الكلية للناتج المحلي الإجمالي بأسعار القوة الشرائية.
وكما هو معروف، تقوم بعض دول العالم وفي مقدمتها الصين بشراء السندات التي تصدرها الحكومة الفيدرالية لتمويل العجز المالي. فحسب آخر الإحصاءات المتوافرة والتي تعود لشهر يوليو 2011، تبلغ قيمة السندات والضمانات الأمريكية التابعة للصين 1117 مليار دولار أي الأولى بلا منازع بين دول العالم.
وفي كل الأحوال، يمكن ربط جانب حيوي من الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة بمثابة تعويض عن التجارة البينية، حيث تمتعت الصين بفائض تجاري مع الولايات المتحدة قدره 273 مليار دولار في العام 2010. وعليه لا تجد الصين بدا عن استثمار مليارات الدولارات في الولايات المتحدة لضمان عدم تعرضها لضغوط من السلطات الأمريكية خصوصا في الكونجرس للتعويض عن التباين في التبادل التجاري. لكن تخسر الصين جانبا من قيمة استثماراتها في الولايات المتحدة في حال انخفاض قيمة الدولار الأمر الذي يشكل بؤرة توتر في العلاقات بين بكين وواشنطن. وعلى هذا الأساس، تكمن مصلحة الصين في عدم انخفاض قيمة الدولار في الأسواق العالمية.
تكمن مصلحة الولايات المتحدة بعدم ارتفاع معدلات الفائدة وبالتالي دفع أقل مبلغ ممكن للقروض التي تقوم بأخذها لتمويل عجز ماليتها العامة. لكن يضر هذا الأمر بمصالح الدول التي تقدم التمويل اللازم لسد العجز المالي الأمريكي والتي بدورها تجازف بأموالها بل تخرجها من بلدانها بغية الحصول على عوائد مالية.
من جهة أخرى، لفت نظرنا في زيارتنا الحالية للولايات المتحدة ظهور بعض الاحتجاجات حيال اقتصاد السوق في ظل وجود تصور مفاده بأن بعض اللاعبين في السوق المالية في مدينة نيويورك وتحديدا منطقة الوول ستريت لعبوا دورا في الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد. التصور الموجود هو أن البعض من قبيل المؤسسات المالية ورؤساء بعض الشركات التجارية أسهموا في إيجاد المعضلات الاقتصادية الحالية مثل البطالة والمديونية.
لكن ليس من الصواب المبالغة في قراءة ما يمكن أن تسببه حالة الاحتجاجات. فلا أحد يتوقع أن تصل الأمور لحد حصول تغييرات جوهرية كما هي الحال مع غالبية دول الربيع العربي. بل يتركز الحديث حول ضرورة قيام الحكومة الفيدرالية بتحمل مسؤولياتها تجاه فئات المجتمع الأكثر حاجة للمساعدة. وتبين حديثا بأن السلطات بدأت باتخاذ خطوات محددة لإنهاء حالة الاعتصام بعد طول أمدها ونجاحها في توصيل الرسائل لذوي الشأن خصوصا السلطات الفيدرالية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك أوطان تُبنى بالحجارة، وهناك أوطان تُبنى بالرؤية. وهناك دول يختصرها حاضرها، وأخرى يروي تاريخها قصة سنوات طويلة من العمل والتخطيط والصبر حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم. وقطر واحدة من تلك الدول التي لم تصل إلى مكانتها العالمية في ليلة وضحاها، ولم يصبح اسمها حاضرًا في المحافل الدولية بمحض الصدفة، وإنما بجهد متواصل، وإرادة لا تعرف المستحيل، ورؤية آمنت بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. واليوم، ونحن ننظر إلى وطننا، لا ينبغي أن ننظر إليه بوصفه دولة غنية فحسب، بل بوصفه أمانة كبرى. أمانة تتمثل في أمنه، ووحدته، واستقراره، وسمعته، وإنجازاته، ومكانته التي أصبحت محل احترام العالم. فكل طريق، ومدرسة، ومستشفى، وجامعة، وميناء، ومؤسسة، وكل إنجاز تحقق على هذه الأرض، لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة سنوات من العمل والإخلاص والتضحيات. وتزداد هذه الأمانة اليوم ثقلًا في ظل أزمة إقليمية لم يعهد الخليج مثل اتساعها وخطورتها. فمن كان يتصور أن تتعرض دول الخليج، الواحدة تلو الأخرى، للصواريخ والمسيّرات والتهديدات القادمة من جهات متعددة؟ ومن كان يظن أن المدن الآمنة، والمنشآت المدنية، والممرات البحرية، ومصادر الطاقة والمياه يمكن أن تصبح في قلب المواجهة؟ لقد تعرضت دول خليجية عدة خلال التصعيد الراهن لهجمات وتهديدات طالت أمنها ومنشآتها الحيوية، ووصل الخطر إلى محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه، وإلى خطوط الملاحة في مضيق هرمز والبحار المحيطة بالمنطقة. وهذا يكشف أن الحروب الحديثة لا تستهدف المواقع العسكرية وحدها، بل قد تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للإنسان: الماء الذي يشربه، والغذاء الذي يصل إلى بيته، والكهرباء التي تنير مدينته، والطريق البحري الذي تعبر منه احتياجاته. إن تهديد محطات تحلية المياه في الخليج ليس أمرًا ثانويًا، فدول المنطقة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على مياه البحر المحلاة. وأي اعتداء على تلك المنشآت لا يعني تضرر مبنى فحسب، بل يعني تهديد شريان الحياة لملايين البشر. وقد أبرزت الهجمات الأخيرة على منشآت المياه والكهرباء مدى أهمية هذه المرافق أمام الحروب، ومدى ضرورة حمايتها، وتطوير البدائل، وزيادة المخزون الاستراتيجي، وعدم الاطمئنان إلى أن مصادر الحياة بعيدة عن ميادين الصراع. والغذاء كذلك أصبح جزءًا من الأمن الوطني، لأن اضطراب الملاحة أو إغلاق الممرات البحرية أو تعطل سلاسل الإمداد يمكن أن يرفع الأسعار ويؤخر وصول السلع الأساسية. وقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن الدولة التي لا تنوّع مصادر استيرادها، ولا تدعم إنتاجها المحلي، ولا تبني مخزونها الاستراتيجي، قد تجد أمنها الغذائي رهينة قرار أو حرب وقعت خارج حدودها. وتشير تقديرات متخصصة إلى أن التوترات الإقليمية الحالية تهدد سلاسل التصدير والإمداد، وتضاعف مخاطر الأمن الغذائي في المنطقة والعالم. لهذا فإن المحافظة على قطر لم تعد مجرد عبارة وطنية نرددها، بل ضرورة وجودية تتطلب وعيًا شاملًا. فالأمن اليوم ليس حراسة الحدود فقط، بل حماية الماء والغذاء والطاقة والاقتصاد والمعلومات، وحماية المجتمع من الشائعات والفوضى والخوف. وليس كل اعتداء يبدأ بصاروخ، فقد يبدأ بخبر كاذب ينتشر في لحظات، أو إشاعة تدفع الناس إلى الهلع والتدافع وتخزين السلع، فتربك المجتمع وتخدم أهداف العدو من حيث لا يشعر ناشرها. في أوقات الأزمات يظهر المعدن الحقيقي للمجتمعات. يظهر المواطن المسؤول الذي يأخذ معلوماته من المصادر الرسمية، ولا يعيد نشر كل ما يصله، ولا يثير الذعر، ولا يستغل حاجة الناس، ولا يكدس السلع بلا ضرورة. ويظهر التاجر الأمين الذي لا يرفع الأسعار، والموظف المخلص الذي يؤدي واجبه، والإعلامي الذي يزن كلماته، والأسرة التي تربي أبناءها على الثبات والوعي، لا على الخوف والانفعال. إن حماية قطر مسؤولية كل مواطن، ولا تنتهي عند المقيم. فكل من يعيش على هذه الأرض وينعم بأمنها واستقرارها يحمل جزءًا من مسؤولية الحفاظ عليها. الوطن لا تحميه الجدران وحدها، وإنما يحميه الإنسان الواعي الذي يعرف قيمة ما بين يديه، ويحسن التصرف وقت الرخاء والأزمة. وقد أحسنت قطر الاستفادة من التجارب السابقة، فعملت على تنويع مصادر الغذاء، وزيادة الإنتاج المحلي، وبناء مرافق ومخزونات استراتيجية، وتعزيز قدرتها على مواجهة اضطرابات الإمداد. وتؤكد التقارير الحديثة أن الأمن الغذائي في قطر ما زال مستقرًا، نتيجة الاستعداد المبكر وتنوع الخطط والبدائل. لكن قوة الاستعداد لا تعني أن نركن إلى الطمأنينة، بل أن نواصل التطوير، لأن التحديات تتغير، والحروب تكشف كل يوم أدوات جديدة للضغط والاستهداف. إن أعظم الأخطاء أن نعتاد النعمة حتى ننسى كيف جاءت. فمن السهل أن يرث الإنسان وطنًا قويًا، لكن الأصعب أن يحافظ على قوته. ومن السهل أن يعيش في دولة مستقرة، لكن الأصعب أن يكون سببًا في استمرار هذا الاستقرار. فالأوطان لا تتراجع فجأة، وإنما تبدأ بالتراجع عندما يضعف الشعور بالمسؤولية، ويحل محله الاعتقاد بأن الإنجازات ستبقى مهما أهملنا. إن المحافظة على قطر تبدأ من المدرسة والجامعة ومكان العمل والشارع والمنزل ووسائل التواصل الاجتماعي. تبدأ حين يتقن الموظف عمله، ويحترم الطالب علمه، ويخلص التاجر في تجارته، ويحافظ الفرد على الممتلكات العامة، ويحسن استهلاك الماء والغذاء والطاقة، ويدرك أن الإسراف في زمن الأزمات ليس حرية شخصية، بل سلوك يمس أمن المجتمع كله. كما تبدأ المحافظة على الوطن بالوحدة. فالأزمات لا تختبر قوة السلاح وحده، بل تختبر تماسك المجتمع وثقته بقيادته ومؤسساته. وكل محاولة لإثارة الانقسام، أو نشر الكراهية، أو ضرب العلاقة بين المواطن والمقيم، إنما تستهدف جدارًا من جدران الوطن. فالناس في السفينة الواحدة، وأي ثقب فيها لن يسأل عن جنسية من يصيبه الماء. واليوم، وقد أصبحت قطر دولة ذات حضور عالمي، فإن مسؤوليتنا أصبحت أكبر. نحن لا نحمل اسم وطننا داخل حدوده فقط، بل نحمله أينما ذهبنا. العالم يعرف قطر ويراقب تجربتها ويحترم نجاحاتها، ولذلك فإن كل مواطن ومقيم سفير لهذا الوطن، يمثله في أخلاقه وعمله والتزامه قبل أن يمثله بكلماته. قطر اليوم ليست مجرد وطن نعيش فيه، بل إرث حضاري ومسؤولية تاريخية وأمانة أخلاقية. وما نملكه من أمن ورخاء واستقرار ومكانة ليس أمرًا مضمونًا إلى الأبد، بل نعمة تحتاج إلى الشكر، وإنجاز يحتاج إلى الحماية، ووطن يحتاج إلى رجال ونساء يعرفون أن الولاء الحقيقي يظهر حين تتبدل الأيام وتشتد الأزمات. فليكن سؤال كل واحد منا: ماذا قدمت اليوم لقطر؟ هل حافظت على أمنها؟ هل صنت وحدتها؟ هل كنت مصدر وعي أم مصدر شائعة؟ هل كنت لبنة في البناء أم ثغرة ينفذ منها الخوف؟ الخليج يمر اليوم بامتحان عسير، وقطر ليست بعيدة عن رياحه، لكن الأوطان التي بنت مؤسساتها، ووحّدت صفوفها، وأعدّت أبناءها للأزمات، لا تسقط أمام العواصف، بل تخرج منها أصلب عودًا وأعمق وعيًا. قطر أمانة في أعناقنا، وحمايتها ليست مهمة يوم واحد، بل عهد يتجدد كل صباح، ومسؤولية يؤديها كل إنسان من موقعه، حتى تبقى هذه الأرض آمنة عزيزة، ويظل علمها مرتفعًا، ويصل إرثها إلى الأجيال القادمة أقوى مما تسلمناه.
6525
| 20 يوليو 2026
هناك لحظات في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن، لأنها ترتبط برجالٍ تركوا أثرًا عميقًا في وجدان شعوبهم، وأسهموا في صناعة مراحل جديدة من البناء والتطور. ومن بين تلك اللحظات، يأتي رحيل سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، ليحمل مشاعر الحزن والفقد في قلوب أبناء قطر، لكنه في الوقت ذاته يفتح صفحات مشرقة من سيرة قائد ترك بصمة راسخة في تاريخ الوطن، وأسهم في رسم ملامح الدولة الحديثة. ونحن أبناء هذا الوطن نستحضر اليوم سيرة قائدٍ ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ دولتنا، لا بوصفها صفحات في سجل التاريخ فحسب، بل باعتبارها مرحلة عشنا آثارها ورأينا خلالها قطر تنتقل بخطى ثابتة من مرحلة البناء المتدرج إلى مرحلة الحضور المؤثر إقليميًا ودوليًا. فقد امتلك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، رؤية بعيدة المدى جعلت من التنمية مشروعًا شاملًا يقوم على بناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، وترسيخ مكانة الدولة بين الأمم. لقد أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أن الثروات الطبيعية لا تصبح مصدر قوة حقيقية إلا عندما تُدار بعقلية استراتيجية تستثمرها لصالح الأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق، شهدت دولة قطر تحولًا اقتصاديًا كبيرًا، كان من أبرز مظاهره تطوير قطاع الغاز الطبيعي المسال، الذي أصبح أحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني، وأسهم في دعم مشاريع التنمية وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. ولم يكن الاقتصاد في تلك المرحلة هدفًا منفصلًا عن الإنسان، بل كان وسيلة لتحقيق حياة أفضل للمواطنين. فقد انعكس النمو الاقتصادي على مختلف جوانب الحياة من خلال تطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات العامة، وخلق فرص جديدة أمام أبناء الوطن، مما عزز رفاه المجتمع ورسخ الثقة بمستقبل قطر. وقد احتل بناء الإنسان مكانة مركزية في فكر سمو الأمير الوالد، رحمه الله، انطلاقًا من إيمانه بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن. ولهذا حظي قطاع التعليم باهتمام كبير، وشهدت الدولة توسعًا في المؤسسات التعليمية، ودعمًا للبحث العلمي، وانفتاحًا على أفضل التجارب العالمية. كما تطور القطاع الصحي بصورة لافتة، من خلال بناء منظومة صحية حديثة تهدف إلى توفير خدمات ذات جودة عالية، بما يعكس اهتمام الدولة بصحة الإنسان وكرامته. وفي الجانب المؤسسي، شهدت قطر خلال تلك المرحلة خطوات مهمة نحو ترسيخ دعائم الدولة الحديثة. فقد جاء إقرار الدستور الدائم لدولة قطر محطة بارزة في مسيرة التطور الوطني، حيث أسهم في تعزيز العمل المؤسسي، وتنظيم العلاقة بين سلطات الدولة، وترسيخ مفهوم المسؤولية الوطنية في إدارة شؤون البلاد. أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد تمكنت قطر من بناء حضور دولي مميز قائم على الحوار والتعاون واحترام سيادة الدول. وأصبحت الدبلوماسية القطرية عنوانًا للحوار والوساطة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، مما عزز مكانة الدولة وأثبت أن تأثير الدول لا يقاس بمساحتها الجغرافية، بل بقدرتها على المبادرة وصناعة الأثر. ومن أبرز المحطات التي جسدت نهج سمو الأمير الوالد، رحمه الله، في السياسة الخارجية، زيارته التاريخية إلى قطاع غزة في أكتوبر عام 2012، حيث كانت زيارة ذات أبعاد إنسانية وسياسية مهمة، وعكست اهتمام دولة قطر بدعم الشعب الفلسطيني والوقوف إلى جانب قضاياه الإنسانية والتنموية. وقد ارتبطت هذه الزيارة بإطلاق منحة لإعادة إعمار القطاع بلغت 400 مليون دولار، أسهمت في تنفيذ عدد من المشاريع الإسكانية والتنموية، من أبرزها مدينة الشيخ حمد السكنية، وتطوير عدد من الطرق الحيوية، إلى جانب دعم القطاع الصحي من خلال إنشاء مستشفى سمو الشيخ حمد بن خليفة للتأهيل والأطراف الصناعية. كما حملت الزيارة رسالة تؤكد أهمية دعم التنمية وتعزيز مقومات الحياة الكريمة للشعوب. كما أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أهمية الإعلام والمعرفة في تعزيز حضور الدولة وبناء قوتها الناعمة، فشهدت قطر خلال تلك المرحلة تطورًا إعلاميًا وثقافيًا لافتًا، كان من أبرز مظاهره تأسيس قناة الجزيرة عام 1996، التي أصبحت إحدى المنصات الإعلامية العربية المؤثرة، وأسهمت في تعزيز حضور قطر على الساحة الإعلامية الدولية. كما واصلت الدولة اهتمامها بالمجالات الثقافية والتعليمية والمعرفية، بما يعكس رؤية شاملة للتنمية تجمع بين الإنسان والعلم والهوية. ومن التحولات التاريخية المهمة في مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، تسليم مقاليد الحكم عام 2013 إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة عكست رؤية تقوم على استمرارية الدولة وتجدد القيادة. وقد مثل هذا الانتقال لحظة مهمة في تاريخ قطر السياسي، إذ أكد أن بناء الوطن مشروع مؤسسي تتواصل فيه الأجيال، وأن مسيرة التنمية تستند إلى مؤسسات قوية ونهج واضح للمستقبل. ولم تتوقف مسيرة التنمية عند هذه المحطة، بل واصلت الدولة طريقها نحو تحقيق المزيد من الإنجازات، وكان من أبرزها استضافة بطولة كأس العالم 2022، التي شكلت علامة فارقة في تاريخ قطر والمنطقة. فقد عكست هذه الاستضافة مستوى التطور الذي وصلت إليه الدولة في مجالات البنية التحتية والتنظيم والقدرة على استضافة أكبر الأحداث العالمية، كما قدمت صورة مشرقة عن المجتمع القطري وثقافته وقيمه. وعندما نتحدث عن أثر هذه المسيرة على المواطن القطري، فإننا لا نتحدث فقط عن مشاريع اقتصادية، بل عن واقع عاشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فالتطور الذي شهدته الدولة انعكس على التعليم والصحة والخدمات، وأسهم في تعزيز شعور المواطن بالأمن والاستقرار والفخر بما تحقق لوطنه. وأرى أن أهم ما يميز هذه المسيرة التنموية هو قرب أثرها من المواطن، إذ أصبحت نتائجها واضحة في حياته اليومية وفي البيئة التي يعيش فيها، مما عزز شعوره بالانتماء والثقة بمستقبل وطنه. إن القادة الحقيقيين لا يُقاس أثرهم فقط بما ينجزونه خلال فترة مسؤوليتهم، وإنما بما يتركونه من أسس تستمر بعد رحيلهم. وسيبقى اسم سمو الأمير الوالد، رحمه الله، حاضرًا في تاريخ قطر وذاكرة أبنائها، بما حملته مسيرته من رؤية وإنجازات أسهمت في بناء الدولة الحديثة وتعزيز حضورها في العالم. وسيظل رحيل سمو الأمير الوالد، رحمه الله، محطة حزن في وجدان القطريين، لكنه سيبقى أيضًا مناسبة لاستحضار مسيرة قائد لم يترك وراءه إنجازات ومؤسسات فقط، بل ترك شعورًا راسخًا لدى أبناء وطنه بأن البناء الحقيقي هو ما يستمر أثره عبر الأجيال. فالأوطان لا تحفظ أسماء قادتها بما حققوه من مشاريع فحسب، بل بما زرعوه من ثقة وأمل في نفوس أبنائها، وستبقى مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، جزءًا من ذاكرة قطر، وشاهدًا على مرحلة صنعت الكثير من ملامح حاضرها ومستقبلها.
3432
| 18 يوليو 2026
«المقياس قطر».. لا توجد ترجمة حرفية لهذه العبارة، لكنها تعني في جوهرها أن كل ما يُنجز إنما يُنجز من أجل قطر، لا لمصلحة شخصية، ولا سعيا وراء الشهرة أو المجد، وإنما لخدمة الوطن وأهله. هذه العبارة كانت البوصلة التي تهديني في كل ما أقوم به. وهي الشعار الذي أحمله في حياتي، تعلمته من والدي (يُبا)، الذي عاشها واقعا يوميا. فقد كان يضع وطنه وشعبه قبل نفسه. كلما كنا معه، كان الحديث دائما عن قطر. لم يكن هناك فاصل بين يوم عمل في المكتب وإجازة عائلية؛ فشؤون الدولة كانت حاضرة في ذهنه باستمرار. كان يتمتع بشخصية آسرة، وكاريزما معدية، وقدرة استثنائية على أن يجمعنا جميعا خلف رؤيته، وهي الإيمان بأن قطر تستحق الأفضل. وبتوجيهه، تحولت أفكار كانت تبدو يوما أحلاما بعيدة المنال إلى مشاريع واقعية عظيمة، ألهمت واحتضنت المواهب العربية من مختلف أنحاء العالم. وكثير من تلك المواهب أخبروني أنهم لم يشعروا بالفخر بكونهم عربا كما شعروا به في قطر. وصل والدي إلى الحكم، ثم تخلى عنه، بطريقة غير مألوفة. كان هدفه دائما أن ينقل وطننا من الفقر إلى اقتصاد قوي يجعل الإنسان وقيمته في المقام الأول. تولى المسؤولية ليُحدث التحول، ثم تنازل عنها ليمنح ابنه العزيز الفرصة لقيادة المرحلة التالية، مؤمنا بأنه أوفى برسالته، وأن أخي قادر على حمل الأمانة من بعده. بالنسبة له، كانت عبارة «المقياس قطر» تعني أيضا إفساح المجال للقيادة الشابة لتتولى زمام المسؤولية. وفي آخر لحظاتي معه، حدثني عن مدى فخره بأخي. وبعد وفاته أدركت أن قراره بالتنازل عن الحكم، رغم غرابته في منطقتنا، كان القرار الصائب. فقد أعطى كل ما يستطيع تقديمه، وحان الوقت ليسلم المسؤولية إلى جيل جديد. كنت واحدة من الشباب الذين منحهم ثقته، لكنني قبل ذلك كنت ابنته، التي منحها من الدعم والتمكين بقدر ما منح أبناءه الذكور. منذ طفولتي، لم يسمح لي أن أؤمن بوجود حدود لما أستطيع تحقيقه. علمني السباحة، والغوص، والقيادة، ولعب الورق، والتنس، والسفر، والحب، والضحك، والحياة، والأهم من ذلك كله: العطاء. شجعني على الدراسة في الولايات المتحدة، ثم في باريس، وكان يدفعني دائما إلى آفاق أوسع. وفي كل صيف كان يهيئ لي فرص التدريب العملي، ولم أتردد يوما في اتباع نصيحته، لأنه كان يعرفني أكثر من أي شخص آخر. إذا اتصل بي وشعر أنني لست بخير، كان يطمئن علي يوميا، وإذا لاحظ شيئا في نبرة صوتي كان يقول ببساطة: «صوتك مب عاجبني». كان والدي قويا ورقيقا في الوقت نفسه، عميق الشخصية ورفيع الفكر. كان يتمتع بحدس مميز، ويعطي كل ذي حق حقه. وكان يبحث عن أصحاب الكفاءة لقيادة المشاريع المختلفة، فإذا اختار أحدا منحه الثقة الكاملة ومكّنه من النجاح. كنت أتحدث معه باستفاضة عن المشاريع التي أعمل عليها، وكان يفاجئني بقدرته على تذكر التفاصيل عندما يعود ليسألني لاحقا عن تطوراتها. ولم تكن هذه العناية مقتصرة عليّ، بل كان كل من حوله يشعر بها. امتلك والدي مواهب كثيرة، لكن أعظمها بالنسبة لي كانت قدرته على الإصغاء والاهتمام بالناس. في اليوم التالي لتخرجي من الجامعة عام 2005 بدأت العمل معه. وخلال أيام قليلة كنا نسافر حول العالم، من شيكاغو إلى نيويورك، ومن طوكيو إلى سنغافورة. كانت طاقته تفوق الوصف، وإصراره الدائم يدفع الجميع إلى الأمام. وكان لكل قرار يتخذه معنى عميق. كنت في الثالثة والعشرين من عمري عندما طلب مني تولي مسؤولية متحف الفن الإسلامي. وأتذكر جيدا أنه في اليوم التالي لافتتاح المتحف نظر إليّ وسألني ببساطة: «ما هو المتحف التالي الذي سنفتتحه؟» لم يكن هناك وقت للاحتفال بما تحقق، بل كان التركيز دائما على الخطوة التالية. فقد كان يرى أن البنية التحتية الثقافية ليست مجرد مبانٍ، بل محرك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجودة الحياة، وتطور الإنسان. كان يدفعني دائما إلى الاجتهاد، ويبقيني متواضعة، وقبل كل شيء إنسانة حقيقية. وكان يحب أن يضحك على نفسه، وعلمني أن أفعل الشيء نفسه. ثقته في اتخاذ القرار ومواجهة التحديات منحتني الثقة لأفعل ذلك أيضا. لقد علمني كل ما أعرفه، ليس بالمواعظ، وإنما بالقدوة. عندما تولى الحكم، ألغى الرقابة الإعلامية، وأنشأ قناة الجزيرة. وأعتقد أن هذا كان أكثر إنجاز يفخر به، ليس لقطر فقط، بل للعالم العربي بأسره. كان يريد الارتقاء بحياة العرب، وأن يعيشوا بكرامة، وأن يمتلكوا صوتا مؤثرا في الإعلام، والتعليم، والثقافة، والسينما، والرياضة، وغيرها. وكان يؤمن بالحوار لحل النزاعات، ويملك الصبر للاستماع إلى آراء الآخرين. ولم يكن يعتبر الاختلاف مواجهة، بل كان يشجعنا على قول الحقيقة، والبحث عن الرأي الصائب حتى نصل إلى الحل. وكانت القرارات تُتخذ دائما وفق ما يخدم مصلحة قطر، لا وفق الميول الشخصية. فقطر تستحق الأفضل، وكل ما يجب عمله ينبغي أن يُنجز بأفضل صورة ممكنة. وفي كل عصر، كان يقود سيارته ليتفقد المشاريع الجديدة والأحياء السكنية، وأحيانا يتوقف عند بيوت الناس ليسأل عن أحوالهم. ظل قريبا من شعبه، وكأنهم جميعا أبناؤه. فلم يكن هناك طفل أو كبير، مواطن أو مقيم، يشعر أنه بعيد عن حضوره أو عن ابتسامته. وراء القائد صاحب الرؤية، كان هناك ببساطة زوج مخلص، وأب محب، وجد حنون. كان يكنّ لوالدتي احتراما بالغا، ويثني دائما على دورها الكبير في تربيتنا وخدمة المجتمع. وكانت القيم التي يطالب بها في العمل هي نفسها التي يطالب بها داخل المنزل. لم تكن الإجازات وقتا للكسل، بل كان يوقظنا باكرا لنستثمر كل يوم، ويغرس فينا روح الانضباط. وكانت موائد الغداء تجمع السياسيين، والمفكرين، والكتّاب، والفنانين، والأصدقاء القدامى. كان والدي كريما بقلبه، ووقته، واهتمامه، وفضوله المعرفي. لا يضيع لحظة من عمره، ولا يجعل أحدا يشعر بأنه أقل أهمية منه. وكان كثيرا ما يعرّف نفسه ببساطة قائلا: «أنا حمد». وبابتسامته الدافئة وعينيه البنيتين المفعمتين بالود، كان لقاء واحد أو حديث واحد كافيا ليترك أثرا لا يُنسى. عندما يأتي الموت، لا يبقى إلا الحب والإرث. وفي أيام الحداد، بينما يتوافد الناس من مختلف أنحاء العالم إلى قطر لتقديم العزاء، أرى أعظم إنجاز تركه والدي: وطنٌ موحد، يجتمع أبناؤه ومحِبّوه من القريب والبعيد على الحزن لفقده. وأفضل طريقة لتكريمه هي أن نبقى متحدين، ومركزين، ومنضبطين، وعازمين على تقديم الأفضل لوطننا ولمنطقتنا. وستظل ثقته المطلقة وفخره بأخي مصدر إلهام لنا، لنواصل تحقيق ما يبدو مستحيلا، وأن نبقى ثابتين على هدفنا دون أن تشتتنا الأمور الجانبية. لذلك، عندما نعود إلى أعمالنا، فلنعمل بجد أكبر، متذكرين ما كان ينتظره منا: أن نكون أفضل نسخة من أنفسنا، وأن نخدم وطننا بأفضل ما نستطيع، وأن نظل متواضعين، ولطفاء، وكرماء، ومضيافين كما عهدنا أنفسنا. رحم الله والدي، ولتظل ذكراه ترشدنا طوال حياتنا
1911
| 19 يوليو 2026